جهاد الزين
كمسؤول رئيسي عن الجيل الجديد الذي انتقلت اليه قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، بنظر نفسه كزعيم لحركة "حماس" وعملياً بنظر اسرائيل والقوى الكبرى في العالم، اعاد خالد مشعل في خطابه من دمشق امس ترتيب الاخطار الاساسية على مصير الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة… بما يجعل خطر قيام "الوطن البديل" في الاردن يتقدم كقضية ملحة على خطر "التوطين الفلسطيني" في لبنان.
اكد خالد مشعل حرفياً في خطابه امس: "الرفض القاطع للتوطين والوطن البديل خاصة في الاردن فالاردن هو الاردن وفلسطين هي فلسطين ولا بديل عن فلسطين الا فلسطين".
لا يقلل خالد مشعل مطلقاً من خطر التوطين في اي دولة بما فيها لبنان، وهو اصلاً لم يسم – ولا يحتاج ان يسمي – اي دولة بالاسم في هذا السياق التوطيني، ولكن في حديثه عن "الوطن البديل" لم يترك مجالاً لاي التباس في تسميته الاردن.
تعكس "اعادة الترتيب" هذه… جديد المرحلة. فانتقال قيادة المؤسسة الامنية – السياسية الاسرائيلية الى التركيز على "يهودية دولة اسرائيل" مع كل ما يعني ذلك من احتمالات سياسية وتعبوية لا سابق لها في السجال التفاوضي الفلسطيني – الاسرائيلي في العقدين المنصرمين، يعيد الى الواجهة خطر مشروع الاردن "كوطن بديل" مع الانغلاق البنيوي الجديد في النزاع الاسرائيلي الفلسطيني والطرح الوقح لمصير "عرب 48".
علينا ان نلاحظ هنا انه منذ مؤتمر مدريد، وتحديداً منذ "اتفاق اوسلو" تراجع الى الخلف شعار "الوطن البديل" بل اختفى، لا سيما مع توقيع الملك حسين اتفاق وادي عربة عام 1994 الذي وضع معاهدة سلام اسرائيلية – اردنية تعترف لاول مرة في نص ثنائي مكرس في القانوني الدولي بالحدود السيادية للدولة الاردنية.
في المقابل، وبشكل تلقائي في الفترة نفسها، تصدّر خطر توطين الفلسطينيين في لبنان اجندة الادبيات السياسية الاوروبية والاميركية، حتى ان كل مشروع اتفاق نهائي قدّم من الاميركيين، ولا سيما "ورقة كلينتون" في اواخر تسعينات القرن المنصرم وفي اواخر ولاية الرئيس بيل كلينتون الثانية، خصّت لبنان بالاسم من بين كل دول اللجوء الفلسطيني بالتأكيد على ايجاد حل خارج لبنان للفلسطينيين المقيمين على أرضه، وبصورة خاصة عودتهم الى اراضي الدولة الفلسطينية التي ستقوم في الضفة (والقطاع).
الآن، عادت الاولوية على ما يبدو لمسألة مواجهة "مشروع" الاردن كوطن فلسطيني بديل، امام حجم الطروحات الراديكالية لليمين الاسرائيلي الحاكم والصاعد. وهذا ما يلتقطه "الحدس" السياسي الاردني والفلسطيني على السواء على الرغم طبعاً من عدم وجود اي اعلان اسرائيلي رسمي يفيد هذا الاتجاه.
هذا الضغط في ترتيب المخاطر، يعني اللبنانيين طبعاً الذين يشكل "التوطين" هاجساً تقليدياً لديهم، لكن ربما كان على النخب السياسية اللبنانية ان تنتبه هذه المرة ان احتمالات تأزم النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني في وجهته الجديدة، رغم الضغط الاميركي في اتجاه "حل الدولتين"، يتطلب منها معالجة من نوع جديد لابقاء هذه المسألة في المستوى السياسي البارز الذي سبق لها ان بلغته على المستوى الدولي.
من الطبيعي في الحالة هذه ان الحساسية الاردنية ستزداد حيال اي نشاط اسرائيلي قد تفهم منه عمان انه يدفع في اتجاه الوطن البديل، مثلما تمكن قراءة رفض الاردن انعقاد "مؤتمر فتح" على اراضيه! او التشدد الاردني في بعض الملفات المتعلقة بأردنيين من اصل فلسطيني… لا سيما ان تعقيد واتساع موجات النزوح والتجنيس الفلسطينيين في الاردن هما اكبر واشمل بكثير مما في لبنان منذ العام 1948، حتى ان تقدير الحد الادنى لعدد سكان الاردن يعتبر نصفهم على الاقل من الفلسطينيين.
في الاردن كل الكيان في خطر امام المشروع الكابوسي للوطن البديل، اما في لبنان فالحساسية الشديدة تتعلق بجزء من الديموغرافيا.
والمهم ان يتمكن الطرح اللبناني الرسمي من ابقاء "المرتبة" الملحة لموضوع "التوطين" قياساً… وبالتوازي مع ضخامة المسألة الاخرى العائدة.
(alkadaya@hotmail.com)



















