– دمشق
قبل شهر ونيف حملت افتتاحية صحيفة "معاريف" الاسرائيلية العنوان التالي: "فلتكن سوريا أولا". وجاء فيها: "لن يحدث اتفاق اسرائيلي – فلسطيني، لكن سيحدث اتفاق اسرائيلي – سوري"، وان "إنجاز السلام السوري – الاسرائيلي امر قابل للتحقيق عملياً على عكس السلام الفلسطيني – الاسرائيلي". وانه "اذا أرادت ادارة اوباما انجازاً تاريخياً في الملف الأكثر تعقيداً في العالم وهو الصراع العربي – الاسرائيلي، فعليها ان تبدأ من بوابة دمشق، فهناك مفتاح الكنز لعملية السلام، من اجل المنطقة كلها، وليس من اجل استفزاز الايرانيين فقط".
وفي 10/6/2009، وللتاريخ دلالاته، نشرت "النهار" مقالاً تحت عنوان: "السلام مع سوريا اولاً" كتبه الاميركي من اصل سوري ابرهيم سليمان، الذي سبق له ان قدم افادة أمام لجنة الشؤون الخارجية والدفاع النافذة في الكنيست عام 2007 تتعلق بتصوره للمنظور السوري لعقد معاهدة سلام بين دمشق وتل ابيب.
منذ بداية مقاله، أعاد سليمان الصراع في منطقة الشرق الاوسط الى مجرد امراض نفسية تتطلب علاجاً على الطريقة "الساداتية" ومفادها كسر الحاجز النفسي عبر دخول مشفى "حديقة السلام"! واعتبر ان رفض "السلام" مع اسرائيل مجرد مرض عارض واصحابه مرضى او ربما "مجانين". لكن نقطة البدء في "جنون السلام" او "لوثته" تكمن في التسليم بهوية غير عربية لسكان المنطقة هي "الهوية الشرق اوسطية" وفق رؤية شمعون بيريز في كتابه الشهير "الشرق الاوسط الجديد" ورؤية الرئيس الاميركي السابق جورج بوش لمشروع الشرق الاوسط الجديد او الكبير. اي الغاء الذات وتدجينها لتتماثل مع هوية مفبركة ومختلقة وللانسجام مع كيان مفبرك بنية وموضوعاً، تاريخه ليس سوى رزمة اساطير وخرافات.
كما ان قراءة ابرهيم سليمان، "داعية السلام"، للمشهد الجيوستراتيجي بمتغيراته الرئيسة قادته الى الاعتقاد ان "آفاق السلام بين اسرائيل والفلسطينيين واعدة، لكن شرط تحقق السلام بين اسرائيل وسوريا اولا". وهذه فرضية خاطئة. فانقسام الفلسطينيين الى مجموعات عدة ليس خلافاً على التوقعات المحتملة لأهداف او نتائج المفاوضات او على "كعكة السلام الصفراء"، بل ان الانقسام الفلسطيني الحقيقي هو انقسام تاريخي أملته ماهية وطبيعة ونتائج الصراع في فلسطين، حيث تفتت وحدة الفلسطينيين السياسية والاجتماعية والاقتصادية الى وحدات فرعية: داخل الخط الأخضر وخارجه وخارج ارض فلسطين "الانتدابية".
ولعل الافتقار الى قيادة فلسطينية كفيّة وملتزمة بعملية ادارة الصراع مع اسرائيل، وفق قوانينه الموضوعية وبما يكفل حل هذا الصراع من خلال معالجة مصادره الرئيسة، هو الامر الذي أفضى، ليس فقط الى حالة الانقسام الفلسطيني، بل قاد الى حالة تشرذم سياسي مشفوعة بالإحباط والانزلاق نحو إنتاج محاكاة فلسطينية للصهيونية او تقليدها نهجاً سياسياً. وفي نهاية المطاف ذهبت تضحيات الفلسطينيين البشرية الجسيمة ادراج مردود سياسي بائس، سقفه او طموحه دولة عتيدة الى جانب اسرائيل.
