كنت برفقة وزير خارجية تركيا الجديد احمد داوود أوغلو في كابول، في افغانستان، عندما اعلنت نتائج الانتخابات الرئاسية في ايران والتي فاز على أثرها الرئيس محمود احمدي نجاد بأكثر من 60 بالمئة من الاصوات، ما ضمن له الهامش المطلوب لعدم وجوب اجراء دورة انتخابية ثانية. ووزير الخارجية التركي الجديد متخصص في شؤون الشرق الاوسط وواضع حجر الاساس لسياسة تركيا الاقليمية التي تترتكز على قاعدة "انعدام المشاكل مع دول الجوار". فإذا بي في موقع متقدم يسمح لي بمراقبة موقف تركيا السياسي ازاء انتخابات بدت مثيرة للجدل في تلك البلاد المجاورة لافغانستان والتي كنا ولا نزال نعتبرها بلدا مجاورا لبلدنا الام تركيا.
وكان برنامج زيارة داوود أوغلو ضيقاً جدا، حيث تضمن لقاءً مع الرئيس حميد قرضاي، يليه لقاء بنظيره الافغاني، بالاضافة الى لقاءات اخرى مع قادة ووفود المجموعات السياسية والاثنية الافغانية كلها تقريبا في مقر السفارة التركية في قلب العاصمة كابول. ولقد ذكرناه بأن كلاً من الرئيس عبد الله غول ورئيس الوزراء رجب طيب اردوغان قد هنأ الرئيس احمدي نجاد بالفوز. ولكنه لم يبد اي استغراب بردة الفعل الفورية للسلطات العليا في تركيا. وصرح لنا في السر، نحن الصحافيون الذين نرافقه، ان احمدي نجاد اقرب بكثير الى تركيا في نهجه.
هل في ذلك اشارة ضمنية الى وجود مقنّع لحالة شبيهة بحالة احمدي نجاد في تركيا؟
يصعب تحديد ذلك ما دام لم يقر بذلك داوود أوغلو عندما سئل عن الامر. من هنا، لم يفت عددا كبيرا من المراقبين الغربيين وبعض الايرانيين المتواجدين في الولايات المتحدة، مسارعة كل من غول واردوغان الى تهنئة احمدي نجاد، حتى قبل ان يوافق المرشد علي خامنئي على نتائج الانتخابات ويعلنها. وكان القادة الاتراك من بين القادة المتسرعين وبادروا الى تهنئة احمدي نجاد على غرار القادة في روسيا والصين.
وعلى الرغم من ان تسرع تركيا كان يمكن ان يشكل محط انتقاد مبرر رسميا، الا انه لا يعبر باي شكل من الاشكال عن اي خيار سياسي مدروس. لذلك، عندما ارسل غول واردوغان بأحر التهاني الى طهران، لم تكن بعد علت المطالبات بكشف عمليات التزوير التي تخللت الانتخابات، ولا اطلقت الدعوات من السيد مير حسين موسوي ومهدي الكروبي، ولا نظمت التظاهرات او وقعت اعمال العنف.
لقد بدأ الموقف التركي يتغير رسميا عندما تدفقت جموع الناس الى شوارع طهران وغيرها من المدن وعندما جرى الطعن بصلاحية الانتخابات وشرعيتها. الامر الذي فرض على الحكومة التركية العودة عن مواقفها. فأخذت وزارة الخارجية المبادرة بأمر من داوود أوغلو، واعلنت ان تركيا تدعم الاستقرار وتأمل ان تنتهي الازمة بصورة سلمية في ايران. وقد كرر داوود أوغلو هذا الموقف، الذي لا لون له، في حديث لصحيفة "دير شبيغل" الاسبوعية الالمانية. واعتبر ان التطورات في ايران شأنا داخليا ايرانيا وان مصلحة تركيا تكمن في استقرار ايران.
بيد ان الموقف الصريح جاء على لسان رئيس الوزراء التركي اردوغان في رد على اسئلة الاعلاميين خلال مؤتمر صحافي الاسبوع الماضي، حين قال إن تركيا، ويعني بذلك الحكومة، على مسافة واحدة من الاطراف جميعها في الازمة في ايران. تغيير الموقف هذا ذو دلالة بالغة حيث يشير الى عدم الانحياز بين السلطة السياسية والمعارضة الاصلاحية، خصوصا لناحية تسرّع القادة الاتراك في تهنئة احمدي نجاد.
بيد ان انقرة لا تزال تحجم عن انتقاد التزوير الانتخابي او اعمال العنف التي مارستها النخبة الحاكمة في ايران ضد المتظاهرين. وقد تباين الموقف الرسمي التركي، في هذا الاطار، مع حلفائها الغربيين الذين انتقدوا بشدة الادلة الدامغة على عمليات التزوير التي تخللت الانتخابات وانتهاكات حقوق الانسان التي اعقبت الانتخابات.
فمن ناحية، تشير تباينات مواقف الحكومة التركية من الازمة الايرانية الى ان حكومة اردوغان لا تشكل قوة لاحداث التغيير في ايران، بل تشكل قوة غيابية تدعم سياسة الوضع القائم. وقد رسخت تركيا هذا المبدأ في سياستها الخارجية لشؤون الشرق الاوسط، في ظل حكم اردوغان، التي طبقتها على دول المنطقة كلها. فقد صمدت تركيا في وجه تجارب عدة رمت الى مراجعة السياسة الاقليمية، وذلك منذ غزو العراق عام 2003. ومن هنا، يبرز موقفها من الازمة في ايران طبيعة سياستها الخارجية المؤيدة لسياسة الامر الواقع، كما ان ذلك ترسخ ايضا في الصيغة التي وضعها داوود أوغلو "انعدام المشاكل" مع دول الجوار.
