اكد وزير خارجية سوريا وليد المعلم قبل ثلاثة ايام في تصريح نقلته وسائل الاعلام ان بلاده لا تتدخل في شؤون لبنان الداخلية وابرزها في هذه الايام تأليف حكومة جديدة بعد الانتخابات النيابية التي اجريت في السابع من حزيران الماضي. لكنه تحدث عن ضرورة "ان تكون هذه الحكومة حكومة شراكة ووفاق وطني بين الأطراف اللبنانيين بحيث تؤدي الى استقرار لبنان"، ودعا الى ان يكون لدى هذه الحكومة "رؤية شاملة لطبيعة العلاقات المستقبلية بين سوريا ولبنان تأخذ في الاعتبار العلاقات التاريخية بين البلدين. وما يهم سوريا هو ان تعرف التوجه اللبناني في موضوع العلاقات معها".
ينطوي هذا "الشق اللبناني" من تصريح الوزير المعلم الذي تناول ايضاً قضايا اخرى على تناقض واضح رغم اللغة الديبلوماسية التي يستعملها دائماً. فهو من جهة يؤكد عدم تدخل بلاده في شؤون لبنان، ومن جهة أخرى يحدد ابرز مواصفات الحكومة المقبلة مثل "الشراكة والوفاق الوطني". علماً ان مفردة الشراكة استعملها قبله فريق 8 آذار اللبناني الامر الذي يدعو الى التساؤل حول من منهما استعملها اولا. وهذا التساؤل ليس خبيثاً كما قد يخيل الى البعض وانما يفرضه الواقع التحالفي القائم بين دولة سوريا وأحد فريقي الصراع وربما التسوية في لبنان. وهو من جهة يريد رؤية شاملة لعلاقات لبنان وسوريا تأخذ في الاعتبار العلاقات التاريخية بينهما. وهذا امر يريده ايضاً اللبنانيون كلهم بمن فيهم فريق 14 آذار والمستقلون، اذا بقي هناك مستقلون، ولا تقتصر المطالبة به على 8 آذار. لكنهم يريدون في الوقت نفسه من الوزير المعلم او من اي مسؤول سوري آخر أو من النظام السوري بل من سوريا كلها شرحاً للعلاقات التاريخية التي لا ينكرها لبناني شرط ان يكون علمياً وموضوعياً وغير هادف بمضمونه الى خدمة استراتيجيا دمشق او سياسات النظام السوري. ويريدون ايضاً اقتراحاً او تصوراً للعلاقات المستقبلية بين البلدين المبنية على العلاقات التاريخية. وذلك كي يتمكن مسؤولوهم والافرقاء الذين يمثلونهم من التفاوض مع سوريا على افضل صيغة علاقات ممكنة وعلى اكثر العلاقات تميزاً بين دولتين شقيقتين تحفظ لكل منهما استقلالها وسيادتها ونظامها ولا تسمح لاي منهما بالتدخل في شؤون الأخرى بأي ذريعة كانت، وخصوصاً اذا لم ترتكب الاثنتان او أي منهما انتهاكات فاضحة بل مؤذية للاخرى ومهددة لمصالحها الحيوية والاستراتيجية. اما لماذا هذا الطلب من سوريا، فلأن التاريخ الحقيقي ليس غائباً فقط عن لبنان الوطن والكيان والدولة ولأنه يختلف باختلاف الجهة التي تضعه، بل هو غائب ايضاً عن سوريا وعن العالم العربي كله او بالاحرى مغيّب. فالعرب عموماً، وسوريا احدى ابرز دولهم واهمها، يأخذون من التاريخ ما يناسب دعاواهم واستراتيجياتهم وسياساتهم والمصالح ويتجاهلون ما يناقضها. وعندما تتغير المرحلة وظروفها يتجاهلون ما اخذوه واعتبروه حقائق ويعودون الى ما كانوا تجاهلوه واعتبروه غير دقيق.
وفي موضوع سوريا ولبنان الحساس والدقيق ماذا يمنع سوريا من الايمان بـ"علاقات تاريخية" مع لبنان تبرر دعوتها الى الوحدة معه او استرجاعه او استرهانه او الوصاية عليه او ادارة شؤونه او العودة صاحبة نفوذ اوحد أو اولى فيه اذا تعذر كل ذلك.
