حجبت التغطية الإعلامية الواسعة التي تحظى بها الاضطرابات في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المنتظر منذ وقت طويل حول السياسة التي سينتهجها. كان مراقبون كثر قد اعتبروا أنه من شأن الخطاب أن يحدّد مسار العلاقات الإسرائيلية – الأميركية في ولاية الرئيس باراك أوباما. صحيح أن حجم التغطية لم يغيّر درجة تأثير الخطاب على العلاقات بين البلدين، لكنه حمى إسرائيل من التدقيق الأكثر تمعّناً والتعليقات الانتقادية والنقاش العام التي كان محتوى الخطاب ليثيرها.
بدأ نتنياهو خطابه بكلمات لطالما كرّرتها إسرائيل منذ السنوات الأولى لوجودها، أي أن السلام كان دوماً الرغبة الأقوى للإسرائيليين. وفي مؤشر عن اللهجة التي ستُعتمَد في باقي الخطاب، اعتبر نتنياهو أن السبب في ذلك هو أن الإسرائيليين يتبادلون التهاني بكلمة سلام ويختمون صلواتهم بالسلام؛ وكأن هاتين الحقيقتين تلغيان المسار الطويل والدموي من الاستعمارية الصهيونية والممارسات الإسرائيلية التي جعلت من الصعب جداً، إن لم يكن من المستحيل، تحقيق السلام. الادّعاءات التي ساقها نتنياهو على مر خطابه هي مزيج من المزاعم التاريخية غير الدقيقة والاختزالية السياسية، هذا المزيج الذي يطبع الخطاب الإسرائيلي منذ النكبة. وهكذا نسي نتنياهو مثلاً أن القوات المسلّحة الصهيونية كانت أكثر تفوّقاً من الفلسطينيين والجيوش العربية عام 1948، وأن جمال عبد الناصر لم يطبّق سياسة العنف المدروس ضد إسرائيل، التي انطبعت بهجمات الفدائيين، إلا بعد الهجمات الانتقامية الواسعة النطاق التي شنّتها إسرائيل رداً على محاولات تسلّل فردية من جانب الفلسطينيين، وكذلك الهجمات غير المستفَزّة ضد مراكز يشغّلها عناصر مصريون في قطاع غزة. ونسي نتنياهو أيضاً إقرار موشي دايان بأن حوادث الحدود التي هيّأت الساحة للهجوم الإسرائيلي عام 1967 تسبّبت بها إسرائيل إلى حد كبير وعن قصد، وأن رحبعام زئيفي هو من قال قبل الحرب "من المؤسف أن نتخلى عن العنوان الرئيس الآتي: غزة لنا!" لا أهمية لهذا كله في نظر نتنياهو، لأنه لا يتناسب مع الرواية الصهيونية عن أمة محاصرة لا تزال تحارب لضمان وجودها حتى يومنا هذا، أي بعد واحد وستين عاماً من إنشائها.
وساق نتنياهو أيضاً حجة لقيت أصداء في المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما في الأعوام الأخيرة، ومفادها أن كل انسحاب قامت به إسرائيل أعقبته هجمات "إرهابية" في شكل عمليات انتحارية وإطلاق صواريخ. غير أن هذا الكلام لا يقدّم صورة دقيقة ولا كاملة. أولاً، لا يمكن مقارنة تجربة إسرائيل مع الانسحاب من جنوب لبنان بتجربتها مع إعادة الانتشار الجزئية في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة. ثانياً، في الواقع أدّت كل عمليات إعادة الانتشار الإسرائيلية في الضفة الغربية بموجب اتفاقات أوسلو والاتفاقات المتعددة التي تلتها، إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية وعزل الضفة الغربية أكثر فأكثر بدلاً من منح الفلسطينيين درجة من الحرية لم تكن موجودة قبل إعادة الانتشار. ثانياً، كان "فك الارتباط" الإسرائيلي في قطاع غزة أقرب إلى إعادة الانتشار منه إلى الانسحاب، فجل ما حقّقه هو انتقال قوات الاحتلال الإسرائيلية إلى خارج حدود القطاع بينما حافظت إسرائيل على قبضتها الراسخة على المجال الجوي والمياه الإقليمية والمعابر البرية في القطاع. رابعاً، لم تفسح عمليات إعادة الانتشار المحدودة النطاق المجال أمام تسوية سياسية للنزاع. فعلى الرغم من أن القادة الإسرائيليين – وبينهم رابين – اعتبروها وسيلة لتحقيق غاية، إلا أن الغاية لم تكن إقامة دولة فلسطينية، بل في أفضل الأحوال تطبيق ترتيب محدود جداً قوامه استقلال ذاتي فلسطيني غير إقليمي. وقد أُدرِج هذا الاقتراح في جدول أعمال الحكومة الإسرائيلية السابعة والعشرين التي ترأسها نتنياهو نفسه. كان شعار نتنياهو طوال سنوات: اسمحوا للفلسطينيين أن "يعيشوا حياتهم إنما من دون تعريض حياتنا للخطر". فنتنياهو يؤمن بأن السلام لا يضمن أمن إسرائيل، وتالياً ليس السلام ضرورياً لأمن إسرائيل. غير أن نتنياهو يؤمن أيضاً بأن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع أن توفّر الأمن لإسرائيل. ومن هنا مفهوم "السلام الاقتصادي" الذي هدف إلى "تهدئة الفلسطينيين" وجعلهم خاضعين اقتصادياً لإسرائيل. إنه في الواقع تكرار للعلاقة بين البانتوستان وجنوب أفريقيا في زمن الفصل العنصري. ليس "السلام الاقتصادي" خطوة نحو السلام السياسي. بل إنه المحرّك الذي حاولت إسرائيل من خلاله أن تستبدل التطلعات السياسية الفلسطينية بازدهار اقتصادي فلسطيني.
