ليل بغداد، أضاءته هذه المرة الالعاب النارية لا المتفجرات، وضجت العاصمة العراقية بأصوات المغنين تصدح بالأناشيد الوطنية قبل ساعات من تسلم العراقيين عاصمتهم ومدنهم الاخرى من القوات الاميركية، في خطوة أولى نحو انهاء الدور القتالي للقوات الاميركية تمهيداً لانسحابها الكامل من العراق في نهاية 2011. وعلى قدر الفرح الذي يستقبل به العراقيون "يوم السيادة الوطنية"، يشكل الانسحاب الاميركي تحدياً لقواهم الامنية الذاتية ولقيادتهم السياسية على حد سواء لاثبات قدرتها على الامساك بالبلد اعتماداً على نفسها فقط للمرة الاولى منذ الحرب التي اسقطت نظام صدام حسين عام 2003.
وقبل ساعات من بدء الانسحاب، كان القادة الاميركيون كما نظراؤهم العراقيون يؤكدون ان الوقت قد حان ليُقبل العراقيون على التحدي الجديد بعد ست سنوات ونصف سنة من الحرب التي ازهقت ارواح عشرات الآلاف من العراقيين وفجّرت صراعات مذهبياً. واذا ما تمكن العراقيون من اخماد وتيرة العنف في الاشهر المقبلة، فإن ذلك سيظهر ان العراق سائر في اتجاه الاستقرار. واذا ما اخفقوا، فإن ذلك سيمثل تحدياً لتعهد الرئيس الاميركي باراك اوباما انهاء حرب لا تحظى بالشعبية سقط فيها 4300 جندي اميركي حتى الآن.
ومع تسلم القوات العراقية رسمياً السيادة على المدن اعتباراً من منتصف الليل الماضي، يملأ شعور بالفخر صدور الكثير من العراقيين. لكن كثيرين تساورهم شكوك في استعداد القوات الامنية المحلية ويتوجسون من تصاعد للعنف. ويخشى الشيعة ان يتعرضوا لتفجيرات من الناشطين السنة، بينما يخشى السنة ألا توفر قوى الامن، التي تتألف في معظمها من الشيعة لهم الحماية الكافية.
وعلى رغم الشكوك والهواجس، انطلقت الالعاب النارية في سماء بغداد، وتوجه الآلاف لحضور احتفال اقيم في حديقة بالعاصمة. وكانت مكبرات الصوت تبث من مراكز الشرطة ونقاط التفتيش اناشيد وطنية طوال اليوم. وزيّنت السيارات العسكرية العراقية بالزهور والاعلام الوطنية.
وقال احد المحتفلين وليد البغدادي: "كلنا سعداء، شيعة وسنة واكراداً، بهذا اليوم… لقد أذانا واهاننا الاميركيون كثيراً".
المالكي
واعلن رئيس الوزراء نوري المالكي اليوم عطلة رسمية و"يوماً للسيادة الوطنية". وقال بعد رئاسته اجتماع خلية ازمة ضم وزراء الداخلية والدفاع وشؤون الامن الوطني، مخاطباً القادة والضباط: "لقد استهدف الارهابيون وحدة العراق وشعبه… وهم يحاولون اليوم اعادة الطائفية من جديد من خلال القيام بعملية ارهابية هنا وعملية هناك واستهداف هذه الطائفة او تلك، لكننا بحمد الله نؤكد ان الطائفية انتهت ولن تعود".
ورأى ان "المعركة ميّزت بين الوطنيين والذين يتحركون بجهل… ونجد اليوم البعض يطلق موجات من الاحتجاج، ويتحدث عن المعتقلين وحقوقهم ونحن لا نتجاهل ذلك، ولكن نسألهم لماذا تتجاهلون العراق والابرياء الذين استهدفهم الارهاب".
وأضاف: "لا يهمكم الذين يتخذون من حقوق الانسان حجة لتحقيق نياتهم، واستمروا في أداء الواجب ما دمتم تعملون في اطار الدستور والقانون وتحافظون على حقوق الانسان".
