ماذا يعني النجاح
آدم بي كوشنر
حصل حلفاء أمريكا على المرشح الذي فضلوه بغالبيتهم الساحقة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن العلاقات الأمريكية مع العالم سوف تتحسن على الفور. في الواقع، هناك في التاريخ رؤساء يشبهون نجوم الروك كانت سنواتهم الأولى في الحكم مصدر خيبة شديدة لحلفاء الولايات المتحدة.
فجون إف كنيدي الذي كان ابن سفير، "اعتبر نفسه مواطن العالم" واعتقد أنه يستطيع أن يفرض بسرعة "مكانة أمريكا"، بحسب أستاذ التاريخ في جامعة ستانفورد ديفيد أم كنيدي. لكن بعد ثلاثة أشهر فقط، ارتكب خطأه الكبير الأول: الاجتياح الكارثي لخليج الخنازير في كوبا. يقول كاتب السيرة الذاتية لجون إف كنيدي إن عددا كبيرا من الحلفاء الأوروبيين هالهم تهور كنيدي، وسرعان ما أثار الأخير روعهم من جديد عندما سمح لنفسه، متجاهلا تحذيرا مباشرا من الرئيس الفرنسي شارل ديغول، بأن ينجر إلى جدل مع نيكيتا خروتشيف حول مستقبل برلين في قمة فيينا، فأطلق مأزقا أدى في نهاية المطاف إلى قيام جدار برلين.
يقدم بيل كلنتون درسا مناقضا تماما» فتردده الأول هو الذي أحبط الأوروبيين إلى درجة الغضب الشديد. خلال الحملة، هاجم كلنتون الرئيس المنتهية ولايته، جورج أتش دبليو بوش لأنه فشل في ممارسة "قيادة حقيقية" في يوغوسلافيا» وعند فوزه في الحملة، وقف مكتوف اليدين بينما كان القتال محتدما، مما حدا بالرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى التعليق بأن موقف قائد العالم الحر "شاغر". وأسفر تردد مماثل عن انسحاب الولايات المتحدة بطريقة مذلة من الصومال وتأخير الرد على الإبادة في رواندا.
بعدما كانت هذه الإخفاقات بمنزلة تأديب له، حقق كلنتون النجاح تلو الآخر في ولايته الثانية، ونذكر في شكل خاص إنقاذ المكسيك ماليا واتفاق يوم الجمعة العظيمة في إيرلندا وتقدما غير مسبوق على صعيد اتفاق إسرائيلي ــ فلسطيني.
من الصعب أن نعرف ما هو الخطأ الذي سيقترفه أوباما: أهو إفراط أم ضعف في الثقة بالنفس؟ لقد تعهد بأنه سيكون أكثر ضبطا للنفس من جورج دبليو بوش، لكن هناك أسبابا بنيوية تجعلنا نتوقع المتاعب. سوف يكون على فريق أوباما، الذي لم يعمل في السياسة الخارجية منذ سنوات، أن ينكب فورا على العمل في وقت تشتعل فيه أزمات جديدة من السودان إلى كوريا الجنوبية، كما يقول والتر راسل ميد من مجلس العلاقات الخارجية. والسنوات الأولى لأي إدارة جديدة تضع المثل العليا في صدام مع الواقع. خير مثال على ذلك تراجع بوش الكامل عن الأحادية المتهورة التي سادت في ولايته الأولى.
تلوح في الأفق مجالات عدة تنذر بالتصادم مع حلفاء الولايات المتحدة. تريد الجماهير الأوروبية (أكثر من حكوماتها) انسحابا فوريا للجنود الأمريكيين من العراق، الأمر الذي لن يوفره أوباما. وسوف يطلب أيضا مزيدا من المساعدة في أفغانستان، وهذا مطلب غير شعبي إلى حد كبير في أوساط الألمان. تريد بريطانيا وكندا من أوباما أن يعفي جنودهما من مسؤولياتهم في الجنوب الذي يشهد العنف. وحدها فرنسا قد تلبي نداء أوباما.
