الصورة قاتمة، والاحصاءات مذهلة، والتشخيص متشائم للغاية. الصحف الاميركية كما نعهدها تحتضر ومهددة بالانقراض. الازمة تتخطى المأزق الاقتصادي الذي تواجهه وسائل الاعلام عموما والصحف خصوصا لتصل حتى الى المفهوم التقليدي للصحافة، مع ما يحمله ذلك من تهديد للديموقراطية وسلطة القانون. أزمة الصحف الاميركية بنيوية وليست مرتبطة بالانكماش الاقتصادي الراهن، واذا كان ثمة أي أمل بانقاذها فانه سيتطلب اجراءات اقتصادية جذرية، وممارسات جديدة مثل تدخل السلطات الحكومية من طريق تقديم حوافز ضريبية او الغاء الرسوم البريدية وغيرها من المساعدات غير المباشرة للصحف، وهي ممارسات كانت وسائل الاعلام الاميركية ترفضها بشدة في السابق.
تواجه الصحافة المكتوبة في اميركا اليوم أزمة مالية هي الأسوأ في تاريخها، شكلت خطراً وجودياً أدى إلى انقراض صحف قديمة، وأرغم بعضها، مثل صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" العريقة وعمرها 101 سنة على الهجرة من عالم الورق والحبر المكلف إلى فضاء الانترنت، واعلان افلاس صحف قديمة ونافذة مثل "شيكاغو تريبيون" و"لوس أنجلس تايمس" و"فيلادلفيا انكوايرر"( لاتزال تصدر بصعوبة خلال مفاوضات اعادة برمجة قروضها) . كما فرضت الأزمة على كبريات الصحف الأميركية تسريح آلاف الصحافيين والمحررين والتقنيين، وخفض رواتب الباقين، والاقتراض للبقاء على قيد الحياة.
العالم الإعلامي الجديد بتقنياته الالكترونية التي جلبتها شبكة الانترنت مثل "تويتر" و"فايسبوك" الى الفضائيات وشبكات الكابل، عالم يتغير باستمرار ولا يكن الود للصحافة المكتوبة "القديمة" والمكلفة. ولا يوجد هناك ادراك كامل لما يعنيه انقراض التقاليد المهنية للصحافة المكتوبة، مثل التحقق من دقة المصادر، وطرح الأسئلة النقدية على السلطات من محلية أو وطنية، وتغطية العالم بكل تعقيداته، ونشر التحقيقات الاستقصائية وكشف الانتهاكات للقوانين والحقوق.
ومنذ أكثر من سنة، يكاد لا يمر أسبوع من دون أن يتم فيه نعي أو إفلاس صحيفة محلية أو جهوية أو تحولها إلى صحيفة الكترونية مثل "بولتيمور صن" أو "روكي ماوتن نيوز" أو "سياتل بوست-انتليجنسر".
أسباب الأزمة كثيرة، مالية وإدارية وتقنية، منها: تقلص الإعلانات الذي يتبعه انخفاض نسب التوزيع. وبأهمية الإعلانات تأتي شبكة الانترنت التي أرغمت الصحف على أن تفتح صفحاتها الالكترونية للقراء مجانا، وهي تظن خطأ كما هو واضح اليوم، أن الإعلانات ستلحقها إلى فضاء الانترنت. وزاد من حدة أزمة الصحافة المكتوبة انتشار ظاهرة الفضائيات التلفزيونية وشبكات الكابل، والانتشار الهائل للمواقع الالكترونية ومواقع المدونين التي يلجأ اليها الشباب الأميركي للحصول على المعلومات والتعرف على التعليقات.
وهناك جيل بكامله من الأميركيين لا يعرف، أو لم يختبر، ذلك الطقس الصباحي الذي اختبره أهلهم وحتى أجدادهم، ألا وهو قراءة صحيفة وربما صحيفتين في الصباح مع فنجان القهوة والفطور، في البيت أو في المطعم.
إحدى مفارقات احتضار الصحافة المكتوبة تحت ضربات شبكة الانترنت وفضاء المدونين، هي أن معظم المقالات والتعليقات التي تنشر على هذه المواقع منقولة أو "ملطوشة" من الصحف والمجلات.