ثم قال: "اليوم نقف الى جانب العراق ولا نقف الى جانب القتلة والمجرمين، وعلينا ان نستمر في تحقيق أهدافنا بعد القضاء على الطائفية… اذا كان الجميع يدعون البراءة فمن المسؤول عن تدمير البلاد وقتل الناس الابرياء؟… اليوم بدأت السيادة، والجانب الاميركي ملتزم الاتفاق، وعلينا أن ننطلق بعد تثبيت السيادة الى الاعمار وبناء دولة عصرية وننعم بالامن الذي تحقق، وان نحارب الفساد الاداري والمالي الذي هو من مخلفات النظام المباد، ونستمر في مواجهته، وان نواجه الفساد السياسي لأنه أخطر أنواع الفساد".
السامرائي
ووصف رئيس مجلس النواب العراقي أياد السامرائي في مؤتمر صحافي الانسحاب الاميركي من المدن بأنه "يوم تاريخي يسجل لصالح العراقيين بقلب الصفحة الاولى من صفحات الاحتلال الاميركي للعراق".
وأعرب عن تقديره كل "الجهود الخيرة المخلصة التي عملت على انهاء هذا الاحتلال، حتى أولئك الذين اختلفنا معهم بالاساليب".
وشدد على ان "البناء أصعب من التحرير وهناك دول نجحت في التحرير لكنها فشلت في بناء الدولة". وحدد التحديات بزرع حال الولاء للوطن وبناء دولة المؤسسات واصلاح البنية الاقتصادية للبلاد التي شهدت ضعفا كبيرا بسبب الاهتمام الذي انصب على الملف الامني في المرحلة السابقة.
المفتاح الرمزي
وسلمت القوات الاميركية مبنى وزارة الدفاع العراقية القديم الى القوات العراقية في احتفال أقيم في الوزارة في حضور قائد عمليات بغداد الفريق الاول الركن عبود قنبر وقائد القوات الاميركية في بغداد الجنرال دانيال بولجر الذي سلم العراقيين المفتاح الرمزي للوزارة التي كانت آخر موقع من أصل 86 موقعا كانت تحتلها القوات الاميركية.
هيل
وفي هذه المناسبة، صرح السفير الاميركي لدى بغداد كريستوفر هيل في مقابلة مع "رويترز" في مبنى السفارة بالمنطقة الخضراء المحصنة بأن الادارة الاميركية واثقة من ان الحكومة وقوات الامن العراقية يمكنها التصدي للتمرد في البلاد بعد انسحاب القوات الاميركية من المدن.
وقال انه لا يزال ينبغي القيام بكثير من العمل لتحقيق المصالحة بين السنة والشيعة، وانهاء التوتر بين العرب والاكراد، لكن العراق يجب ان يحل هذه المشاكل بمفرده. وحذر من أنه "قد يكون طريقا وعرا لكنه يجب ان يكون طريقا عراقيا". وأضاف: "نحن نعتقد ان العراق جاهز. والعراق يعتقد انه جاهز".
الى ذلك، أبدى قائد القيادة المركزية الاميركية الجنرال ديفيد بيترايوس بعد اجتماع مع الرئيس المصري حسني مبارك في القاهرة، قلقا من موجة التفجيرات الاخيرة، لكنه قال انها تبقى ضمن معدل 10 و15 هجوما يوميا بينما كانت بمعدل 160 هجوما عام 2007.
هجمات
وحتى قبيل الانسحاب، قالت مصادر الشرطة ان سيارة مفخخة انفجرت في مدينة الموصل فأوقعت عشرة قتلى عراقيين بينهم ستة من رجال الشرطة.
وجاء في بيان للجيش الاميركي ان جنديا توفي متأثرا بجروح أصيب بها من جراء انفجار عبوة ناسفة في بغداد.
(أ ب، رويترز، و ص ف، أ ش أ)




















