الموقف الديمقراطي العدد 112/ نشرة يصدرها التجمع الوطني الديمقراطي في سوريا
وماذا بعد ؟؟؟
لقد أصبحنا الآن في خضم الأزمة الاقتصادية بل ومن الذين سيعانون كثيراً مع بقية دول العالم من تأثيراتها , حالة من الركود لم يسبق إن مرت بها سوريا منذ منتصف الثمانينات , مما سيؤثر بشكل رئيسي على متوسط دخل الفرد، وانعكاس هذا التأثير سيكون واضحا على كل النواحي الاقتصادية، وهذه الأزمة أوقفت حال البلد بالكامل وعلى كل المستويات , ولا مستجدات تذكر في واقع الأسواق المحلية سوى الخوف من الزيادة السلبية في حالة الركود الاقتصادي التي نشهدها حالياً , وان نقص السيولة الملحوظة بين السواد الأعظم من أفراد الشعب رغم الانخفاض الاخير في اسعار عدد من السلع وفي كل الأسواق والتي يأمل الجميع أن يروا النهاية القريبة لهذه الحالة .. فرغم الفورة العمرانية التي شهدتها السنة الماضية والتي شكلت أمراً مخيفاً تمثل في الارتفاع الجنوني للأسعار شمل كل شيء ولم يستثن منها إلا الإنسان كقيمة سوقية .
فأسعار العقارات لامست النجوم وكذلك المساكن وترافق ذلك مع البحبوحة التي هبت علينا من تحويلات العمالة السورية في دول الخليج على اثر الارتفاع العالمي لأسعار البترول في السنة الماضية.
أما الآن فراحت السكرة وجاءت الفكرة وبدأ كل شيء يتخبط على وقع طبول الأزمة العالمية التي كنا احد ضحاياه رغم تبجح المسوؤلين ليل نهار وتصريحات الرسميين من مستوى وزير أو مستشار , بان الاقتصاد السوري كان الأقل تأثراً من غيره من الاقتصاديات العربية والأجنبية لا سيما إن الأزمة المالية وجهت ضربة كبيرة للاقتصاديات الكبرى في العالم لدرجة إن الخبراء وصفوا العام 2008 بالعام الكارثي لهذه الاقتصاديات التي لم تشهد له مثيلاً منذ الكساد الكبير. و بأننا في سوريا بمنأى عن أي تأثير منها كوننا اقتصاد مغلق, ونسير الهوينا في كل المجالات والأمور بمجملها تحت السيطرة , ولدينا العلاجات لكل الأزمات التي مررنا به سابقاً !؟, فعلى وقع تسونامي الانهيارات العالمية التي هدت اكبر اقتصادات العالم الرأسمالي لم يستطع نظام السوق الاجتماعي المعمول به على ( حد علمنا ) في سوريا إن يجنب اقتصادنا المريض والمتهتك أصلا, من دون أن يترك فيه ندوبا واضحة ترى عن بعد في كل مفاصل الحياة الاقتصادية لدينا ,
ورغم ماحصل أكد معظم هؤلاء ( المسؤولين) مراراً وبالأرقام وجود تقدم ملموس في سياسات الإصلاح الاقتصادي وفق الخطة الخمسية العاشرة مع وجود بعض الانحرافات التي تعوق الاستفادة الكاملة من الموارد المتاحة في الاقتصاد السوري لافتين إلى إن نهج التدرج في الإصلاح الاقتصادي والمالي والنقدي جعل سورية اقل تأثراً من غيرها لما يجري حول العالم, والذي يؤكد « حسب قولهم » صوابية النهج الذي نسير عليه وفق سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي ، لدرجة ان رئيس مجلس الوزراء أكد أمام اجتماع لقيادات الجبهة الوطنية التقدمية إن المعطيات الأولية تشير إلى استمرار النمو الاقتصادي فوق معدل 6% عام 2008 استناداً إلى النمو المتوقع في ناتج كل من الصناعة التحويلية والاستخراجية وتوقع تحسن الإنتاج الزراعي حيث زادت قيمة الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة عام 2000 من 1151 مليار ليرة في عام 2005 إلى 1211 مليار ليرة عام 2006 ليصل إلى 1288 مليار ليرة عام 2007 ويسير الاتجاه العام لمعدل النمو للناتج المحلي حسب ماهو مخطط له باعتماده على العمل ورأس المال وتحسن النوعية الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج كذلك مساهمته في احتواء معدلات البطالة التي شهدتها سورية للفترة بين 1995 و 2005.
