"الحياة"
> الشعب منقسم. الحكومة منقسمة. المؤسسة الدينية منقسمة. أحمدي نجاد يتظاهر بالصمت في انتظار «مبرر الإنقاذ» من مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي. موسوي وكروبي ينجحان حتى الآن في الصمود أمام اتهامات بالخيانة، بعد ان رفضا الاعتراف بنتائج الانتخابات، وأوصلا شعارات وتطلعات جيل إيراني جديد إلى الشارع والعالم أجمع.
إيران تنزف دماً وتفتح جروحاً جديدة في منطقة الشرق الأوسط، ونجاد لا يملك سوى التنديد بمن يتدخل في شؤون بلاده، ويا له من منطق عجيب، فهو «عرّاب التدخلات» في شؤون الآخرين، ما يعني انقلاب السحر على الساحر، وهو من تدخل في لبنان والعراق وفلسطين واليمن وباكستان، وتهجم على دول خليجية.
منذ ان تحولت الانتخابات الرئاسية الإيرانية بعد نتائجها «المزوّرة» إلى احتجاجات دامية، ابتعد الرئيس أحمدي نجاد عن الأضواء، في ظل قيام سلطاته بحملة قمع وتعتيم إعلامي على حقيقة ما يجري في الشارع الإيراني، بعد ان تمكّن بدعم من خامنئي من إدخال مسؤولين موالين ومؤيدين له إلى وزارات سيادية، تبوأوا مناصب حساسة، ما جعل تلك الشبكة الكبيرة تعمل وفق سياسة أيديولوجية، إذ يقدّر المحللون ان نجاد استبدل 10 آلاف موظف حكومي، لدعم الموالين له في الجهاز الإداري للحكومة.
الاختناقات تتزايد داخلياً والأمور تتعقد، فبعد انقسام المؤسسة الدينية بين نجاد وموسوي خلال الانتخابات، قاطع أيضاً عدد كبير من النواب المحافظين، بينهم رئيس مجلس الشورى (البرلمان) علي لاريجاني، حفلة الاستقبال التي أقامها الرئيس محمود احمدي نجاد احتفالاً بفوزه، وهو ما يعطي مؤشراً بأن ولايته الثانية ستواجه صعوبات وتحديات داخلية قبل الخارجية، خصوصاً علاقته مع البرلمان.
يحسب للإصلاحي مير حسين موسوي، انه لم يتراجع عن مواقفه، بل ازداد شجاعة وشن هجوماً عنيفاً على خصومه، متهماً السلطة الإيرانية بـ «تزوير» نتائج الاقتراع، والتسبّب في «إراقة دماء» المتظاهرين بقوله: «لست مستعداً للتنازل عن حقوق الشعب الإيراني، الذي أريقت دماء شبابه من دون حق، لأسباب شخصية أو خوف من تهديدات». ثم يضيف في تصريح أورده الموقع الإلكتروني لصحيفته «كلمة»: «الضغوط الأخيرة تستهدف جعلي أتخلى عن طلب إلغاء الانتخابات. حدث تزوير كبير، وأنا مستعد لإثبات ان من يقفون وراء التزوير وقفوا إلى جانب المحرضين على أعمال الشغب التي جرت أخيراً وأراقوا دماء المواطنين».
في الوقت نفسه، استمر مهدي كروبي في الدعوة إلى مواصلة الاحتجاجات والمظاهرات، ومتابعة الخلاف حول نتائج الانتخابات «قانونياً»، مؤكداً ان الذين «أعطوا أصواتهم لنجاد أقلية لا يمكن لها ان تفرض نفسها على الأكثرية».
يخطئ من يعتقد ان الاتهامات الموجهة من السلطات الإيرانية الحاكمة نحو «مثيري الشغب» بأنهم تلقوا أموالاً من أجهزة الاستخبارات الأميركية، يراد بها الولايات المتحدة، بل كان القصد من ورائها قمع الداخل وتخوينه وتخويفه، لتسهيل عملية اعتقال المحتجين ومحاكمتهم تحت عناوين «خيانة الأمة».
ويخطئ خامنئي بدعمه لنجاد، فالأزمة الإيرانية تكبر وتأخذ منعطفاً خطراً في قلوب الجيل الجديد، حتى وان انتصر عليهم «موقتاً» بسياسة قمعية وأعيرة نارية، وهو ما عبّر عنه بعض المحسوبين على نجاد، كقول رئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف، وهو جنرال سابق في «الحرس الثوري» وأحد المقربين من خامنئي، ان «جزءاً من الشعب يطرح تساؤلات حول الانتخابات، وهذا الأمر لا يمكن تسويته بالقوة».
على رغم اختلافي الكبير مع سياسات ونيات إيران، إلا ان طهران قدمت شكلاً من أشكال الديموقراطية «المثيرة»، عندما فتحت صناديق الاقتراع أمام الجماهير في يوم مشهود، ومكّنت الشعب من مشاهدة مناظرات تلفزيونية حية بين المرشحين للرئاسة.
الأكيد ان الأزمة الإيرانية الحالية أظهرت حجم الاحتقان والامتعاض الشعبي من سياسات نجاد، خصوصاً بين المثقفين والجيل الجديد، وطرحت أسئلة واستفهامات كثيرة حول مستقبل إيران النووي وولاية الفقيه. لكن هل ستغيّر طهران من سياساتها الداخلية والخارجية؟ لا أعتقد ذلك بل سيصرّ نجاد ويستمر في مسلكه في الدفع بسياسة أيديولوجية ضد الجيران وتصريحات هجومية ضد الغربيين، وسيحاول التوسع والتمدد على حساب الآخرين ومصالحهم.
بقي نجاد «غير مرغوب فيه» هماً وغماً على قلوب شعب نصفه من شباب لا يرغب في سياساته ولا يكترث بأقواله، بعد ان وجد ضالته في شعارات موسوي الإصلاحية.
فهل ستتوقف كرة الثلج «الشعبية الساخطة» على خامنئي ونجاد، أم ستزيد من سرعة دحرجتها نحو بلوغ ثورة إيرانية ثانية، أم أنها ستموت بعد القمع والقتل؟
أعتقد ان الجواب لن يظهر الآن ولا لاحقاً، وإنما بعد 4 سنوات عجاف.




















