غزة ـ ميسرة شعبان
يعيش الغزيون المتضررون من الحرب الإسرائيلية الأخيرة أوضاعا كارثية جراء عدم توافر مواد البناء لإعادة بناء وترميم منازلهم المدمرة أو المتضررة أو حتى توافر أماكن لاستئجار شقق جديدة للسكن مؤقتا.
ورغم عقد مؤتمر شرم الشيخ لإعمار غزة في الأول من نيسان (ابريل) الماضي، والذي تم خلاله تخصيص مبلغ 5.2 مليارات دولار فيه للإعمار، إلا أن تلك الوعود بقيت حبرا على ورق، ودخلت عملية إعمار قطاع غزة عمليا في حال "الموت السريري" لوجود العديد من الاشتراطات لتدفق الأموال المخصصة للإعمار، فيما يبقى الشرط الرئيسي لفتح المعابر وإدخال مواد البناء، الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شليط.
ويبلغ عدد المنازل التي دمرتها قوات الاحتلال خلال عدوانها نحو خمسة آلاف منزل دمرت بشكل كلي وخمسة آلاف اخرى دمرت بشكل كبير ولم تعد صالحة للسكن إضافة إلى 45 ألف منزل تضررت بشكل جزئي، عدا عن تدمير مئات المؤسسات الحكومية والأهلية، ودمار واسع في البنية التحتية..
ويعاني المتضررون في قطاع غزة من ارتفاع قيمة إيجارات الشقق إن وجدت، ما حدا ببعضهم للعودة إلى الحياة البدائية في بناء أو ترميم منازلهم انتظارا بأموال الإعمار التي لا تأتي.
ويعيش المتضررون حالة من اللايقين دفعهم للتعايش مع الوضع، أو العودة للبدائية في ترميم منازلهم للتغلب على عدم توفر مواد البناء.
يقول المواطن وليد درويش (74 عاما)، من خان يونس، الذي تضرر منزله بشكل جزئي جراء قصف منزل جيرانه وتدميره واضطر مع أسرته البالغ عدد أفرادها سبعة أشخاص للجوء لبيت عائلته مؤقتا للسكن جراء عدم صلاحية منزله للسكن: "انتظرنا إعادة الإعمار على مدار الأربعة أشهر الماضية ولكننا لم نحصل على شيء ولذلك لجأت إلى استخدام الألواح الخشبية من اجل سقف سطح منزلي الذي كان عبارة عن ثلاث غرف من الاسبست وقمت باستخدام النايلون من اجل إغلاق النوافذ الزجاجية المهشمة لكي اشعر مع أسرتي ببعض الأمان وهذا الأمر كلف كثيرا في ظل الغلاء الذي يشهده قطاع غزة لنقص تلك المواد".
ويقول سلامة احمد، الذي هدم منزله بالكامل في منطقة المغراقة جنوب غزة، انه مل من انتظار سماح إسرائيل بدخول الأسمنت والحديد إلى قطاع غزة، وبدأ يدبر أموره بنفسه ليبني بيتا بالطوب، ويضيف أن "إعادة الإعمار عبارة عن كذبة كبرى لأننا لم نلمس شيئا". ولم تسمح إسرائيل منذ عامين بإدخال مواد البناء بعد سيطرة "حماس" على قطاع غزة إلا ما ندر أو القليل مما يتم تهريبه عبر الأنفاق على الحدود المصرية الفلسطينية في جنوب القطاع، ما أدى إلى ارتفاع أسعار ما يتوفر من مواد البناء بأكثر من خمسة أضعاف سعرها الطبيعي حيث يصل سعر كيس الاسمنت ان وجد الى أكثر من مائة شيكل إلى مائة وخمسين في بعض الأحيان.
البنية الصناعية مدمرة
وحال مجموعات شركات الوادية وأبو عيدة التي تضررت بشكل شبه كامل، كحال مئات المصانع الأخرى التي يعمل بها آلاف العمال والذين باتوا بلا عمل منذ العدوان على غزة.
ويقول رجل الأعمال ياسر الوادية: "للأسف لن نتمكن من إعادة إعمار مصانعنا في ظل استمرار إغلاق المعابر".
وكانت قوات الاحتلال دمرت خلال عدوانها على غزة مئات المنشآت الصناعية الواقعة معظمها في المنطقة الشرقية والشمالية من غزة..
وترتبط عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة ارتباطا وثيقا بإعادة إسرائيل فتح المعابر وإنهاء الحصار.
ويقول مستشار الرئيس الفلسطيني للتنمية والإعمار مروان عبد الحميد: "ان رفع الحصار وفتح المعابر مسؤولية المجتمع الدولي للبدء بعملية الإعمار بعدما نجتاز اختبار الوحدة الوطنية ونتمكن من الاتفاق الفلسطيني الداخلي".
ويؤكد المستشار الاعلامي في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) عدنان أبو حسنة أن "إغلاق المعابر المستمر وعدم سماح إسرائيل بدخول مواد البناء إلى قطاع غزة، يؤجل كافة عمليات الإعمار سواء للبيوت التي هدمت أثناء الحرب الأخيرة أو للبيوت التي هدمت خلال الاجتياحات الإسرائيلية التي سبقت الحرب، فنحن في الاونروا لدينا الأرض وأبرمنا العقود مع مقاولين لبناء مئات المنازل في رفح وخان يونس وخصصنا مبلغ 93 مليون دولار لعمليات البناء وقد بدأنا بالفعل في البناء ولكن منذ عامين توقف العمل في تلك المشاريع، ونجري اتصالات عبر المانحين ومن خلال الانروا والأمم المتحدة من اجل سماح إسرائيل بإدخال مواد البناء لإكمال تلك المشاريع ولكن دون جدوى".
ورغم دعوات الفلسطينيين ليل نهار بنجاح الحوار، إلا أن الشك بنجاحه بات يدخل إلى نفوسهم، مما سينعكس سلبا على إعادة الإعمار، ويقول ياسر الوادية "لن يحدث إعمار في ظل حالة الانقسام وإذا لم يحدث تقدم في ملفات التهدئة وشليط سيكون الإعمار صعبا، والأموال العربية لن تدخل غزة إلا بإنهاء الانقسام، وما يجري الحديث حوله تشكيل حكومتين في كل من رام الله وغزة والاتفاق على لجنة تنسيقية بديلة لحكومة الوفاق لن يكون بمقدورها إعادة الإعمار وإنما ستؤجل الإعمار لمراحل أخرى وسيكون هدفها الوصول للانتخابات فقط، وهذا ما يتم دراسته حاليا بين فتح وحماس". وفي ظل غياب أي أفق الوفاق الوطني، بات حلم الاعمار صعب المنال في المدى القريب، وهو ما سيدفع ثمن تأخره المتضررون حتما.
وتضع إسرائيل إضافة لشروط المجتمع الدولي أو ما يعرف بشروط الرباعية شرطا أساسيا آخر للبدء في تدفق الأموال لإعادة إعمار قطاع غزة والمتمثل بالإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شليط.
"المستقبل"




















