جدد المجلس النيابي اللبناني انتخاب نبيه بري رئيساً له لمدة أربع سنوات قادمة، وبري سياسي لبناني مخضرم، وواحد من زعماء المعارضة اللبنانية، وقد اتهمته الأكثرية النيابية اللبنانية السابقة وهي نفسها الأكثرية الحالية، بأنه عطّل أعمال المجلس النيابي لمدة تقارب العام، ولم يدعه لأي اجتماع، تحت مبرر أن الحكومة كانت غير دستورية ولا ميثاقية بسبب استقالة الوزراء الشيعة منها، وتعطل مع تعطيل المجلس إصدار أي قانون أو مرسوم.
وتوقفت أعمال أساسية في الدولة، كإصدار الموازنة، أو تشكيل مجالس لابد من تشكيلها، أو تعيين موظفين كباراً من الفئة الأولى يقتضي تعيينهم إصدار مرسوم، وأخيراً تعذر انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد أن انتهت ولاية الرئيس السابق، وبقي المنصب السياسي الأهم في لبنان شاغراً لبضعة أشهر، حتى اتفق اللبنانيون في الدوحة وبدأت العقد اللبنانية الأساسية تنحل واحدة بعد أخرى، وقد أكد زعماء أساسيون في الأكثرية أن ما قام به بري هو خرق للدستور وتعطيل للحياة النيابية والتشريعية اللبنانية، وانحياز من رئيس المجلس النيابي لمجموعة دون أخرى.
مع أن أولى واجباته أن يكون حيادياً وأن لا يلتزم حتى بقرار كتلته النيابية إذا كان هذا الالتزام يخل بحياده. ورغم هذا كله عادت الأكثرية النيابية وانتخبت نبيه بري مجدداً، وقال البعض أنه التزم ببعض الشروط منها الحيادية والوسطية والتوافقية، ونفى بري وأنصاره وجود أي شرط، كما نفت ذلك شخصيات هامة من تكتل (14) آذار، حيث نصف نوابه أسقطوا ورقة بيضاء.
إن انتخاب نبيه بري، هو القرار السياسي الهام الأول الذي يتخذه المجلس النيابي اللبناني الجديد والمتعلق بالمرحلة المقبلة، ولابد أن الاتفاق على ذلك هو دليل على صيغة توافقية لبنانية شاملة، حيث أن إعطاء هذا المنصب (رئيس مجلس النواب) للأقلية، وهو واحد من أهم ثلاثة مناصب سياسية في لبنان (رئاسة الجمهورية، رئاسة المجلس النيابي، رئاسة مجلس الوزراء) إنما يدل على اتفاق واضح على توزيع هذه المناصب بين القوى السياسية بالتوافق.
وصار واضحاً أن الاستشارات (الملزمة) التي يجريها رئيس الجمهورية عادة مع الكتل النيابية لمعرفة مرشح هذه الكتل لرئاسة الوزراء ستنتهي إلى اقتراح تكليف سعد الحريري برئاسة مجلس الوزراء، ومن ثم سيشكل حكومة توافقية من الأكثرية والأقلية، لابد أن الاتفاق على معالمها الرئيسية قد تم مسبقاً.
وكذا الأمر المتعلق ببيانها الوزاري وبرامجها المقبلة، ويؤكد مثل هذا الاتفاق أن الأقلية النيابية التي كانت تصر على أن يكون لها الثلث الذي يمنع الحكومة من اتخاذ قرارات أساسية، كما كانت تصر على أن تستحوذ على بعض الوزارات، تراجعت في اليومين السابقين لانتخاب بري، ولم تعد تصريحات مسئوليها تتحدث عن شروط مسبقة، وتفيض بالنبرة التوافقية، وإن طالبت بشيء فتؤكد أن مطلبها ليس شرطاً وإنما اقتراحاً أو ما يشبه ذلك.
صرح سياسيون لبنانيون بارزون، من الأكثرية والأقلية، وعلى رأسهم الرئيس نبيه بري، أن هذا التوافق هو نتيجة طبيعية لتوافق ما سموه (س، س) أي السعودية وسوريا، حيث من الواضح أن قوى الأكثرية تتحالف مع الأولى وقوى الأقلية تتحالف مع الثانية.
وقد أشار سياسيون لبنانيون ووسائل إعلام وصحافة هامة، أنه كان للحكومة المصرية أيضاً دور في هذا التوافق، بدليل زيارة سعد الحريري لمصر بعد السعودية، والاجتماع بالرئيس مبارك، قبل يومين من انتخاب بري، وأن مصر شجعت على مثل هذا التوافق.
وإن صحت هذه الافتراضات يكون التوافق اللبناني الداخلي هو النتيجة الهامة الأولى التي يساهم في إنجازها التعاون المصري السعودي السوري، منذ عدة سنوات. وإن من المؤكد أن المرحلة اللبنانية الجديدة هي نتاج هذا التوافق العربي، وفي هذا المجال، فإن سؤالاً يطرح نفسه، هل هذا التوافق طارئ وظرفي أم أنه بداية توافق ثلاثي أشمل، يشكل بداية لاتفاق عربي شامل، حول شؤون المنطقة وشجونها وقضاياها الهامة، كالموقف من الصراع العربي الإسرائيلي، وتأكيد الإصرار على مبادرة السلام العربية، والموقف الموحد من الإدارة الأميركية الجديدة (إدارة أوباما) ومن أحداث العراق ومستقبل العراق، والعلاقات مع إيران بعد أحداثها الأخيرة التي لابد أنها ستلقي ظلالاً على سياسة محمود أحمدي نجاد المقبلة وغيرها، فهل هذا التوافق العربي الثلاثي إذن توافقاً على قضية واحدة بعينها هي المعضلة اللبنانية التي (أتعب التعامل معها الجميع) أم هو توافق استراتيجي بعيد المدى هذه أولى خطواته؟.
إن مجريات الأمور في الشهرين الأخيرين، تشير إلى الخيار الثاني، وتؤكد الأخبار المتسربة هنا وهناك، أن العلاقات السورية السعودية بدأت بدورها السير بطريق جديدة، وما الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأسد بالملك عبد الله بعد الانتخابات اللبنانية إلا مؤشر واضح.
كما تؤكد أن التواصل السوري المصري قطع شوطاً، وأن الدول العربية في طريقها للتوافق، والتخلي عن المناداة بشعارات الاعتدال والتطرف، والاتهام بالانتماء للمحاور والتحالف مع غير العرب. ولعل السياسات العربية أدركت ، ولو متأخرة ، أن التضامن العربي هو طريق الخلاص، وإن كان من غير الممكن تحقيقه لأي سبب، فليتم التمسك بالتوافق على الأقل، وهو أضعف الإيمان.
أعتقد أن مشاريع نتانياهو وخططه وصلفه وتطرف حكومته لم تترك خيارا أمام العرب سوى تبني موقف عربي استراتيجي جديد، ربما كان التوافق في لبنان خطوته الأولى.
كاتب سوري
odat-h@scs-net.org
"البيان"



















