اثار التصويت بغالبية 96 صوتاً من اصل 97 في برلمان اقليم كردستان العراق على مشروع دستور الاقليم، الاربعاء الماضي، ردود فعل واحتجاجات قوية من اطراف عرب واكراد على حد سواء. وعلى رغم اشتراك الجانبين في عملية الاعتراض، الا ان وجهات نظر كل منهما مختلفة تماما، فالعرب وخصوصا السنّة سكان مدن الموصل وديالى وكركوك وممثليها في مجلس النواب العراقي، تنصب اعتراضاتهم على قضايا "حدودية"، فيما تنصب اعتراضات بعض الشخصيات الكردية اساسا على قضايا "سياسية".
ويشار الى ان الفقرة الاولى من المادة الثانية من مشروع دستور اقليم كردستان محل الاعتراض العربي نصت على اعتبار "كردستان- العراق كياناً جغرافياً تاريخياً يتكون من محافظة دهوك بحدودها الادارية الحالية ومحافظات كركوك والسليمانية واربيل واقضية عقرة والشيخان وتلكيف وقرقوش ونواحي زمار وبعشيقة واسكي كلك من محافظة نينوى وقضاءي خانقين ومندلي من محافظة ديالى".
الجبهة العربية
وبحسب بيان صدر الخميس عن "تجمع 22 تموز كركوك" وتلاه النائب عن محافظة كركوك في مجلس النواب العراقي محمد تميم، فان التصويت على مشروع دستور الاقليم يمثل "لغماً" قد يعصف بالوحدة الوطنية لجهة ان الديباجة حمّلت العرب مسؤولية عدم قيام دولة كردستانية وعد ذلك تجنياً على الحقيقة حيث "كان عرب العراق، ونقصد هنا الشعب العربي في العراق – وليس السلطات – الملاذ الآمن لاخوته من اكراد العراق ".
واعتبر البيان ان اخطر ما ورد في المادة 2 من دستور الاقليم هو "رسم حدود ليس لها وجود الا في ذهنيات وبرامج بعض الاحزاب السياسية الكردية المتعصبة، وهي عبارة عن تمنيات تتعارض مع الواقع ونص المادة 120 من احكام الدستور الاتحادي". ووصف عملية ضم مشروع الدستور لبعض المناطق بـ"احلام المجانين"، ووجه الدعوة الى مجلس النواب الاتحادي والسلطة التنفيذية من اجل ان "يهبوا" للدفاع عن وحدة العراق ارضاً وشعباً.
الى ذلك، هدد بيان وقعه أعضاء في مجلس النواب عن محافظة نينوى بعدم السكوت عما اعتبروه "أطماعاً كردية" في حقوق الشعب العراقي وفي الأراضي العراقية. وأضاف أن "ما جاء في دستور كردستان المقترح من ضم مناطق أخرى للإقليم من محافظة نينوى، يمثل تحديا صارخا لمشاعر المواطنين في المحافظة ". وشدد على تمسك هؤلاء النواب بالحدود الإدارية لمحافظة نينوى، ورفض إضافة أي شبر من المحافظة الى اقليم كردستان.
وفي السياق عينه، قال النائب عن القائمة العراقية أسامة النجيفي ان مسودة الدستور "مخالفة للدستور العراقي، ولا يمكن قبولها، سواء تم التصويت عليها أم لا. انه امر غير مقبول وغير شرعي وهو محاولة لاثارة فتنة عراقية ". واضاف: "لن نتنازل عن متر واحد من مناطق العراق، سواء في نينوى أو كركوك أو ديالى، وستبقى ضمن العراق، وتابعة للمركز، ولن يستطيع الأكراد أن يأخذوا أي جزء منها، سواء كتبوا ذلك في الدستور أم لم يكتبوه".
من جهته، دعا النائب عن طائفة الشبك في الموصل وعضو الائتلاف العراقي الحاكم حنين القدو، مواطني إقليم كردستان الى رفض مشروع الدستور لأنه يمثل "تحدياً لمشاعر المكونات العراقية، ومصادرة لارادتهم الوطنية، ويلحق الأذى بمصالح مواطني الإقليم وامنهم واستقرارهم من جهة، ويهدد أمن العراق واستقراره من جهة اخرى".