وفي موضوع التغير المناخي، التركيز هو على قمة الأمم المتحدة المزمع عقدها في ديسمبر 2009 في كوبنهاغن. لكن من غير المرجح أن ينتزع أوباما تشريعا أساسيا من الكونغرس قبل المؤتمر بسبب الركود، كما يقول نورمان أورنشتاين من معهد المبادرة الأمريكية. وهكذا لن يعرف المفاوضون الأمريكيون ما هو قابل للتسويق في الداخل الأمريكي، وقد يعودون مع صفقة ترضي أوباما إنما تغضب واشنطن.
والتجارة ميدان حساس آخر في إطار التعامل مع حلفاء الولايات المتحدة، ويعود ذلك جزئيا إلى تهديد أوباما بإعادة النظر في اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية الموقّعة مع كندا والمكسيك. وإذا أراد أن يفرض معايير العمل والبيئة في الاتفاقات التجارية مع الصين والهند، "فسوف يخلق ذلك بسرعة كبيرة مشاكل مع هذين البلدين"، كما يقول ميد. ويعارض أوباما أيضا اتفاقات التجارة الحرة التي وضعها حلفاء مقربون آخرون مثل كولومبيا وكوريا الجنوبية.
لا شك في أن أصدقاء أمريكا سيكونون ممتنين للتغيير في الأسلوب الذي سيحمله أوباما على الأرجح. وسوف يسرون إذا أغلق معتقل خليج غوانتانامو كما وعد. وحتى لو خيب آمال الحلفاء في البداية، فسوف يكون أمامه الكثير من الوقت ليصلح الأمور لاحقا خلال ولايته. هناك سبب يبعث على الأمل: بات كنيدي وكلنتون شعبيين جدا حول العالم.
جوناثان آلتر
مع قليل من المساعدة من أولادنا
التاريخ هو، عادة، حكاية قسوة وجنون، لكن يمكن أن يرتد على نفسه بطرق تتجاوز سخرية الأقدار لتولد انطباعا بأن هذا التاريخ يفتدي نفسه إلى حد ما.
بينما كنت أقف في متنزه غرانت بارك في شيكاغو مع الحشود الكبيرة ليل الثلاثاء الماضي، عدت بالذاكرة إلى ذلك اليوم الذي
وقفت فيه في جادة ميشغان في الجهة المقابلة للمتنزه قبل 40 عاما، صبيا في الـ11 من عمره يمسك بيد والدته ويهربان من صدام دموي بين الشرطة والمتظاهرين في المؤتمر الوطني الديموقراطي عام 1968. مازلت أذكر رائحة قنابل الروائح العطنة وصوت الأناس الغاضبين يهتفون: "العالم بأسره يراقب!" في ذلك المكان تداعى ائتلاف البرنامج الجديد الذي وضعه الحزب الديموقراطي. لقد كبرت وكبرت شيكاغو، والبلاد أيضا كبرت.
انصبت اللعنة على مرحلة الستينات من القرن الماضي، ولأسباب وجيهة. فقد أطلقت قسوة تلك الحقبة الاستقطاب بين الجمهوريين والديموقراطيين الذي رفضه باراك أوباما في خطابه في المؤتمر الديموقراطي عام 2004 وتسامى فوقه في حملته الرئاسية.
لكن بما أن أوباما هو جزء مما يسميه "جيل يشوع" (أي الشبان المؤمنين) ــ الذي يقف على أكتاف رواد الحقوق المدنية ــ فهو يفيد من روحية ستينات القرن الماضي السائدة لدى جيل البيض المولودين بعد الحرب العالمية الثانية. فالشبان الذين بلغوا سن الرشد في مطلع ذلك العقد وجدوا مصدر إلهام لهم في آل كنيدي ومارتن لوثر كينغ الابن الذي رجمه بيض غاضبون بالحجارة عام 1966 لأنه ظهر في حي في شيكاغو غير بعيد عن المكان الذي يعيش فيه أوباما الآن، وهو مكان "لم يكن ينتمي إليه" كينغ، بحسب اللغة المستعملة في ذلك الوقت. كان هؤلاء الناشطون يحلمون بعالم أكثر عدالة وسلاما.