وان اعترف مصدري القرارات الاقتصادية بهذه الأزمة أو لم يعترفوا بها , ستكون الحالة قاتمة بكل المقاييس , لأسباب عديدة تتطرق لبعض منها الباحث الاقتصادي عصام خوري في مقالة بعنوان ( سوريا على شفير الهاوية الاقتصادية ). ونضيف إليها بعض النقاط التالية :
كون سوريا من أولى البلاد المصدرة للاغتراب في العالم قياساً بدول العالم العربي وقد تأتي بعد دول شرق آسيا حيث وفود العمالة السورية منتشرة في كل بقاع الأرض وذلك لأسباب عديدة منها : أ- ضعف المردود من العمل في السوق المحلي للقطاع الخاص ( كفاءات مهنية وإجازات جامعية ويد عاملة مدربة ) وعدم القناعة به كونه لايسد رمق الأسرة بشكل لائق معاشياً .
ب- فشل المشاريع الصغيرة التجارية والصناعية رغم سياسة القروض المتوسطة التي سعت إليها المصارف الجديدة في البلد , وما نراه من هروب كثيف لأغلب من تعامل مع تلك القروض لما لها من أثار سلبية راكمت خسائر المتعاملين معها بفوائدها المرتفعة , وشروط قاسية ( رهن بيت السكن أو توطين الراتب والحجز على رواتب الكفلاء , وأضف إلى ذلك بأنها جعلت المجتمع السوري بالكامل ( مكفول وكفيل ) حيث من النادر أن تجد أي مواطن خارج هذه الفرضية وكثيراً ما ألغيت مشاريع عديدة لعدم وجود كفيل يتحمل شروط الكفالة للمصارف كافة .
ج- قلة فرص التوظيف كونها بحسب الكثيرين الملاذ الوحيد للوضع الذي نحن فيه , ووضع مقاييس جديدة صعبة لطالب الوظيفة وتداخلات شتى من كل الجهات الوصائية , وزيادة الشروط المؤهلة لنيل الوظائف , وخاصة لحملة الشهادات الجامعية , وجاءت مؤخراً قرارات وزير التربية الأخيرة , والمتعلقة بإضافة شرطي إتقان اللغة الانكليزية وتعلم تقنيات الحاسوب , وبما أنها مقياس جديد للتطور يحاكي متطلبات العصر الذي نعيشه , لكن البنية التحتية لهذا المشروع لم يؤسس لها منذ فترة في البلاد فكان أولى بمن أصدر هذه القرارات أن فسح المجال لفترة قصيرة لا تقل عن السنتين ليتمكن الجميع من اخذ فرصتهم في كل المجالات.
د- ضعف الإنتاج الزراعي لما رافق ذلك بالسنوات الماضية من قحط وجفاف ذهبت بأغلب مقدرات الفلاحين بدون أية عوائد تذكر, مع زيادة أسعار المحروقات إلى 300% في السنة الماضية والتي أضافت عجزاً جديداً على تكاليف الإنتاج الزراعي .
فكل الأسباب السابقة , جعلت المواطن السوري يهرب إلى فرص عمل أفضل في أي مكان يستطيع الوصول إليه, وقد تمثلت ( نكبة ) المغتربين الأكبر في دول الخليج , حيث الأزمة الاقتصادية هناك أصابت كل مفاصل الحياة الاقتصادية , كونها اقتصاد مفتوح على كل الاستثمارات العالمية . وقد قدرت الإحصائيات الغير رسمية بان 50 حوالي ألف مغترب سوري سيعودون إلى البلاد في الفترة الحالية . وقد أوردت الكاتبة الإماراتية فايزة البريكي في مقدمة مقالة لها (عن هــــروب جماعي من دبي ) : والإمارة تتحول إلى مواقف للسيارات ومباني تسكنها الأشباح بعد الأزمة المالية العالمية ، ويتوقع الاستغناء عن مليون عامل وفني , ومزيدا من الإفلاسات للبنوك والفنادق في دبي ….. والسعودية وأوروبا رفضت مساعدة دبي مالياً بسبب مشاكلها المالية أيضاً , وذكرت صحيفة التايمز اللندنية في أخر تقرير لها من دبي : أن هناك أكثر من 3 آلاف سيارة تقف في مطار دبي تركها أصحابها وهربوا من دبي على أثر الأزمة المالية الاقتصادية العالمية، وعلى أثر الديون التي تراكمت عليهم ). ولا يخفى على أحد التخبط الواضح الذي تعيشه الإمارات من خلال الأزمة المالية العالمية التي تمر بها , وتمثل ذلك في انهيار البورصات وخسرت الأسواق المالية السبع في دول الخليج بنحو 150 بليون دولار في الصدمة الأخيرة , لتتراجع قيمتها السوقية مجتمعة إلى نحو 800 بليون دولار.
وتوقف مشاريع تجارية وعمرانية تفوق قيمتها المليارات .
