"الحياة"
هل سينسجم الفرقاء اللبنانيون مع التطوّرات الإقليمية المتتالية، التي تتسم بإيجابيات عدة، فيسعون الى خفض جدي لنسبة التوتر بينهم، استناداً الى خفض حال التوتر الإقليمي، وبين ما كان يسمى المحاور العربية؟ أم أنهم سيواجهون صعوبة في التأقلم مع هذه الليونة التي تبديها الأطراف الإقليمية، لأنهم ذهبوا بعيداً في الخصومة بين بعضهم البعض وفي تعبئة جمهورهم وأجهزتهم الحزبية وتنظيماتهم؟
والسؤال يطرح مع ما نشأ من توجهات تتسم بالاعتدال، بعد الانتخابات النيابية وفوز قوى 14 آذار بالأكثرية بعدما كانت المعارضة تهيئ لتسلمها دفة الحكم بثقة عالية بالنفس، خلافاً لوقائع تبين أنها كانت ماثلة أمام الأعين حجبتها التعبئة السياسية والإعلامية والنفسية والركون الى وقائع مغلوطة وقراءات متسرعة لما يجري في الشارع اللبناني من تفاعلات التأزم السياسي المتراكم خلال السنوات الماضية.
كما أن ما يفرض طرح السؤال حول قدرة الفرقاء المختلفين على التكيّف، هو أن الكثير منهم يبطئ التأقلم بعد معركة سياسية – انتخابية كان عنوانها «الأمر لي»، على رغم ادعاء كثر بأن لبنان «بلد التوافق والتسويات والتنازلات المتبادلة». لقد تمت تغطية الأهداف الفعلية للصراع السياسي الجاري منذ سنوات، والذي جاءت الانتخابات واحدة من ذرواته، بشعارات تستبطن أغراضاً ونيات مغايرة لتلك الشعارات، وبالتالي يصعب على من كان يتوقع أن يتولى الحكم وحده لإطاحة أناس وزجهم في السجون، بحجة اتهامهم بالفساد تارة وبالعمالة تارة أخرى، أن يتكيّف ذاتياً مع توجه حقيقي لا شكلي، نحو التسويات والتوافق على مرحلة جديدة.
لكن بعيداً من الصعوبات الذاتية عند بعض الفرقاء من الذين يتوقف عليهم النجاح في أخذ لبنان الى حال من الاستقرار النسبي، قد تدفع الظروف الموضوعية المحيطة بلبنان من بيدهم تسهيل الانتقال الى هذه الحالة الى اعتماد سياسة الخطوة خطوة، بموازاة ما يمكن وصفه بأنه سياسة الخطوة خطوة والتحسن التدريجي في العلاقات الإقليمية، والعلاقات الإقليمية – الدولية.
وإذا كان يتوقف على المعارضة، الإبطاء أو التعجيل في الانسجام مع ما يجري في الإقليم من انفتاح سعودي – سوري مفتوح على تحسن في العلاقة المصرية – السورية، وانفتاح أميركي – سوري قطع في الأسابيع الأخيرة شوطاً أكثر مما هو متوقع… الخ، فإن رئيس البرلمان المنتخب بالأمس نبيه بري كان الأسرع في التقاط الإشارات التي عكسها ركنا الأكثرية الفائزة زعيم «تيار المستقبل» النائب سعد الحريري ورئيس «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط، في السعي لدى حليفه الأقوى «حزب الله» من أجل مواكبة هذه الإشارات من الخارج ومن شركاء الداخل.
ويبقى أن يقتنع حلفاء بري بأن ترشيح الحريري لرئاسة الحكومة يرمز الى إدارة جديدة للأزمة السياسية اللبنانية التي يفترض أن ينخفض مستوى التوتر فيها الى أدنى مستوى، لمواكبة خطوات التبريد القائمة إقليمياً، ما يعني حداً أدنى من الاستقرار. وهذا يحتاج الى لغة جديدة وممارسات مختلفة ومقاربات توفيقية.
فهل سيصمد الرئيس بري عند دوره هذا في العلاقة مع حلفائه في المعارضة؟ أم أنه سيضطر الى مراعاة صعوبة استدارة بعضهم؟
ثمة مسؤولية على الأكثرية، لا على بري أو المعارضة وحدها، في هذا المجال، هي ألاّ تبعد عن حساباتها أن الأزمة التي فتحت أبوابها في إيران هي سبب يدفع «حزب الله» الى بعض الليونة في لبنان. فما يجري في طهران قد يكون فتح الباب على وقائع جديدة إلا أن العملية السياسية في هذا المجال قد تأخذ وقتاً طويلاً من جهة وقد تفرض على «حزب الله» المزيد من التشدد بدل الليونة، إذا حاول الآخرون استضعافه.



