وثمة متغيرات تاريخية أعمق وأقدم تتعلق بطبيعة الصحافة المكتوبة وهويتها وقدرتها- أو عدم قدرتها- على التأقلم مع متغيرات المجتمع والسوق والأنماط في جمع المعلومات وتوزيعها وحتى انتاج المعرفة.
وليس من الواضح الان ما اذا كانت التقنيات الاعلامية الالكترونية الجديدة ستقضي على الصحافة المكتوبة او تهمشها كما همشت السيارة في القرن العشرين القطار ونظام السكك الحديد الذي فتح الغرب الاميركي ووحد البلاد اقتصاديا في القرن التاسع عشر. الازمة الراهنة للاعلام ولا سيما منه الصحف تؤكد اخفاق محاولات رجال الاعمال والاثرياء في بناء امبراطوريات اعلامية لتحقيق الارباح بالدرجة الاولى. واخفاق الشركات الاعلامية الكبيرة في استشراف المستقبل وابتكار طرق جديدة لتطوير نفسها والتنافس الفعال مع تقنيات الاعلام الجديدة، مشابه لاخفاق شركات القطارات في بداية القرن العشرين في ايجاد نموذج اقتصادي ومالي واداري جديد للتأقلم مع التحديات الجديدة للمواصلات، لان المسؤولين عنها أصروا على التفكير وفق نموذج قديم، ولم يفكروا بطرق جديدة للمواصلات مثل الشاحنات والطائرات.
في المقابل، إذا ما أصر أصحاب الصحف على التصرف وكأنهم أسرى المطابع والورق بدلا من التفكير بوسائل معلوماتية جديدة تحميهم من خطر الانترنت، فإنهم سيهمشون أنفسهم، كما يحدث هذه الأيام لصناعة السيارات الأميركية التي تخلفت عن منافسيها في اليابان أو ألمانيا.
احصاءات قاتمة
الإحصاءات والوقائع في السنوات الماضية ترسم صورة قاتمة لمستقبل الصحافة المكتوبة في أميركا، وربما في مناطق كثيرة في العالم. فمنذ عام 2000 انخفض توزيع الصحف في أميركا من 55 مليون نسخة إلى 50 مليونا. وفي الفترة ذاتها انخفضت عائدات الصحف بنسبة 28 في المئة، أي بقيمة 11 مليار دولار، وهذه الإحصاءات لا تشمل الانخفاض الذي حصل بعد بدء أزمة الكساد الاقتصادي الراهن.
وتتضح بشاعة الخسائر حين تعطى وجهاً إنسانياً، إذ تبين الإحصاءات أن نحو 16 ألف وظيفة تبخرت من الإعلام التقليدي في 2008، ووصل عدد الوظائف التي ألغيت هذه السنة إلى 8484 وظيفة وفقا لما جاء في صحيفة "بوليتيكو". ومصيرالعديد من الباقين أي نحو خمسين الف صحافي غير مضمون.
وفي الأشهر الأخيرة، حتى كبريات الصحف الأميركية اضطرت إلى تسريح مراسلين ومحررين بعد انخفاض عائداتها. وفي مقدم هذه الصحف "الواشنطن بوست"، التي كشفت فضيحة ووترغيت، وأرغمت- للمرة الاولى في تاريخ الولايات المتحدة- رئيس البلاد ريتشارد نيكسون على الاستقالة. فقد انخفضت عائدات هذه الصحيفة في الفصل الرابع من السنة الماضية بنسبة 77 في المئة، واضطرت إلى إلغاء بعض الأقسام ودمجها بأقسام أخرى. وهناك أيضا "النيويورك تايمس"، التي تملكها عائلة أوكس- سالزبيرغر منذ 113 سنة. فهذه الصحيفة، التي تعتبر من ابرز الصحف الأميركية والعالمية وأكبرها، وكانت قد كشفت مجازر الحرب في فيتنام وأكاذيبها، اضطرت اخيرا إلى رهن مقرها في مدينة نيويورك في مقابل قرض بقيمة 250 مليون دولار وبفائدة 14 في المئة حصلت عليه من رجل الأعمال المكسيكي كارلوس سليم اللبناني الأصل الذي يملك أيضا إمبراطورية إعلامية.