وتشير الحقائق الموضوعية الى ان تلك الدولة – او الكيان السياسي – ستكون ارخبيلاً من الكانتونات او المعازل لا تمتلك القدرة على الحياة بذاتها ولذاتها، ناهيك عن صورتها الكاريكاتورية التي رسمها رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في خطابه الأخير في معهد "بيغن – السادات" في جامعة "بار إيلان"، حيث اعتبر الضفة الغربية وقطاع غزة "جزءاً من أرض الأجداد"، والاستيطان فيها "عملاً صهيونياً رائداً". وانه في حال حصول اسرائيل "على ضمانات دولية بأن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، مع وجود ترتيبات أمنية، واذا اعترف الفلسطينيون بنا كدولة يهودية، سنوافق على إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلام الى جانب الدولة اليهودية".
واذا كان نتنياهو يرى الفلسطينيين في الضفة الغربية مجرد "جمهور" يعيش في ملعب يدعى "ارض اسرائيل"، لماذا يتباكى سليمان على "عدد كبير من الاشخاص الذين يجب اقتلاعهم من جذورهم" – اي المستوطنين الذين بدأت علاقتهم مع الارض في الضفة الغربية قبل اربعة عقود فقط؟ بينما اصحاب الارض الاصليين، أي الفلسطينيين، هم الذين اقتلعت غالبيتهم من وطنها وتحوّل من تبقى منهم الى مجرد "اقلية" في وطنها، ولكن في دولة لسيت دولتها الطبيعية.
لا ينسى الأميركي – السوري ابرهيم سليمان ان يبشر السوريين، وقبلهم الاميركيين والاسرائيليين، بالمنافع الاقتصادية الكبيرة المحتملة للسلام، فيقول: "من شأن توقيع اتفاق سلام مع سوريا ان يضعف الراديكاليين في المنطقة، ويسمح للحكومات بتخصيص الأموال للتعليم والرعاية الصحية بدلاً من تغذية الغضب والكره لدى هؤلاء الراديكاليين". لكنه ينسى عمداً ما تمخض عنه نموذج السلام الاسرائيلي – المصري من فقدان مصر لدورها الاقليمي في محيطيها العربي والافريقي، فضلا عن ان معدلات الفقر والبطالة والرعاية الصحية في مصر لم تتراجع. كما ان السلام الاقتصادي مع اسرائيل أنتج نمطاً من المافيات وتصديراً للغاز المصري الى اسرائيل بأسعار متهاودة، وتزايد حاجة مصر للمعونة الخارجية الاميركية لتأمين خبز المصريين اليومي. أما التلويح بالسير نحو كمب ديفيد "ثالثة" بضمانة اعتراف اميركي وليس اسرائيلي بسوريا قائدة للعالم العربي والتخلي عن الشروط المسبقة الجنونية، اي قطع دمشق لعلاقاتها مع ايران، فهو اعتراف وهمي ولزوم ما لا يلزم وإطعاماً للسوريين جوزاً فارغاً. فضلا عن ان مكانة سوريا ودورها الاقليمي فرضته منذ عقود طويلة حقائق موقعها الجيوبوليتيكي وإدراك النخب السياسية السورية وأنظمة الحكم السورية المتعاقبة للمتطلبات الموضوعية والذاتية لذلك الدور.
"الملف الرمادي" المغلق
حسب صحيفة "يديعوت احرونوت" ان جميع الوثائق المتعلقة بالمفاوضات مع سوريا، موجودة في ملف واحد معروف باسم "الملف الرمادي" ويشمل التفاهمات التي توصل اليها الجانبان وتقييمات حول هذه الوثائق. وكان رئيس الوزراء "الاسرائيلي" الأسبق اسحق رابين أودع لدى وزير الخارجية الاميركي آنذاك وارن كريستوفر تعهداً بالانسحاب من الجولان بأكمله اذا تمت تلبية كل احتياجات اسرائيل.
ويذكر ان وزير الخارجية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان سبق له ان اقترح، عندما كان وزيراً لـ"التهديدات الاستراتيجية" في حكومة ايهود أولمرت، استبدال الشعار المطروح "الارض مقابل السلام" بمبدأ "سلام مقابل سلام" واستئجار مساحات من الاراضي لمدة طويلة بدل التنازل عنها لتحقيق السلام، زاعماً أن الانسحاب من الاراضي المحتلة يشجع على طلب المزيد. ودعا ليبرمان الى تطبيق هذا النموذج مع سوريا بشأن الجولان المحتل، وقال "إن على اسرائيل أن تكون حذرة من أي سلام مع الرئيس السوري بشار الاسد قبل أن تنسحب من الجولان، المنطقة التي اعتبرها ليبرمان أهم المناطق الاستراتيجية لاسرائيل، وبأنها ورقة مساومة مهمة جداً على اسرائيل عدم التنازل عنها".
