من جريدة العربي الناطقة باسم حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي في سوريا العدد 148/149- حزيران 2009
ما يلفت النظر في مجريات الأحداث الأخيرة في كل أرجاء العالم , اهتمام الإعلام السوري بكل التفاصيل التي ترافقها, مما لا يدع مجالا للشك بأنها متابعة لكل ما يجري .
فمن انتخابات الولايات المتحدة الاميريكية , وكل مراحلها, حتى فوز ( باراك حسين اوباما ) هكذا ورد الخبر على كل شاشات فضائيات العالم في بقاع الدنيا , وبما فيها طبعا المحطات السورية التابعة كلها لهيئة الإذاعة والتلفزيون بساحة الأمويين . حيث لا يفرق المشاهد بينها إلا بالشارة الملونة على زاوية الشاشة الفضية .
وبعد مدة طويت صفحة الانتخابات تلك أو الحدث الأهم إن كان من حيث شخصية الرئيس الجديد المنتخب . أو من حيث التفصيل في شرائح الطبقات الناخبة واهتماماتها . وبالمناسبة ترافق كل ذلك مع قيام ( إسرائيل ) بدمار غزة , وقتل أهلها وتشريد الباقين إلى مخيمات جديدة تضاف إلى ما سبق من مأساة مستمرة يعانيها الشعب الفلسطيني منذ الأزل , بمباركة ومسؤولية كل النظم العربية والإقليمية في المنطقة ( مع استثناء صحوة الضمير التي جسدتها تركيا في اللحظة الأخيرة ) . حيث لم يكونوا في يوم من الأيام إلا شهود زور على كل النكبات التي مرت على ( شعب الجبارين ؟؟ ) . من نكبة 1948 مروراً بالنكسة وأيلول الأسود وتل الزعتر واجتياح بيروت ومجازر المخيمات فيها وصولاً إلى (غزة هاشم ).
وقبل ( النصر) أو النكبة الأخيرة في غزة , والتي كانت لسوء الطالع قبل موسم الانتخابات الإسرائيلية , والتي شغلت جهات الدنيا الأربع , ليكون العدد الإجمالي لكل الضحايا في غزة ( شهداء سرايا القدس ) والشهداء الباقيين من القطاع أوراقاً انتخابية في صندوق الاقتراع للأحزاب الدموية . من سيفوز اليمين أو اليسار أو تكتل يمين الوسط أو تكتل يسار الوسط أو كاديما الذي سيشكل الحكومة الجديدة رغم منافسة الليكود الكبيرة له , وحزب العمل كبر وشاخ , وحزب إسرائيل بيتنا الذي يتقدم بسرعة الضوء , وهي كلها تحصيل حاصل أحزاب دموية تبيح القتل لكل البشر الذين يقفون أمام دولة ( إسرائيل ) . والتحاليل كلها تشير إلى إن المنطقة برمتها مقبلة على تطورات ستكون بالتأكيد مرتبطة بنتائج تلك الانتخابات . واهتمامنا في سوريا لكل ما يجري لا يختلف عن الآخرين, وكأن عدوى الاهتمام هذه انتقلت إلينا عبر الأثير الفضائي ,
والجميل بتلك المتابعة الدقيقة , لكل التفاصيل والتصريحات واستطلاعات الرأي من خبراء بالشؤون الإسرائيلية ومحللين استراتجيين بالمنطقة وتداخلاتها وكأننا مخضرمين بممارسة كل أنواع الانتخابات في البلاد , ولم يتوقف اهتمامنا بأي حدث انتخابي بالعالم اجمع إلا وتابعناه عن كثب , وكأن عقدة النقص التي نعيشها في سوريا تتمثل فينا على كل المستويات !!.