لقد تحدّث خطاب نتنياهو عن الرابط اليهودي بـ"أرض إسرائيل" (لا بدولة إسرائيل) والواقع (غير المريح) المتمثّل بـ"شعب فلسطيني يعيش في داخلها". وهكذا الفلسطينيون هم مجرد ضيوف في أرض شعب آخر، ولا يُسمَح لهم بالبقاء في هذه الأرض أو يُمنَحون حقوقهم السياسية والثقافية والاقتصادية والدينية (من المالكين الحقيقيين للأرض) إلا إذا خضعوا لشروط معيّنة. في الواقع، تؤدّي هذه الشروط – نزع الطابع العسكري، وعدم السيطرة على المجال الجوي والمعابر البرية والمياه الإقليمية، وعدم القدرة على إقامة روابط عسكرية مع أي دولة، وعدم القدرة على إقامة روابط ديبلوماسية مع دول تعتبرها إسرائيل معادية لها – إلى ولادة الدولة الفلسطينية التي لم ترَ النور بعد، ميتة. وقد كرّر نتنياهو، البعيد جداً عن قبول الدولة الفلسطينية ولو مبدئياً، اقتراحه السابق حول شكل محدود جداً من أشكال الاستقلال الذاتي الفلسطيني، وحتى هذا الاستقلال لا يمكن أن يتحقق إلا بعد تلبية عدد آخر من الشروط الواسعة النطاق (والمنحازة): وضع حد لـ"الإرهاب"، وتعزيز "الحوكمة" الفلسطينية وسيادة القانون، ووضع حد لـ"التحريض" ضد إسرائيل في المدارس. لكن هذا ليس كل شيء: من أجل إقناع إسرائيل بقبول عرضها هي بإقامة دولة فلسطينية من دون سيادة، ينبغي على الفلسطينيين أن يحدّدوا أولاً السمات والخصائص الداخلية لدولة إسرائيل. لم يعد كافياً الاعتراف بإسرائيل. المطلوب هو الإقرار بأن إسرائيل هي "الدولة-الأمة للشعب اليهودي" وبأنها "ستبقى كذلك". إنها في الواقع مطالبة بإذعان الفلسطينيين لاقتراح أفيغدور ليبرمان (وقادة إسرائيليين آخرين قبله) بـ"نقل" المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، بطريقة أو بأخرى، إلى خارج حدود الدولة. كما أنها مطالبة بموافقة الفلسطينيين على ترتيب يكونون بموجبه تحت رحمة إسرائيل، حتى ولو كانوا في "دولتهم" الخاصة. أخيراً، يتغاضى هذا الاقتراح عن الموجبات الأخلاقية الإسرائيلية حيال اللاجئين الفلسطينيين.
لم يحمل خطاب نتنياهو أي مؤشر عن رغبة تل أبيب في إرساء أسس مفاوضات مكثّفة لإقامة دولة فلسطينية وتحقيق السلام مع محيطها العربي، بل أظهر أنه إذا لم تُفرَض ضغوط خارجية كبيرة على إسرائيل، فإن الأخيرة لن تكون شريكة في السلام. كانت التقويمات التي سبقت خطاب نتنياهو حول التأثير الذي من شأنه أن يمارسه على العلاقات بين الولايات المتحدة و"حليفتها الراسخة" (بحسب تعبير الرئيس أوباما)، غير دقيقة، فكل المؤشرات توحي بأنه على الرغم من أن خطاب أوباما يختلف في معظم الأحيان عن خطاب سلفه/أسلافه، إلا أن تحرّكاته (أو غياب هذه التحرّكات) تظهر حتى الآن استمراراً لسياساتهم لا انفصالاً عنها. يجب أن يبرهن الرئيس أوباما أن الفارق بينه وبين أسلافه ليس مجرد اختلاف في الأسلوب (ولا سيما الوسائل المستعملة لبلوغ الغايات)، بل إنه اختلاف في الأهداف.
في الوقت الراهن، يمكننا أن نستنتج بثقة أن نتنياهو نجح في تجاوز العاصفة الأولى في فنجان التي واجهته. السؤال المطروح هو، هل هناك عواصف حقيقية تتّجه نحوه (ونحو إسرائيل)؟
في المدى القصير، يتوقّف الجواب عن هذا السؤال على ما إذا كان الرئيس أوباما سيختار مواصلة المسار السابق أو تغييره. مساكين العرب الذين لا يملكون أي رأي في صوغ دولة فلسطينية مستقلة.
(باحثة لبنانية في الشؤون الدولية – ترجمت النص المرسل عن الانكليزية نسرين ناضر)
"النهار"



