اما مشكلة سياسة "انعدام المشاكل مع دول الجوار" التي تجلت في الازمة الايرانية فتكمن في ان هذه السياسة تنص فعلا على الاحجام عن التدخل في الشؤون الداخلية لجيران تركيا، الا انها تعني، في المقابل، غياب اي رأي تركي (او ان تركيا تفضل عدم ابداء الرأي) من تطورات الشؤون الداخلية لجيرانها او انظمة حكمهم.
اما الخطر الملازم فيتمثل بكون "المرشد الاعلى واحمدي نجاد سينجوان من الازمة، وسيفعلان ذلك من طريق تسوية محبوكة جيدا لدرجة انهما سيفقدان شرعيتهما امام قادة كثر. وبالتالي، يكون النظام الايراني قد تخلى عن مقولة الديموقراطية التي لازمته، ليتجه الى الصبغة التسلطية المتزايدة والتيوقراطية القمعية. وبموجب حكم السياسة الواقعية، قد تتمكن تركيا، في ظل هذا السيناريو، من الحفاظ على علاقة مميزة مع هذا النظام وتحقق مكاسب على المدى المنظور، في حين انها قد تتكبد الخسائر على المدى المتوسط في حال سقوط النظام.
عدا ذلك، سيصعب على حكومة اردوغان، مع وجود معتمديها الاسلاميين في تركيا العلمانية، ان توفق بينها وبين النظام القمعي الاسلامي في المقلب الآخر والذي يسعى الى امتلاك السلاح النووي. فإذا بالشعب التركي يجد نفسه مأخوذا على حين غرة على غرار حكومته نظرا لما آلت اليه الاحداث في ايران في اعقاب الانتخابات الرئاسية في 12 حزيران (يونيو). فقد اظهرت وسائل الاعلام ان الاتراك استخدموا الوضع في ايران كأداة وفقا لمقتضيات الساحة السياسية الداخلية التركية حيث يتصارع الاقطاب.
الى ذلك، لم تكن وتيرة الانباء من الداخل الايراني كافية، فالاتراك، عموما، يجهلون تعقيدات المجتمع الايراني ودهاليزه السياسية. والطابع الشيعي في ايران الذي يعتبر غريبا عن الاتراك، ضاعف صعوبة فهم الواقع هناك بالنسبة اليهم. اما الصحافيون القلائل الذي تواجدوا في الميدان، فقد حاولوا نقل الاحداث على قدر ما استطاعوا فهمها، وذلك في اطار محدود جدا، قبل ان يغادروا ايران.
بالاضافة الى ذلك، طال الارباك ايضا ازاء التطورات في ايران الكتاب الاتراك الذين يصنعون الرأي العام ويحللون في الصحف. ذلك ان أشد العلمانيين، سواء كان من مناصري الحزب المعارض الرئيس في البرلمان ام من مناصري الجيش، وجدوا في حركة الاحتجاج الايرانية ضد السلطة السياسية التيوقراطية، فرصة لانتقاد الحكومة المسماة بالاسلامية في تركيا ورحبوا بالاضطرابات الحاصلة في طهران. وردا على ذلك، عمل الاعلام الحكومي بصعوبة على تحليل السبب الذي جعل أحمدي نجاد مرشحا لا يمكن هزيمته، مع الاشارة الى بعض اوجه التقارب بين الدعم الشعبي لاردوغان في تركيا ولاحمدي نجاد في ايران. وقد شددت بعض المجموعات المؤيدة للاسلاميين على ان المرشحين المنافسين في ايران مثل موسوي وكروبي ينتميان ايضا الى الثورة والى الجمهورية الاسلامية، الامر الذي لا يشكل قطعا اي خطر على النظام.
الى ذلك، حاول البعض لفت الانتباه الى الثورة المخملية في جورجيا والثورة البرتقالية في اوكرانيا لتركيز الانتباه على الطابع الاخضر للمحتجين الايرانيين وانصار موسوي، فاتهموا الغرب بافتعال الاضطرابات في ايران، وسعوا بالتالي الى الاستفادة من الاضطرابات في ايران لتعبئة الشعور المعادي للغرب في تركيا.
وفي ظل هذا المناخ من الفوضى الفكرية، اسمعت الاقلية، والمقصود بها الاقلية العددية التي انتمي اليها، صوتها لتسليط الضوء على شرعية نضال الشعب الايراني في وجه القمع. وقد أصبح تأثير هذا الموقف اكثر فاعلية ليحدد توجه الرأي العام التركي ازاء التطورات في ايران، بفضل الجهل العام والارباك الاعلامي، والاكاديمي والسياسي في تركيا.
وفي الخلاصة، لقد برز الموقف الرسمي التركي ازاء الاحداث في ايران صامتا نوعا ما ولكنه متباين حيث أخذت الحكومة على حين غرة في 12 حزيران (يونيو) وتملك الارباك الشعور العام في تركيا.
ان تركيا لم تكن وليست المكان الافضل لمراقبة تطور الاحداث في ايران.
"المستقبل"




