فالأسف الكبير . أخبار الانتخابات في بلادنا مهما عظمت ( نتائجها ) لا تتجاوز الحدود الإقليمية أبداً , حيث ينصب اهتمام الرفاق فقط بالانتخابات الحزبية في القرية لأمين الفرقة أو الشعبة والأضخم من كل ذلك انتخاب أمين الفرع , والتسويات العائلية والقبلية وقصة الاستئناس الحزبي في كل النقابات المهنية إن كانت مستقلة مثل نقابة الأطباء أو المحامين أو المهندسين , والشرط الوحيد لأي نقيب من كل النقابات حتى المعلمين والحرفيين والعمال أن يكون بعثياً بكل المقاييس : ولادة وتربية ومسيرة وقناعة وتفكيراً وعقيدة . وطبعاً نتائج هذه الانتخابات لا تتناقلها إلا الفروع الأمنية والحزبية , ومجالس العائلات الكبيرة التي أخذت حصصاً تتناسب مع حجمها وتأثيرها , وبنفس المقاييس السابقة تفصّل انتخابات المجالس المحلية في البلدات والمدن , وإذا كبّرنا الصورة قليلا نصل إلى ( أم المعارك ) الانتخابية والتي هي بالطبع الوصول إلى ( القبة البرلمانية ) في الدول المتقدمة أو المتحضرة وعندنا بما إنها باعتقادهم تمثل ( الشعب ) فأصبح السباق الانتخابي إلى قصر ( مجلس الشعب ) فقط , وللمفارقة إن أكثرية الذين يصلون إليه أسماء تتداول بشكل واسع قبل الموسم الانتخابي بمدة طويلة لرفاق لهم ولاءات حزبية ، أو مكانة عائلية ، أو طائفية ، أو مكافأة نضالية قديمة وعد بها من قبل أحد المسؤولين , وكل ذلك بقوائم معلبة ومعدة سلفاً مع حلفائهم الاستراتجيين في ( الجبهة الوطنية التقدمية ). وبدون أي برامج انتخابية , وكثيراً ما حصل بأن يكون أحد المرشحين غير معروف لأبناء قريته حتى ؟؟ .
وعندنا في سوريا براءة اختراع حصرية , هي قوائم الجبهة التي لم يعد يوجد لها نظير في أي من دول العالم الحالي . حيث ( النزاهة ) في تلك ( اللعبة – الانتخابية ) إن أي مرشح من خارج القائمة ينال ثقة الشعب ( ويخرق ) القائمة , تخرق أوراقه ويسقّط بأي شكل , ويصار إلى معاقبة الرفاق المسؤولين في أي مركز انتخابي , نال فيه هذا المرشح حتى ولو كان صوتاً واحداً أكثر من أقل محظوظ في قائمة التحالف تلك .
فعند هذا الحد تنتهي عندنا ( كل اللعب ؟) فلذلك تبقى أمور النجاح المضمون داخلياً ( زيتنا بعجيينا !! )1, في هذا السباق أو غيره , ولسان حال جميع الرفاق الفائزين والذين لم يحالفهم حظ اللحظة الأخيرة : ( الكل أصايل والناجحين من خيلنا ؟؟ )2 . وبلا أحزاب منافسة أو أحلاف أو تكتلات ووجع رأس , وبدون أن يهتم أحد بالعالم بأمر انتخاباتنا أو بما يجري عندنا . ولدينا ( لله الحمد ) مناعة قوية لا يفلها حتى الحديد ضد أي عدوى لانتخابات حزبية نزيهة حديثة ومستقلة . والحصانة تكمن بأن المسؤولين في سوريا شرعوا بتفصيل قانون للأحزاب من عام 2000 , وحتى تاريخه لم ينضج بعد , وكأن بقاءه إلى الحين مرتبط بقوانين الطبيعة السكونية , علها تفعل فعلها فيه دون تدخل البشر الذين يسعون جاهدين إلى إفساده !؟. بحجة إننا مازلنا صغاراً على ممارسة الديمقراطية !!.
وللمفارقة إن إيران بنصف هذه الفترة استطاعت أن تنتج أكثر من 5000 جهاز طرد مركزي للأغراض النووية , ومتحدية كل العالم , بهدف قومي تحسد عليه من قبلنا . ونحن للأسف أصبحنا مثل ( معايد القريتين )3 لم نتوصل إلى مجتمع ديمقراطي سليم, وقانون عصري للأحزاب ومثله للانتخابات , يحاكي التطوير والتحديث الذي نرغب , مع رفع لحالة الطوارئ والأحكام العرفية وما يتبعها من قوانين استثنائية مستمرة في البلاد ودون انقطاع منذ الثامن من آذار1963, وصولا إلى انتخابات برلمانية حرة وشفافة , إلى سجون غير مكتظة بالمعتقلين السياسيين , وبالمقابل – ياخسارة – لم نفلح في حماية منشآت كبيرة قد تكون يوماً ما مختبرات للأبحاث العلمية أو الزراعية, رغم الوجود الدائم لقانون الطوارئ وفاعليته ضد أي تهديد أو عدوان خارجي ؟! وعرفنا ( وياليتنا لم نعرف ) إلا بعد تدميرها من قبل الأعداء بأنها كانت الأساس لبناء مفاعل قد يستخدم في المستقبل لأغراض نووية !!؟..( ويا فرحة ماتمت )4 .
12 أيار 2009- شهبا – السويداء
marwanhamza@maktoob.com
——————-




