ثم بدأ عدد كبير منهم يتصرف بغباوة. سمى الـ"يبيز" خنزيرا لمنصب الرئيس في غرانت بارك عام 1968 وأطلقوا إهانات (وبرازا بشريا) باتجاه الشرطة التي بالغت في ردة فعلها عبر ضرب أبرياء بالهراوات من دون تفكير. لم تقتصر مفاعيل اضطرابات 1968 على التسبب بمرارة في الحياة الأمريكية استطاع سياسيون مثل ريتشارد نيكسون استغلالها، بل جعلت جيلا بكامله يشمئز من السياسة. ففي حين ظل البعض ملتزمين بالتغيير الاجتماعي، انسحب كثيرون إلى اهتمامات خاصة ومادية.
بحلول الثمانينات من القرن الماضي، كان هؤلاء المثاليون قد أصبحوا مهمشين في معظمهم مع اشتداد التشنج العرقي في شيكاغو. وعام 1983 كاد الديموقراطي هارولد واشنطن، وهو أمريكي من أصل أفريقي، أن يُهزم في انتخابات العمدة على يد منافس جمهوري رفع شعار "قبل فوات الأوان". هذه هي شيكاغو التي رآها أوباما عندما وصل إليها في دور منظّم اجتماعي، ولم يكن في البداية محط ثقة من السود فيها.
لكن في الأعوام الـ25 الماضية، تغيرت المدينة. لقد عمل واشنطن وخلفه ريتشارد أم دايلي بجهد لرأب الانقسامات العرقية. وبحلول يوم الانتخابات عام 2008، بدى العرق الأبيض الذي حافظ على توازن القوى في شيكاغو والبلاد ككل، أقرب إلى ستادز توركل (كاتب ومقدم برامج إذاعية معروف بشغفه بالعدالة الاجتماعية رحل أخيرا) منه إلى آرشي بونكر (شخصية فكاهية خيالية متعصبة).
على الرغم من نرجسيته، أثبت جيل مواليد ما بعد الحرب العالمية الثانية براعته في أمر واحد: تربية الأولاد. وفي الإجمال، تبين أن هؤلاء الأولاد أكثر عملية على الصعيد السياسي وأكثر مسؤولية على المستوى الاجتماعي. تماما كما انتصر الرئيس فرانكلين دي روزفلت عبر إتقان التعامل مع الإعلام الإذاعي، ساهم شبان سن العشرينات في بناء عالم أوباما معتمدين على الأداة السياسية الجديدة الطاغية في عصرنا ألا وهي الإنترنت. وسخرية القدر هي أن أحلام الأهل الليبراليين لم تتحقق إلا عندما تخلوا عن سلطة الجيل. وفي نهاية المطاف، حتى بيل كلنتون أبدى استعدادا لمناصرة أوباما واصفا إياه بـ"المستقبل".
سوف يسجل التاريخ أنه على غرار فرانكلين دي روزفلت عام 1932 ورونالد ريغان عام 1980، فاز أوباما لأن الوضع الاقتصادي كان سيئا. غير أن الانتصار الكبير لا يضمن رئاسة ناجحة. لم يحدث روزفلت وريغان تحولا في السياسة الأمريكية إلا عندما تغلبا على مشاكل عصرهما، وجعلا التغيير الحقيقي واقعا.
وهذا ما يجب أن يفعله أوباما أيضا. يكفي الآن أن عناصر الشرطة المتقاعدين والهيبيين السابقين والأمريكيين من أصل أفريقي والناطقين الإسبانية الذين لم يكن البيض يكلمونهم كثيرا، وكل أولادهم وأحفادهم اجتمعوا في الجهة نفسها من الحواجز في غرانت بارك، في مكان كانوا جميعهم ينتمون إليه، تماما كما أمل أوباما. مرة أخرى، كان العالم بأسره يراقب، إنما هذه المرة بحبور.