فالأزمة التي تعانيها دول الخليج مجتمعة , ستؤثر على العمالة الخارجية والتي تمثل قوة العمل الرئيسية فيها , ومنهم العمال السوريون , وقد نشرت دلال أبو غزالة في جريدة الحياة 28/04/2009 التقرير التالي : ( أظهرت نتائج استطلاع أجراه موقع ( بيت دوت كوم ) للتوظيف بالتعاون مع مؤسسة ( يو جوف )، وشارك فيه أكثر من 10 آلاف موظف من أنحاء المنطقة، أن ثلاثة من بين أربعة موظفين يعملون في الإمارات « قلقون » على وظائفهم. فيما أبدت أكثرية في بقية دول مجلس التعاون الخليجي قلقها، وهم يشكلون 67 في المئة في الكويت، و62 في المئة في قطر، و61 في السعودية. وتهدف دراسة ( أوضاع العمل في فترة الركود الاقتصادي )، إلى تسليط الضوء على مفاعيل الأزمة الاقتصادية على حياة الناس المهنية والمالية، عبر معرفة ما يشعرون به وكيف يتصرفون في ظل الوضع الراهن، وكيفية التعامل معه، والإجراءات لخفض نفقاتهم، إضافة إلى تجاربهم الشخصية وفقدان الوظائف خلال الفترة الأخيرة.
وبعيداً عن تعقيدات الموضوع وضبابية أرقام الخسائر الاقتصادية نعود إلى سوريا , وكيف السبيل لمواجهة الاستحقاقات المستجدة ؟
فأمام الوضع الذي نحن فيه الآن, ماذا هيأنا لاستقبال تلك الوفود العائدة من شبابنا المهاجر ؟؟ خالية الوفاض , بعد الذي حصل لهم ماحصل من جراء الخسائر الشخصية التي أصابتهم .
وهل لدى المسؤولين تصورا واضحاً لمعالجة الوضع الناجم عن تلك الحالة ؟ أم إن هذه الأعداد ستزيد نسب البطالة إلى مستويات غير مسبوقة مع وعود آجلة للحل ! والذي نخشاه في هذه المرحلة ظهور أمراض اجتماعية جديدة مترافقة مع تلك الأزمة , وقد تكون من أخطر ما يواجه المجتمعات في الوقت الحالي ؟..
علماً بأن هناك 2.2 مليون مواطن عاجزين عن تأمين حاجاتهم الأساسية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن خط الفقر الأعلى المقدر بمبلغ 2035 ليرة سورية للفرد الواحد يضم 5.3 مليون مواطن، أي ما يعادل مليون أسرة سورية تقريباً. فلا يمكن لأسرة مؤلفة من أربعة أشخاص أن تعيش على دخل واحد فقط، علماً بأن هذا هو حال قسم كبير من الأسر السورية.
وبمجاراة كل هذه الأرقام الفلكية لا تزال سورية تعاني من أزمة بطالة مرعبة، لا يبدو أنها في طريقها إلى الحل في المدى المنظور ولا بعد عشرات السنوات من العمل بهذه الخطط، إذ أنه وفقاً لإحصائيات هيئة مكافحة البطالة في سورية , وقياساً لما حققته الهيئة في السنوات الماضية، فهي تحتاج لما يقارب العشر سنوات كي تؤمن فرص عمل للمسجلين لديها ـ حتى تاريخه ـ هذا بغض النظر عن 400 ألف وافد جديد إلى سوق العمل سنوياً.
ونتمنى على الجهات الرسمية , أن تأخذ في حساباتها أهمية وضرورة تطوير قطاع الأعمال , للنهوض بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مختلف القطاعات , الصناعية والتجارية والخدمية , لتكون القوة المحركة لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تأثرت بالوضع الجاري , من خلال وضع إستراتيجية شاملة, لتطوير هذه كل القطاعات , ومتابعة تنفيذ هذه الإستراتيجية مع كافة الجهات المعنية. حيث إن دعم القطاع الخاص أمرا مهما , وذلك من خلال تقديم تسهيلات أكثر للقيام بمشاريع تستطيع استيعاب أعدادا إضافية جديدة من اليد العاملة الوافدة وتسهيل إجراءات الحصول على القروض الشخصية . والمساعدة في منح التراخيص الإدارية من مجالس المدن , والبلديات , لأي مشروع استثماري دون تعقيدات الروتين القاتل في كل المؤسسات الحكومية. وتخفيض قيمة الفائدة وتبسيط الضمانات. وتحفيز المشاريع التي تستوعب يد عاملة أكثر.
3 حزيران 2009- شهبا – السويداء
"جريدة العربي"




















