يؤلمني أن أستخدم "هويتي" الدينية لأردّ، كمواطنة تفضّل أن تعامَل كشخص علماني فرد وحرّ، على سماحة السيد حسن نصرالله، وأقول له الآتي: لقد علّمتنا الكنيسة المارونية – على حاجتها الماسّة الى التحديث والحداثة والعصرنة – أن حريتنا هي أساس وجودنا، وأن إسرائيل هي عدوّتنا، وأن خطرها على المسيحيين، بل على الكيان اللبناني، لا حدود له. لقد تعلّمنا منذ 1948 ما يكفي في هذا الموضوع، لكن على طريقتنا الثقافية، وبخطابنا وأسلوبنا الجوهريين، لا بالخطب والشعارات "العروبوية" العاقرة، بما يعفيكَ يا سماحة السيد، ويعفي جميع الخطباء الشعبويين، من مشقة تعليمنا هذا العلم الذي يأكل معنا الى موائدنا، في الكنائس والبيوت والعقول والضمائر والأفئدة والحقول والمدارس.
لقد أخذ الكرسي الأنطاكي للموارنة على نفسه، مهمة السهر على الكيان اللبناني وحفظه من الأخطار التي لا تني تتهدده ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. هذا الكرسي لا ينال منه تطاولٌ سياسي مبتذل من هنا، ولا محاولات تهشيم من هناك، ولا خطط صغيرة (أو كبيرة) لتطويعه أو مصادرته أو ترهيبه أو… تفكيكه من هنالك. فهو يترسخ جذوراً وكينونة متجددة كلما هبّت الأعاصير عليه أو على الكيان الوطني.
نكره للبنان أن يكون بلد "التكليفات الشرعية"، لكن إذا كان ولا بدّ، فصوت الكرسي البطريركي، كصوت يوحنا الصارخ في البرية، هو "تكليف شرعي"، ولن تخوّفه كل "التكليفات"، من أيّ جهة أتت. وجميعها، في كل الأحوال، من خارج الحدود، وإن يكن البعض بأصوات محلية. فيا جبل ما يهزّك ريح. ونقطة على السطر.
لكن ما علّمتنا إياه الوقائع والممارسات العملانية على الأرض اللبنانية، يشكل، هو الآخر، خطراً على المسيحيين، بل خصوصاً على الكيان اللبناني. "ولاية الفقيه اللبنانية" مثلاً تطبيقياً ساطعاً. فنقطة ثانية على السطر.
نصيحة "ببلاش" الى مؤيدي "التيار الوطني الحر"، الذي لم يعد زعيمه الفوهرر الأوحد، يستحقّ عندي، بعدما كنتُ – وعائلتي – من أشرس المدافعات والمدافعين عنه، أن يُسمّى جنرالاً سابقاً في الجيش اللبناني، ولا قائداً سابقاً له: قتل الضابط الطيار سامر حنا حرب، وجهاً لوجه، واعتراف قاتله بقتله، ثم إطلاق سراحه الصفيق، يشكّل رمزاً للخطر لا على وجود المسيحيين فحسب، بل للخطر، كل الخطر، على الكيان اللبناني برمّته، الذي يزعم هذا "التيار" وزعيمه، الدفاع عنه. هذا، أيها الأصدقاء الخلّص، "تكليف شرعي". وهنا أيضاً نقطة ثالثة على السطر.
ثم نصيحة ختامية، و"ببلاش"، وهذه هي نقطة رابعة وأخيرة على السطر. رسالة الى الأنقياء والخلاّقين والطليعيين في "التيار العوني": اتركوا جنرالكم وحيداً، تنقذوا المسيحيين والكيان اللبناني من الخطر الداهم. ومعاً نبني لبنان الديموقراطي العلماني الحرّ الحديث. ومعاً نحفظ الحرية والتنوع، ومعاً نحارب إسرائيل الحرب الجوهرية الحقيقية – لا الحرب الدينية ولا الحرب الكلامية – وهي وحدها تنتزع الحقوق السليبة في فلسطين ولبنان وسوريا ¶
"النهار"




