وخلافاً للتصريحات الحادة التي اطلقها النواب العرب الممثلون لمحافظات كركوك والموصل، قال النائب والقيادي في حزب الدعوة الاسلامية حيدر العبادي: "انا لا استطيع ان احكم على مشروع الدستور، هذا متعلق بالاقليم، والمواطنون والقوى السياسية في الاقليم هما من يحدد الافضل لهم". وعن تعارض بعض فقرات دستور الاقليم مع الدستور العراقي قال: "هناك محكمة دستورية عليا في البلاد وهي التي تقرر ما اذا كان ثمة تعارض ام لا ".
الجبهة الكردية
معظم تصريحات الشخصيات العربية في الموصل وكركوك متوقعة ويمكن ادراجها في اطار خلافات قائمة بينها وبين القوى الكردية على عائدية مناطق متنازع عليها، غير ان تصريحات بعض الشخصيات الكردية الرافضة لمشروع الاقليم تحتاج الى البحث عن اسباب مختلفة تماما عن النزاعات الحدودية، ووضعها في خانة التقاطعات السياسية الحادة بينها وبين المكونين الاساسيين للتحالف الكردستاني المتمثلين بالاتحاد الوطني الكردستاني – حزب الرئيس جلال طالباني – والحزب الديموقراطي الكردستاني – حزب رئيس الاقليم مسعود البارزاني – المسيطرين على معظم مفاصل الاقليم السياسية والاقتصادية.
فقد اعتبر رئيس قائمة التغيير في انتخابات الاقليم المقبلة نشيروان مصطفى ان مشروع الدستور المصوّت عليه "باطل"، وقال انه سيلجأ الى المحكمة الاتحادية الدستورية في بغداد للطعن في شرعيته، وان "الدستور اقر من برلمان منتهية ولايته قبل اشهر وأي قانون او تشريع يصدر عنه يعد باطلا". واعترض بشدة على منح رئيس الاقليم صلاحيات واسعة في مقابل تقليص صلاحيات البرلمان في الوقت الذي يرغب الأكراد في اقامة نظام يتمتع فيه البرلمان بصلاحيات كبيرة في مقابل صلاحيات تشريفية لرئيس الاقليم. واضاف: " نحن مع نظام برلماني وليس رئاسياً ولا نريد خلق ديكتاتور صغير في كردستان ".
وهذا المعنى كرره المرشح لرئاسة اقليم كردستان كمال ميراودلي بقوله: "الدستور وضع على عجالة من اجل اعطاء صلاحيات كبيرة لرئيس الاقليم. نعتقد ان ذلك غير شرعي وغير قانوني، والهدف من ورائه اقرار سلطة ديكتاتورية في الاقليم".
وردت قائمة التحالف الكردستاني في مجلس النواب على كل الاعتراضات العربية من خلال مؤتمر صحافي عقدته الكتلة الكردية في المجلس الخميس، وصرح الناطق باسمها النائب سعد البرزنجي: "المادة الثانية من مشروع اقليم كردستان تنص على فقرتين، الاولى تقول: ان كردستان كيان جغرافي وتاريخي يتكون من هذه المناطق.. وهذا ثابت في المراجع التاريخية والجغرافية ولا جدال في شأنه، والثانية تقول: يجري تحديد حدود اقليم كردستان بالاعتماد على تطبيق المادة 140 التي اقرها الدستور الفيديرالي".
ولم يرد في مؤتمر الكتلة رد على اعتراض الشخصيات الكردية، لأن ذلك يمثل شأنا داخليا كرديا يجري التعامل معه داخل الاقليم، فالأكراد ميالون الى عدم تناول خلافاتهم الداخلية في مؤتمرات صحافية تعقد في بغداد.
ويبدو ان الاكراد وخلافاً للاطراف العرب المعترضين، يحاولون تثبيت ثنائية "كيان تاريخي – حدود ادارية"، فالاولى تتيح لهم ادعاء الحفاظ على حدود وكيان الاقليم التاريخي امام مواطنيهم، والثانية توفر لهم ابقاء علاقتهم جيدة بحكومة المركز في بغداد، واحترام الدستورالاتحادي من خلال التمسك بتطبيق المادة 140.
بغداد- من فاضل النشمي
"النهار"



