واضطرت "النيويورك تايمس" اخيراً الى تسريح مئة موظف وخفضت رواتب الآخرين بنسبة 5 في المئة، وزادت سعر الصحيفة ليصل الى دولارين في بعض المناطق، وهذه الصحيفة تجد نفسها اليوم معرضة للشراء من رجال أعمال أثرياء من أمثال كارلوس سليم، أو ديفيد غيفين (المنتج المعروف في هوليوود) او روبرت موردوك صاحب الامبراطورية الاعلامية العالمية الذي اشترى صحيفة "الوول ستريت جورنال" النافذة. وقبل بضعة اسابيع تم إنقاذ صحيفة "البوسطن غلوب" القديمة والمهمة التي تملكها شركة "النيويورك تايمس" من نهاية محتمة بعدما تراجع موظفوها ونقابتهم عن رفضهم الأولي لقرار خفض رواتبهم. صحيفة "لوس انجلس تايمس" سرحت هذه السنة 300 موظف. صحيفة "ميامي هيرالد" سرحت 205 موظفين… وهكذا. واغلق بعض هذه الصحف، وغيرها مكاتبها في واشنطن او قلصتها جدا، ولم يعد لمثل هذه الصحف أي حضور في العالم كما كان الوضع في السابق. وحتى في مناطق النزاع او المناطق المهمة للاميركيين اقتصاديا واستراتيجيا او ثقافيا، لم تعد تحظى بتغطية وافية من جميع وسائل الاعلام الاميركية، بما في ذلك العراق وافغانستان (العامل الامني والخطر على حياة المراسلين كان ايضا سببا مهما)، ولكن العامل الاساسي هو عامل اقتصادي. ولشبكة التلفزيون الاميركية المهمة "أن بي سي" مراسل واحد يجول في منطقة الشرق الاوسط وجنوب آسيا. واذا استمرت هذه الانماط سيستمر انكماش الصحف، وستختفي ظاهرة وجود صحيفتين على الاقل في المدن الاميركية الكبيرة، وربما حرمان بعض هذه المدن صحيفة واحدة.
صحيح أن أزمة الصحافة المكتوبة في حد ذاتها لن تهدد حرية التعبير والنشر. فهذه حقوق يضمنها الدستور الأميركي. ولكن انحسار، أو تعرض الصحافة المكتوبة للوهن، ستكون له مضاعفات كبيرة على حيوية النقاش السياسي والاجتماعي والفكري في البلاد، وسيؤثر سلبا على قدرة المواطن عبر الصحافة على معرفة ما تفعله السلطات من محلية أو فيديرالية، أو مراقبة أداء الأجهزة الحكومية في الداخل والخارج، خلال فترات الاستقرار والسلام، لاسيما خلال فترات الأزمات والحروب.
الصحف والمطبوعات- الأسبوعية والشهرية- تقوم بالقسط الأكبر من صحافة الاستقصاء، أو نشر التحقيقات الميدانية التي تستغرق كتابتها أحيانا أسابيع وأشهرا، ويشارك فيها أكثر من صحافي، وتتطلب مخصصات مالية كبيرة، وهو أمر لا تفعله شبكات التلفزيون بكثرة، كما لا تستطيع المواقع الالكترونية تنفيذه بالفعالية والدقة نفسهما.
وصحيح أيضا انه لا تزال هناك فجوات وعيوب في تغطية الصحافة الأميركية للعالم، بما في ذلك العالمان العربي والإسلامي، وخصوصا خلال فترات الأزمات. ومع ذلك لا بد من الاعتراف بحدوث تحسن كبير جدا في تغطية الصحف الأميركية للقضايا العربية والإسلامية خلال ربع القرن الأخير (في المقابل حصل أيضا تحسن في تغطية الإعلام العربي للقضايا الأميركية). ومن هذه الفجوات ما حصل في الفترة التي سبقت غزو العراق، عندما أخفقت هذه الصحافة في طرح الأسئلة المشككة على المسؤولين الذين ادعوا خطأ وجود أسلحة دمار شامل في العراق لتبرير الغزو، أو كذبوا عندما قالوا إن هناك علاقة وتعاونا ميدانيا بين نظام صدام حسين وتنظيم "القاعدة".
ولكن هذا الإخفاق الذي اعترفت به صحف أميركية بينها "النيويورك تايمس"، وان بدرجات متفاوتة من الصراحة، حين مارست النقد الذاتي ولطم الذات بعد أشهر من الغزو، يظهر أيضا ان هذه الصحافة المكتوبة قادرة على محاسبة نفسها والتعلم من أخطائها.