أما الرئيس السابق لمجلس الامن القومي الاسرائيلي الجنرال في الاحتياط غيورا ايلاند فأورد خمسة اسباب رئيسية تؤكد أن لا مصلحة اسرائيلية في استئناف المفاوضات مع دمشق بحثاً عن اتفاق سلام وضعت معالمه في المفاوضات السابقة بين البلدين. واعتبر أيلاند ان السبب الاول لعدم جدوى اتفاق سلام مع سوريا هو انه لن يحقق لاسرائيل أي شيء على سائر جبهات الصراع ولن يزيل التهديد الايراني النووي. فسوريا لا تؤثر في طهران – في هذه المسألة – بينما الاخيرة ليست متعلقة بدمشق، وبالتأكيد لا تقيم لها شأناً في هذا الملف. واتفاق سلام مع سوريا لن يحل القضية الفلسطينية، بل قد يؤجج الصراع مع الفلسطينيين لأن استئناف المسار السوري سيأتي على حساب المسار الفلسطيني ويشكل صفعة للفلسطينيين، قد تحضهم على انتفاضة جديدة. كما ان اعتماد اتفاق مع دمشق على الانسحاب الى حدود حزيران 1967 قد يحبط أي أمل بإنجاز اتفاق مع الفلسطينيين لا يعتمد المبدأ ذاته الذي ترفضه أغلبية الاسرائيليين. الى ذلك، لن يحل السلام مع سوريا مشكلة لبنان بل قد يفاقمها في ظل تنامي النفوذ الايراني في هذا البلد عبر "حزب الله".
والسبب الثاني، هو الموقف الاميركي، إذ لا مصلحة للولايات المتحدة الآن في توصل اسرائيل وسوريا الى اتفاق.
والسبب الثالث لعدم جدوى اتفاق سلام – حسب أيلاند – يتمثل في عدم ضمان استقرار النظام في دمشق واحتمال أن يقود اتفاق سلام وغزو آلاف السياح الاسرائيليين دمشق الى العمل على قلب النظام ما سيؤدي الى سيطرة "الاخوان المسلمين" على الحكم. ومن غير المؤكد أن يحترم هؤلاء اتفاق سلام مع اسرائيل.
السبب الرابع، وهو الأهم برأي أيلاند، يتعلق بالمسألة الامنية. إذ إن أي اتفاق أمني لن يكون في مصلحة اسرائيل. وإعادة الجولان الى سوريا ستكون خطراً على أمن اسرائيل وتقرب مدى الصواريخ السورية من المدن الاسرائيلية، فضلاً عن أن سوريا قد توطّن في قرى الجولان جنوداً بزي مدني فتصبح هذه القرى معاقل عسكرية أمامية على غرار بنت جبيل في لبنان. أما بقاء الجيش الاسرائيلي في الجولان فيتيح تشكيل تهديد فوري على النظام في دمشق مثل وصول القوات الاسرائيلية العسكرية الى العاصمة السورية بأسرع وقت ممكن. وهذه الحقيقة التي يدركها السوريون جيداً لا تزال تشكل عامل ردع ناجعاً منذ سنوات.
والسبب الخامس والاخير الذي يراه أيلاند تأكيداً آخر على عدم جدوى السلام مع سوريا يتطرق الى المزاج الاسرائيلي الذي بات يرى في الجولان جزءاً من اسرائيل يرفض الانسحاب منه ليس لاسباب أمنية فحسب، بل لأنه لا يريد أن يعيش في بقعة ضيقة كلها اسمنت مكتظة بالسكان، إنما في دولة فيها مصادر مياه ومناظر خلابة وأراض زراعية. أي أن جوهر الرفض الاسرائيلي للسلام مع سوريا يتمثل في الثمن السياسي والأمني الباهظ للانسحاب من الجولان، فضلاً عن أن سوريا وقبل أن تخسر الجولان في حرب 1967 كانت وما زالت تدرك ما يشكله وجود ودور اسرائيل في المنطقة من تهديد للأمن والاستقرار ليس في سوريا فحسب بل في المنطقة العربية جمعاء.
"النهار"




















