ليس في الدستور اللبناني ولا في القوانين اللبنانية العادية ما يلزم رئيس الوزراء المكلف تأليف حكومة خلال مدة محددة، وفي حال عجزه يقدّم اعتذاره الى رئيس الجمهورية. وهذا يعني ان مدة التكليف قد تطول اسابيع وربما اشهراً. ومن شأن ذلك ان يحوّل عملية التأليف ازمة.
طبعاً لا يزال الجميع، سواء في فريق رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري او في الفريق المعارض له، يؤكدون للمواطنين العاديين ان لا ازمة في الأفق لأن عملية التأليف لا تزال في بدايتها، ولأن حكومات سابقة عدة استغرق تأليفها وقتاً اطول بكثير، وكذلك لأن البلاد بقيت في مرحلة معينة اشهراً طويلة في ظل حكومة تُصرف الاعمال الضرورية.
هل وارد احتمال ان يتحول تأليف الحكومة الجديدة ازمة؟
لا يمكن اعطاء جواب جازم عن هذا السؤال، لأن المفاوضات في شأن تأليف الحكومة لا تزال مستمرة بين اطراف الداخل، على تناقضهم، ولأن الجهات الاقليمية والدولية المعنية بلبنان والمتدخلة في شؤونه تواصل حوارها بغية مساعدة الحريري على انجاز مهمته.
ولا يمكن اعطاء جواب جازم ايضاً عن السؤال نفسه، لأن بعض مفاوضي الداخل "يستعينون على قضاء حوائجهم بالكتمان" فيمتنعون عن تزويد حلفائهم ووسائل اعلامهم الحد الادنى من المعطيات، وذلك نقيض البعض الآخر الذين يشكل الاعلام وسيلة مهمة لديهم لتنوير الرأي العام وتعبئته.
ولا يمكن اعطاء جواب اخيراً عن السؤال نفسه لأن مفاوضي الخارج لا يختلفون كثيراً عن مفاوضي الداخل. فكلهم لا يؤمنون بالاعلام الفعلي ولا يعتبرونه وسيلة لتعزيز موقف، لكن معظمهم يستغل الاعلام اللبناني طبعاً، وليس اعلامه هو، بغية إظهار نياته الطيبة وجهوده الحثيثة لمساعدة لبنان على تجاوز عقد تأليف الحكومة. لكن ما تمكن الاشارة اليه في هذا المجال هو ان اطراف الداخل، على تناقضهم، يبدون حرصاء على امرين. الاول، امرار فصل الصيف وموسم السياحة فيه من دون خضات سياسية وامنية، لأن اللبنانيين في حاجة ماسة الى دوران عجلة اقتصادهم. اما الأمر الثاني، فهو امرار شهر رمضان المبارك الذي يبدأ منتصف الشهر المقبل بهدوء وخصوصاً ان الفريقين الاساسيين في الصراع اللبناني معنيان مباشرة بهذا الشهر الفضيل وبكل طقوسه.
اما بعد ذلك، واذا كان الصوم والصلاة خلال رمضان المبارك لم يعيدا الى الفريقين السياسيين التعقل والحكمة والعزم على التعاون لتلافي ادخال لبنان في ازمة جديدة وخطيرة بانعكاساتها، فإن الباب ينفتح على احتمال من ثلاثة. الاول، مبادرة الرئيس المكلف، بتشجيع من فريقه الداخلي وربما من حلفائه الخارجيين، الى التخلي عن مهمة تأليف حكومة وحدة وطنية واختيار حكومة تمثل الغالبية النيابية. وهذا امر لا تستطيع الاقلية النيابية الاعتراض عليه دستورياً وقانونياً. والامر نفسه بالنسبة الى رئيس الجمهورية، رغم اقتناع البعض بانه يستطيع بصفته حامياً للدستور والعيش المشترك رفض هذه الحكومة برفض توقيع مراسيمها. والإحتمال الثاني هو اعتذار رئيس الوزراء المكلف ومبادرة الغالبية النيابية، في ظل اجواء التحدي، الى ترشيح الرئيس المستقيل فؤاد السنيورة لتأليف الحكومة الجديدة. وطبيعي ان تستغرق مشاوراته التأليفية وقتاً طويلاً بدورها، وان يشكّل في نهايتها حكومة غالبية اذا تعذّر عليه تأمين توافق فريق 8 آذار و14 آذار. اما الاحتمال الثالث فهو بقاء البلاد من دون حكومة والاعتماد على الحكومة المستقيلة لتصريف الاعمال الملحّة. ولا شيء يمنع في حال حصلت ظروف استثنائية تصدي الحكومة لها بالتعاون مع رئيس الجمهورية وكل الافرقاء السياسيين بدعم من "جهابذة" القانون أو معظمهم.
هل الاحتمالات الثلاثة المذكورة اعلاه ممكنة؟
حكومة الغالبية ليست قابلة للحياة، لأن الاقلية ستواجهها بكل الوسائل الممكنة في مجلس النواب وفي الشارع وبالسياسة والاحتجاجات الشعبية وما الى ذلك. وسيؤدي ذلك الى شللها وخصوصاً اذا اقفل مجلس النواب ابوابه امامها كما في الماضي القريب. كما قد يؤدي الى توترات امنية. وما قاله الشيخ نعيم قاسم قبل ايام من ان المعارضة قبلت النتيجة رغم ملاحظاتها عليها ولم تتحرك في الشارع يوحي ان خيار الشارع على الطاولة دائماً. وحكومة برئاسة السنيورة لا يمكن ان تكون حكومة وحدة وطنية لاسباب عدة معروفة كما ان المطالب التي سترفع اليه قد تكون اشد من المطالب التي ترفع الآن الى الحريري واقسى. اما الاحتمال الثالث فقد يكون ممكناً كأمر واقع. لكنه يبقى مفتوحاً على مرحلة استقرار نسبي او زعزعة للاستقرار نسبية وذلك تبعاً للتطورات التي قد تحصل في الداخل والخارج وعلى صعيد كل القضايا العالقة ومعظمها متفجّر.
"النهار"




