لقد أثبتت الصحافة الأميركية المكتوبة أهمية دورها كرقيب على ممارسات الحكومة وسياساتها منذ هجمات 11 ايلول2001 وغزو العراق عام 2003، بما فيها الانتهاكات التي ارتكبتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش للقوانين الأميركية والدولية بما فيها اساءة معاملة المعتقلين في غوانتانامو وتعذيبهم . والامثلة على ذلك كثيرة ومنها ان من كشف جرائم التعذيب وإساءة معاملة سجناء سجن أبو غريب في العراق كان مجلة "النيويوركر" (وأيضا شبكة التلفزيون "سي بي أس"). ومن كشف نظام السجون السرية في العالم لمعتقلي "القاعدة" الذي كانت تديره وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي اي" كان صحيفة "الواشنطن بوست". ومن كشف برنامج التنصت على المكالمات الدولية لبعض المواطنين الأميركيين مع أشخاص قيل انه يشتبه في تورطهم في الإرهاب، من دون الحصول على أذونات قضائية مسبقة كان صحيفة "النيويورك تايمس".
وأخيرا وليس آخرا، من كشف مجزرة الحديثة في العراق والتي حاول بعض الضباط الأميركيين التغطية عليها كان مجلة"تايم".
وإذا أردنا العودة عقودا إلى الوراء، نجد ان صحفا مثل "النيويورك تايمس" و"الواشنطن بوست"، على رغم الانتقادات المحقة التي كانت توجه لتغطيتها لقضايا واحداث المنطقة، غطت الغزو الإسرائيلي للبنان بدقة وموضوعية، بما في ذلك فظاعة المجازر التي ارتكبت في مخيمي صبرا وشاتيلا في بيروت. هذه التغطية المتميزة نال عليها الصحافيان توماس فريدمان من "التايمس" ولورن جينكنز من "البوست"، جائزة بوليتزر المهمة.
لهذه الأسباب، فان أزمة الإعلام الأميركي التقليدي (خارج الانترنت) وتحديدا أزمة الصحافة المكتوبة ليست أزمة تهم أو تخص أميركا وإعلامها فحسب، لان الإعلام الأميركي عموما لا يزال نافذا ومؤثرا في العالم كله. وانحسار الصحافة المكتوبة سيؤدي إلى انحسار الثقافة والمعرفة أيضا، لاسيما ان المزيد من الأميركيين (وأيضا العرب) يعتبرون التلفزيون مصدرهم الرئيسي للمعلومات.
وقبل اشهر، عقدت اللجنة الفرعية للتجارة في مجلس الشيوخ جلسة استماع لمناقشة موضوع "مستقبل الصحافة"، والاستماع الى ضحايا الصحافة المكتوبة وأولئك الذين ورثوها في عالم الانترنت. وهناك حديث عن مشاريع قرارات في الكونغرس لمنح الصحف إعفاءات ضريبية، بما في ذلك المواطنين الذين يشتركون في شراء الصحف، او الغاء الرسوم البريدية على توزيع المجلات، او فرض رسوم محدودة على قراءة الصحف في شبكة الانترنت وغيرها من المقترحات.
لا احد يستطيع ان يقول بيقين ما هو مستقبل الصحافة المكتوبة في أميركا، ولكن مما لا شك فيه ان أفول نجمها وانحسار دورها كرقيب وناقد ومحاسب للحكومات الأميركية وسياساتها، لن يكون كارثيا على أميركا وثقافتها السياسية فحسب، بل على العالم كله.
الرئيس الاميركي الثالث، واحد أهم مؤسسي الجمهورية الاميركية توماس جيفرسون، الذي تعرض خلال ولايته لانتقادات لاذعة من الصحافة، كان من اكثر المؤمنين بأهمية الصحافة لصون الديموقراطية لانها تعبر عن رأي الشعب. ولجيفرسون قول مشهور في هذا المجال هو " لو طلب مني ان اقرر ما اذا كان يجب ان تكون لنا حكومة من دون صحف او صحف من دون حكومة لكنت قد اخترت الصحف من دون حكومة".
واشنطن – من هشام ملحم
"النهار"



















