< لن تنتهي تداعيات الحدث الإيراني، مع توقف مظاهر الاحتجاجات الشعبية في الشارع، ولن تستطيع آليات النظام القائم، وآليات المعترضين عليه، وضع نقطة ختامية، للبدء بكتابة سطور جديدة، لا صلة وصل لها بما سبقها من مقدّمات.
مسؤولية النقاش تفترض ملاحظة القضايا الأساسية، التي سلطت الانتخابات الرئاسية الضوء عليها، واتخاذ الوضعية المسؤولة حيال ارتدادات التطورات الإيرانية، إقليمياً، تتطلب وزن الأوضاع الإيرانية بميزان الموضوعية. هذا يسقط، سلفاً، مادتي الاستعجال والعدمية، اللتين ترافقان، في الغالب، التحليلات الأولى، التي تواكب كل حدث سياسي مفاجئ، أو غير متوقع، أو متجاوز، بحركيته، التقديرات النظرية الجاهزة.
ليس صحيحاً القول، إن النظام الإيراني دخل دوامة انهياره السريع. هذه عجلة لا تسمح بها الوقائع الاجتماعية والسياسية التي يحفل بها الوضع في إيران… وليس دقيقاً القول، أيضاً، إن المياه الإيرانية ستعود إلى مجاريها، ما أن تتعب «أكف وقبضات» المتظاهرين في الشوارع، وما أن تتوقف أصوات الاحتجاج، على المنابر وفوق سطوح المنازل. تلك عدمية، لا تنتسب إلى عملية الاختمار الطويل، الذي تحتاجه كل حركة تغيير مجتمعية. هنا لا تتناسب سرعة تحول الأفكار وتبلورها، مع سرعة التحولات الاحتجاجية ونضجها. لذلك، فإن نظرية «حرق المراحل»، تنتهي، دائماً، ووفقاً لأنماط وتمظهرات سياسية ومجتمعية مختلفة، تنتهي إلى إحراق الأهداف ذاتها.
يصح وصف ما يجري في إيران، بأنه صــراع ضمن أجنحة النظام الإيراني، أي أن المنازعات السياسية، ما زالت تدور تحت سقف الثوابت العامة، التي لم يعلن أحد من أطراف المعادلة الاعتراضية، خروجه عليها… أقله، على صعيد كلامي، واستناداً إلى مقولات واجتهادات نظرية، بديلة.
يصح أيضاً الجهر، بأن البديل الشامل للنظام الشامل الإيراني، ليس موجوداً. هذا لا ينتقص من وجود بذور جنينية، تؤسس لبديل قادم، لكن الأمر يظل في علم «المستقبل الاجتماعي»، الذي لا يملك المراقب، مؤشرات دالة، وأكيدة عليه. يعطي غياب البديل الراهن فرصة أطول للنظام القائم، مثلما يعيّن الإطار الحقيقي والفعلي، الذي يؤطر صورة المعارضة، ويرسم حدود حراكها. الخلاصة من ذلك: إذا كان النظام في طور «سقوطه مجتمعياً»، فإنه ليس في مرحلة «سقوطه سياسياً»، وإذا كانت المعارضة، في موقع «البديل تاريخياً»، فإنها ليست في وضعية «المنقذ السياسي»، حالياً.
لكن ما تقدم، ورغم كل قيوده الموضوعية والذاتية، مهمّ وذو دلالات، إذا ما طرحت القضايا التي يستحضرها الحراك السياسي الحالي على بساط البحث البنيوي، المفتوح، بالضرورة، على أفق تاريخي، ومستقبلي.
وصف المعارضة الحالية، بأنها لا تشكل بديلاً، وبأنها تتحرك ضمن أروقة النظام الإسلامي العام، وبأنها لا تبني سقوفاً، تخالف السقوف السياسية التي تظللها… هذا الوصف، لا يقلل من أهمية الوضعية الصراعية، التي اتخذها المحتجون لأنفسهم، فوق أرضية النظام ذاته. تنبع الأهمية، المشار إليها، من كونها تمس «ثوابت»، داخلية إيرانية، لم يقترب أحد منها، حتى الآن، اقتراباً جدياً، وكونها، تضع موضع النقاش الدنيوي والزمني، ما كان محاطاً «بتابو» ومحرّمات المقدّس والروحي. على وجه من الوجوه، استعادت حركة الشارع السياسة، فأنزلتها من عليائها الإيديولوجية، إلى مقاعد المصالح المباشرة، وخاطبتها من موقع «الندّ المختلف»، وخالفتها بكلام مفهوم وواضح، أي أنها عرّتها من الأغلفة الإيديولوجية، وجذبتها إلى النور، من خلف كثافة الحجب «النورانية»، والوجدانية.
لقد أعلنت «الحركة الإيرانية»، أنه بات من الممكن معارضة «الحاكمين» باسم الإسلام، من دون أن يكون الإسلام ذاته في خطر، أي أنها فصلت بين المقدّس، وبين المقاتلين بسيوفه. كذلك قالت الحماسة الإيرانية، أن «المرشد الأعلى للجمهورية»، ليس دائماً على حق، وأنه فريق سياسي، من دون أن ينال الأمر من قداسة المعتقد الشيعي، الذي يقول بالغيبة، وينتظر قدوم الإمام المنتظر. على هذا الصعيد، جرى التمييز بين «الإمام الغائب»، وبين ممارسات وكلائه، من قبل نفس المعتقدين «بنظرية الغيبة»، الذين ينتظرون، على طريقتهم، ووفقاً لاجتهاداتهم، «علامات ظهور صاحبها». باختصار، يدير المعترضون سياساتهم الاحتجاجية، حول مواضيع الأرض، لأنهم ليسوا في خلاف، أو شقاق، حول قضايا السماء. من هذه النقطة، تتأتى أهمية الاحتجاج الراهن، فهذا يشكل إعلاناً أول عن أزمة النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ويحيل الأمر، برمّته، إلى مخاض سياسي وتاريخي طويل.
من اليسير الاستنتاج أن نظرية «المؤامرة»، فقدت بريقها، في الموسم السياسي الراهن، مثلما فقدت قدرتها التعبوية الداخلية. استطراداً، تجدر الإشارة، إلى أن «العالم مسؤول» عن إشاعة مناخ من الانفراج، حول الوضعية الإيرانية، لأن من شأن ذلك الإسهام، إسهاماً حقيقياً، في تنفيس أجواء الاستنفار الداخلية، التي تجعل كل تحرك سياسي، معترض أو معارض، محفوفاً بتهم «العمالة للأجنبي» وتهديد الأمن القومي و «الإساءة إلى المسيرة التصاعدية الظافرة، للثورة الإسلامية…»!
من المبكر القول، إن إيران قد تسلك دروباً سلكتها «الثورات» في أماكن أخرى، لكن لا بد من ملاحظة أن «المنظومة الاشتراكية»، سقطت من الداخل، فلم تنقذها الإيديولوجيا، ولم ينجدها سباق التسلّح… لأن الحياة كانت موجودة في مكان آخر.
- كاتب لبناني
"الحياة"




















