بعد 54 عاما على قيامها، عادت حركة عدم الانحياز الى موطن واحد من ابرز ابائها المؤسسين الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، إذ انطلقت امس في منتجع شرم الشيخ اعمال القمة الـ15 للحركة بمشاركة 118 دولة عضوا بينها نحو 50 تمثلت على مستوى الزعماء، الى ممثلي منظمات دولية واقليمية يتقدمهم الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون. وكان الرئيسان السوري بشار الأسد والايراني محمود احمدي نجاد أبرز الغائبين وجسد امتناعهما عن الحضور استمرار فتور علاقة القاهرة مع دمشق وتوترها الشديد مع طهران.
ومنذ لحظة افتتاح القمة، التي تنهي اعمالها اليوم، بدا واضحا ان شعارها "التضامن من اجل السلام والتنمية" هو صياغة قد لا تخلو من "أناقة" لكنها تعكس قلقا عميقا ظهر بقوة في مداخلات المشاركين، من غير استثناء، من تداعيات الازمة المالية العالمية التي صنعها اغنياء العالم وعصفت آثارها السلبية بشعوب ومجتمعات دول الجنوب الفقيرة المنضوية جميعها تقريبا تحت لواء الحركة.
كاسترو
واسترعى الانتباه ان الكلمتين الافتتاحيتين اللتين ألقاهما كل من الرئيس الكوبي راؤول كاسترو، رئيس الحركة في دورتها السابقة، والرئيس المصري حسني مبارك الذي تسلم الرئاسة منه أمس لمدة ثلاث سنوات مقبلة، تضمنتا – ربما بالألفاظ عينها مطلبا ألح عليه كل الخطباء بعد ذلك، هو اقامة "نظام مالي واقتصادي وسياسي دولي جديد اكثر عدالة". وقال كاسترو ان "الازمة المالية العالمية الراهنة كان مصدرها دول الشمال الصناعية لكن الدول النامية كانت الأكثر تأثرا بها"، داعيا الى تأسيس "نظام مالي واقتصادي جديد يقوم على مشاركة فعلية من جميع الدول خصوصا الدول النامية".
أما مبارك، فقد طالب في كلمته بما سماه "نظاما دوليا سياسيا واقتصاديا اكثر عدالة وتوازنا، بحيث يرسي هذا النظام ديموقراطية التعامل بين الدول النامية والدول الغنية".
وعلى المنوال ذاته نسج الزعيم الليبي معمر القذافي كلمته موجها انتقادات حادة وعنيفة الى النظام الدولي القائم، معتبرا انه يجسد "خللا خطيرا جدا في التوازن الدولي يضر بالسلم العالمي"، وحرض حركة عدم الانحياز التي تجمع "ثلاثة ارباع شعوب العالم" على التمرد والخروج عن هذا النظام طالبا من قادتها الموافقة على اقتراحه بانشاء "مجلس امن وسلم جديد" يكون بديلا من مجلس الأمن الحالي"الذي لا نثق فيه ولا تأثير لنا عليه ولا يهتم بمشاكلنا (لأنه) محتكر من مجموعة صغيرة من اصحاب المقاعد الدائمة وهم (بدورهم يقعون) تحت تأثير احدى القوى الكبرى"، في اشارة الى الولايات المتحدة.
وأعلن انه بصفته الرئيس الحالي للاتحاد الافريقي سيطلب في الدورة المقبلة للجمعية العمومية لمنظمة الامم المتحدة في ايلول "مقعدا دائما في مجلس الامن للاتحاد على ان يكون له حق النقض مثله مثل الاعضاء الخمسة الدائمين في المجلس (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، روسيا ، الصين)".
وأيد "حق" ايران في تخصيب الأورانيوم لاستخدامه في الاغراض السلمية، منتقدا "قيام القيامة بسبب تخصيب ايران للأورانيوم وهذا موقف خاطئ لأنه اذا كان التخصيب لخدمة التنمية فيجب ان نصفق له ونشجعه". وطالب بان تكون للوكالة الدولية للطاقة الذرية وحدها الكلمة الفصل في تقويم ومراقبة البرنامج النووي لايران والتأكد من عدم وجود اغراض حربية لهذا البرنامج.
سينغ
ورأى رئيس الوزراء الهندي مانوهان سينغ ان "عمليات اتخاذ القرار في الامم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية لا تزال تستند الى مواثيق كتبت قبل اكثر من 60 عاما على رغم ان العالم تبدل الى حد كبير الآن". وقال: "لا بد للدول النامية ان تتمثل تمثيلا كاملا على صعيد اتخاذ القرارات في المؤسسات الدولية"، مبرزا اهمية وخطورة الظروف التي تعقد فيها قمة شرم الشيخ. وأضاف: "لم يحدث أن انعقدت اي قمة للحركة في ظرف كهذا يعاني فيه العالم ازمة اقتصادية على هذا القدر من الحدة ". ولاحظ ان "الأزمة نشأت في الدول الصناعية بينما اقتصادات الدول النامية هي الاكثر تضررا منها". ولفت الى أن "موجة الكساد العالمي الحالية قوّت النزعة الحمائية في الدول الصناعية الكبرى، مما أدى الى خفض حاد في صادرات البلدان النامية ونقص كبير في تدفق رؤوس الاموال على العالم الثالث".
وكان رئيس الوزراء الهندي استهل كلمته باشارة الى دلالة انعقاد القمة "على تراب عربي، مما يدعونا الى التوجه بأفكارنا وخواطرنا نحو شعب فلسطين الذي تحمل معاناة وصعوبات هائلة"، داعيا الى بذل الحركة مزيدا من الجهد من أجل "تسهيل الوصول الى تسوية سلمية عادلة ودائمة" للصراع العربي – الاسرائيلي.
واوضح رئيس الهيئة المصرية العامة للاستعلامات السفير اسماعيل خيرت ان القمة ستصدر في ختام اعمالها اليوم الخميس وثيقة خاصة بالقضية الفلسطينية، الى جانب الوثيقة الرئيسية التي ستحمل اسم "اعلان شرم الشيخ" والذي سيصدر في 150 صفحة ويتضمن "شرحا مستفيضا لمنهجية عمل حركة دول عدم الانحياز في السنوات الثلاث المقبلة، كما سيصدر بيان خاص يتعلق بالازمة المالية العالمية".
القاهرة – من جمال فهمي
"النهار"




