وماذا يمنع حلفاءها من تبني هذا الموقف والعمل لترجمته عملياً، بل ماذا يمنعها بواسطتهم وربما مباشرة في مرحلة معينة من فرض هذه الترجمة مستفيدة من عدم استقرار داخلي او اضطراب ووضع اقليمي مضطرب او مؤات لها ووضع دولي متفهم ليس "للتاريخ" الذي تدعو الى الاسترشاد به في علاقاتها مع لبنان بل للمصالح التي تقتضي تفهماً كهذا.
هل يهدف هذا الكلام الى التجني على وزير الخارجية السوري وليد المعلم بل على سوريا نفسها؟
قطعاً لا. فاللبنانيون آمنوا دائماً بعلاقة مميزة لبنانية – سورية تحترم الاستقلال والسيادة والنظام في كل من لبنان وسوريا. وآمنوا دائماً بان مصلحة البلدين تقتضي ذلك. لكنهم اكتشفوا ان "الجمل" الذي هو لبنان "بنيّة" والجمّال الذي هو سوريا "بنيّة" اخرى مختلفة الى درجة التناقض. لكنه (أي الكلام) يهدف – في مرحلة انهمار الشهادات الايجابية من المرجعيات الدولية والعربية على سوريا "لوفائها" بتعهداتها لهم ولامتناعها عن التدخل في لبنان، وفي مرحلة تصوير لبنان او فريق مهم فيه باستهداف سوريا وحلفائها والضغط عليه للرضوخ لمطالب تعيد لبنان الى دائرة "الادارة" او "الوصاية" غير المباشرتين له – لكنه يهدف الى توعية اللبنانيين كلهم ودفعهم الى التفاهم في ما بينهم على حلول لمشكلاتهم الداخلية رغم صعوبتها وتعقّدها ومن بعد ذلك الى الحوار مع سوريا بصوت واحد حول العلاقة المميزة بين البلدين التي تأخذ في الاعتبار التاريخ والجغرافيا بينهما ولكن كما يكتبها "العلم" لا الاهواء والطموحات والمصالح.
واذا لم يقتنع كثيرون بان النية من كتابة هذا المقال سليمة نورد مقتطفات قصيرة من كلام للرئيس السوري بشار الاسد ونائبته نجاح العطار قيل في مؤتمر عن العلاقات اللبنانية – السورية وعلى هامشه وفي بيانه الختامي، انعقد في دمشق في نيسان الماضي: "سوريا ولبنان بلد واحد في القلب واللسان. (قيل سابقاً ان الشعبين اللبناني والسوري شعب واحد في دولتين)… بيروت هي دمشق. وسوريا هي لبنان… تُوحّدنا قيم واهداف ومشكلات مشتركة… كل ما يجري في لبنان يشغل سوريا ويهمها وكل ما يجري في سوريا يشغل لبنان ويهمه… علاقات لبنان وسوريا متميزة بالوحدة والاندماج والاستمرار… جعل البلدين بلداً واحداً يجعل مؤسساتهما وبناهما قوية وصحيحة… اتفق المجتمعون على ان النشاط الاقتصادي والتنموي والمصالح مشتركة بين لبنان وسوريا الى درجة الاتحاد… (طبعاً ورد احترام استقلال لبنان وسيادته وضرورة الاعتراف بهما اكثر من مرة في الكلام وفي البيان الختامي. فهل هناك تناقض في المواقف؟ ام ان المصلحة قضت بالحديث عن الواقع وعن طموحات المستقبل؟). اي موقف لبناني لاغٍ للاتفاقات والمعاهدة والمجلس الاعلى يستوجب اجماعاً لبنانياً (سوريا تعرف ان ذلك غير متوافر ولن يتوافر). اذ اراد اللبنانيون كلهم الغاء المجلس الاعلى فسنلغيه… مصالحنا في لبنان ستبقى من بعد الغاء المجلس الاعلى… دور سوريا في لبنان هو مساعدة الذين يقفون ويسعون الى التغيير. لكننا لن نقوم به نيابة عنهم.. نحن على اتصال مع المجتمع اللبناني كله وهو على اتصال معنا (قبل ذلك قيل ان لا اتصالات مع فريق 14 آذار رغم انه يمثل جزءاً مهماً من لبنان).
"النهار"




















