خيط رفيع ما زال يفصل بين رفض المعارضين الاصلاحيين في ايران الاعتراف بشرعية رئاسة محمود احمدي نجاد ورفضهم الاعتراف بشرعية الثورة الاسلامية. وقوف مرشد الجمهورية والقادة القيّمين على الثورة مع انتخاب الرئيس الايراني وتبنيهم هذا الانتخاب رغم الاعتراضات الوجيهة عليه، جعل رفض هذه النتيجة يبدو وكأنه رفض لسلطة المؤسسة الحاكمة وبالتالي اعتراض على النظام الاسلامي نفسه. ومع ان الاصلاحيين ما زالوا يصرون ان معارضتهم لما يعتبرونه تزويراً لنتائج العملية الانتخابية وما اعقب ذلك من قمع للمتظاهرين، لا تزال معارضة من تحت سقف النظام، وهذه ورقة قوتهم الاساسية، فإن سوء سلوك هذا النظام وسوء تقدير القائمين عليه هو الذي يجعل الاعتراض على هذا السلوك يبدو وكأنه اعتراض على شرعية النظام نفسه. ففي رأي الاصلاحيين، ومنهم المرشح مير حسين موسوي والرئيس السابق محمد خاتمي، أن النظام الذي لا يرى ما يحرجه في تزوير اصوات الناخبين ليس هو النظام الذي أرست ركائزه الثورة الاسلامية: «كيف يستطيع الناس ان يثقوا بنظام يسجن اصدقاءه وحلفاءه وابناءه؟»، كما قال موسوي في احد البيانات على موقعه الالكتروني.
لعبة خطرة يلعبها القائمون على النظام الايراني، ليس ضد العملية الديموقراطية فقط، بل ضد النظام الذي يفترض أنهم يتولون رعايته. باسم هذا النظام اندفع المرشد الاعلى علي خامنئي يدعو المعارضين الى الصمت والقبول بالنتائج كما تم اعلانها، لكن هؤلاء لم ينصتوا الى هذا الصوت، الذي كان يفترض أن يضع نهاية للجدل الدائر. على العكس، استمرت الاحتجاجات واستمر القمع وعمليات الاعتقال، وتصاعد الرفض الى حد الدعوة الى عدم الاعتراف بنتيجة الانتخاب، مع ما لذلك من ذيول اصبحت تصل الى مستوى العصيان المدني ضد الطبقة الحاكمة.
لم يكن اتهام موظفين في السفارة البريطانية بتحريض المتظاهرين وتشجيع الاعتراضات على انتخاب نجاد الا محاولة لتوظيف قادة التيار الاصلاحي في خدمة قوى ومصالح خارجية معادية للثورة الاسلامية. محاولة لم تنطل على أحد، لا في ايران ولا خارجها. لم يصدق احد أن وجوهاً مثل رفسنجاني وخاتمي وكروبي وموسوي وابراهيم يزدي، فضلاً عن عشرات السياسيين والمثقفين الذين دافعوا دائماً عن قيم الثورة الاسلامية، اصبحوا يتحركون بأوامر من عملاء للخارج معادين لهذه الثورة. كما لم يصدق أحد أن عشرات الآلاف من المتظاهرين الذين خرجوا في الايام الاولى، بعد اعلان النتائج، وقبل ان تأخذ اعمال القمع مداها، قد تحركوا بناء على اشارة من موظف او اثنين في سفارة بريطانيا، مهما بلغت قدرة هذا البلد او رغبته في التآمر ضد طهران. ثم لماذا تكون بريطانيا هي التي تتآمر على ايران، ولا يتآمر «الشيطان الاكبر»، مع ان رئيسه الحالي باراك اوباما لا يزال مصراً على المواقف ذاتها حيال رفض التسلح النووي والدفاع عن الديموقراطية والحريات، كما كان يفعل سلفه جورج بوش، ولو كانت اللغة واللهجة مختلفتين؟
من مفارقات الوضع الحالي ان النظام الايراني الذي ظل يسعى، في السر والعلن، على مدى ثلاثين سنة، الى الاعتراف الخارجي، والاميركي خصوصاً به، يواجه الآن اول تشكيك جدي بشرعيته، في الوقت الذي يصل الى البيت الابيض رئيس هو اول من اقفل ملف الدعوات الى اسقاط هذا النظام وسحب الشرعية منه، وتوجه علناً الى «الجمهورية الاسلامية الايرانية» ماداً نحوها يد الحوار والتفاهم. لكن، حتى باراك اوباما لا يستطيع الانفتاح والحوار مع نظام يصف نفسه بالجمهوري، في الوقت الذي تحيط الشكوك بطريقة انتخاب رئيسه.
لم يكسب النظام الايراني صورته القوية، في الداخل والخارج، من تخصيب اليورانيوم ولا من مساندة هوغو شافيز. هذه القوة كانت قائمة على ما كان يفترض انه التفاف شعبي حوله، باعتبار أنه النظام الذي ارتضاه الايرانيون لإدارة شؤونهم. كانت هناك دائماً انتقادات للقواعد المفروضة على السلوك اليومي وعلى جرعات الحرية المتاحة. لكن لم تكن هناك اسئلة تتعلق بشرعية النظام وحقه في الحكم كما هي الآن. واذا كانت اعادة انتخاب نجاد بالطريقة التي حصلت بها قد اساءت الى النظام، فإن ما يزيد الى الإساءة هي الاسئلة التي باتت تحيط بشرعية المؤسسة الدينية الحاكمة وبقدرتها على الاستمرار.
"الحياة"




















