مرة أخرى تأخذ كوريا على وجه الخصوص والقارة الآسيوية على وجه العموم موقعها في مقدمة الأزمات الإقليمية والهموم الدولية ويصبح على الإدارة الأميركية الجديدة أن تواجه التحدي الكبير الذي تمثله هذه القارة المتعبة والمشاكسة لا أوروبا الموسعة الحليفة ولا أميركا اللاتينية الحديقة الخلفية.
هذه المرة "قوس الأزمات" اشتعل على نحو غير مسبوق ومتلازم من شبه الجزيرة الكورية في الشرق الأقصى الى إيران في أقصى الغرب الآسيوي وما بينهما من هموم ومشكلات على ضفاف المحيطين الهادي والهندي، وتبدو آسيا وهي تقدم نفسها لصانع السياسة الأميركية الجديد في تداخل المشهد المركب بين الحيازة النووية والانتشار الصاروخي، وبين الأزمات والتوترات الإقليمية وبين الصراعات الداخلية على السلطة وبالتالي تتداخل أولويات الاستراتيجية الأميركية بين العمل العسكري المباشر (الجبهة الأفغانية الباكستانية) وبين العمل السياسي (الجبهة الهندية الباكستانية) وبين العمل الديبلوماسي (الجبهة الكورية والإيرانية).
إن ما يعقد الموقف أمام الأميركيين أن الهموم الآسيوية متوالدة ومتعددة وهي ليست بالضبط صورة الهموم الأميركية رغم ما يبدو على السطح من تطابق وتماثل وتعاون، فقمة منظمة "شنغهاي" للتعاون التي عقدت أخيراً في روسيا تجاوزت مرحلة التعاون بين دول آسيا الوسطى لمحاربة الحركات الانفصالية والإرهابية وتكريس الاستقلال والسيادة الوطنية الى مرحلة التنمية الاقتصادية وزيادة التعاون في مجال التجارة والاستثمار.
ومنظمة "سارك" لدول الجنوب تخلصت أخيراً وعلى أبواب قمتها المؤجلة أكثر من مرة من أحد همومها المزمنة أي الحرب الانفصالية في سيريلانكا بعد الهزيمة العسكرية لنمور التاميل، وبقيت أمامها مشكلة كشمير والصراع الهندي الباكستاني المزمن، لكن التعاون في مواجهة الكوارث الطبيعية والإنسانية يحتل البند الدائم على جدول أعمالها.
ومنظمة "اسيان" التي اجتمعت أخيراً مع قيادة كوريا الجنوبية (العضو المراقب) لا تعطي الخطر النووي الكوري الأهمية ذاتها، فالأولوية لبلدان جنوب شرق آسيا هي لمعالجة تداعيات الأزمة المالية العالمية على اقتصادياتها والمضي في بناء منطقة اقتصادية وتجارية حرة.
وإن ما يصعب الموقف أمام الأميركيين أيضاً أنهم غير قادرين على خوض حربين إقليميتين في الوقت ذاته حتى لو أرادوا ذلك فالتجربة السابقة غير مشجعة والأوضاع المالية لا تسمح لهم بذلك، أما الوسائل الأخرى غير العسكرية كالعقوبات الدولية والاقتصادية والتجاربة والديبلوماسية الذكية فلم تعد ذات أمر فاعل أو مردود كبير.
إن الأزمة المتفجرة حالياً مع كوريا الشمالية على خلفية تفجيراتها النووية وتجاربها الصاروخية وحيازتها الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، تضع واشنطن في موقف لا تحسد عليه، فالحرب المفتوحة في أفغانستان التي اعتبرها الرئيس أوباما الجبهة الرئيسية تمنع المجازفة بمواجهةٍ إضافية في شبه الجزيرة الكورية، وهو ما يشجع بيونغ يانغ على المضي في برامجها الطموحة والاستمرار في تحديها السافر لكل العقوبات، دولية كانت أم إقليمية أم ثنائية. أما القوتان الإقليميتان الكبريان فتظهران في مزاج مختلف، فاليابان تمر بحالة اكتئاب وعتاب على الحليف الأميركي مغلول اليدين أمام "الخطر الكوري"، والصين تكرس دورها "العراب" في الأزمة الكورية من دون منافس.
وفي الأزمة الإيرانية الداخلية تبدو واشنطن أقل الأطراف الغربية حماسة وانفعالاً، فالموقف الأميركي الرسمي رغم الضغوط الداخلية والتحريض الأوروبي، يتراوح بين الصمت والحذر الى المراقبة والدعوات الى إدانة العنف والدعوة الى كفالة حرية التظاهر من دون التدخل المباشر والسافر في الأزمة.. وهذا الموقف ينسجم ويخدم الى حد ما مشروع أوباما التفاوضي والحواري مع إيران على الجبهتين: العسكرية في أفغانستان وباكستان، والديبلوماسية في الشرق الأوسط.
والخلاصة أنه وبصرف النظر عن نتيجة الصراع الداخلي على السلطة في إيران فإن طهران لن يتوقف مشروعها النووي ولا نفوذها الشرق أوسطي ولا مشروعها التحالفي الوليد مع باكستان وأفغانستان، وهي عوامل فاعلة ومؤثرة في الجبهتين العسكرية والديبلوماسية التي تديرها واشنطن في المنطقة، وهي تعي ذلك جيداً، وعلى الطرف الآخر من القارة فإن كوريا الشمالية تدرك أنه في المدى المنظور الحرب الأميركية على جبهتها ممنوعة لعدم إمكانيتها، لأن الجبهة المفتوحة في أفغانستان وباكستان تستنزف كل جهدها العسكري وتلتهم إمكاناتهم المالية.
() كاتب فلسطيني في الشؤون الآسيوية
"المستقبل"




