راينا كيلي
رسالة إلى ابني ليلة الانتخابات
ما الذي يعنيه لك انتخاب باراك أوباما؟ يعني أمورا كثيرة. عندما تكبر، سوف نتكلم عن نضال الأولاد الأمريكيين من أصل أفريقي، على غرار آبائهم وأجدادهم، من أجل تجاوز الشعور بأنه مهما درسوا وعملوا وحاولوا بجهد، هناك حواجز ــ بعضها ظاهر وبعضها الآخر مخفي إنما موجود ــ تعوق طريقهم. إنه
الشعور بأننا نستطيع أن نرتفع لكن إلى حد معين فقط. لم أرغب في أن تكبر وأنت تعتقد أن مخلفات الماضي المريرة سوف تسيطر على مستقبلك. رغبت في أن أتمكن من أن أقول لك إن هذا غير صحيح، وإنه بإمكانك أن تكون ما تريد. لكنني لم أكن أقدر على أن أصدق ذلك بنفسي. أما الآن فأصدق.
بعد انتخاب أوباما، أقصد كلامي عندما أقول لك إن العالم في متناولك. أجل، بدأت أصبح عاطفية بعض الشيء، فلأخفف من حماستي. لا تستطيع أي انتخابات أن تمحو العنصرية، وسوف يتجلى التعصب أمامك بطرق خفية وغير خفية. لكن بات من السهل الآن أكثر من الأمس، أن نرى العنصرية أقرب إلى العائق بعدما كانت حاجزا من قبل. يا لها من إضافة جميلة إلى ترسانة الأقوال المأثورة التي كانت والدتي ترددها: بني، يمكنني أن أقول لك (وعلى الأرجح أنني سأقول لك) إن باراك أوباما واجه العوائق ونجح، ويمكنك أن تفعل ذلك أيضا. عمرك أربعة أشهر فقط، لكنني بدأت أحلم أنك ستصبح عالم صواريخ عظيما. لكن إذا أردت أن تصبح راعي ماشية، فلا بأس أيضا. وإذا أردت أن تصبح رئيسا؟ حسنا، سنتحدث في الموضوع.
إذا أصبحت رئيسا، فلن يكون السبب فقط أنك فزت في أصوات أشخاص من لونك. لقد كانت هذه الانتخابات انتصارا كبيرا لأنها اختبرت وعد بلادنا الأساسي بالمساواة، وقد نجحنا كأمة في الاختبار. لم ينتخب الأمريكيون السود أوباما. لقد انتخبه الأمريكيون. حتى لو صوت له كل أمريكي ــ من أصل أفريقي في البلاد، ما كانت أصواتهم لتكفي. سوف يدخل البيت الأبيض متسلحا بدعم ملايين الأشخاص من مختلف الأعراق والألوان والمعتقدات، وتمنياتهم له بالتوفيق.
غير أن هذا التفلت من قبضة الماضي، وهذا الأمل بآفاق أوسع لنا يترافق مع توقعات أكبر مطلوبة منا. لم يعد بإمكاننا أن نلوم قوى خارجية على إخفاقاتنا أو نحمل التعصب مسؤولية شوائبنا. إذا أردت أن تكون مثل أوباما، يجب أن تعمل بجهد. لقد ارتاد جامعة كولومبيا وكلية الحقوق في جامعة هارفارد. وجاب العالم وتحلى بانفتاح الذهن. لم يكتف بالحلم بأن يكون رئيسا» بل هذّب نفسه لبلوغ ذلك الهدف.
لو أمكنك فهم أي من هذا، لكنت تنظر إلي شزرا الآن. اسمع، أنا أيضا كنت صغيرة، ومن السهل أن تتملص من كتابة فرضك المدرسي عندما لا يراقبك أحد. لكنني أتحدث عن خبرة. ففي الصف الثامن، أخذت عهدا على نفسي: سوف أدخل جامعة ييل. ووضعت لائحة بالأشياء التي ينبغي علي القيام بها لتحقيق ذلك. لم يكن الأمر سهلا» حصلت على درجة جيد في الكيمياء والفيزياء وكدت أرسب في الرياضة (لا تضحك، فقد ورثت جيناتي). غير أنني تلقيت رسالة القبول.
عملت بجهد في الجامعة وتخرجت. وقد صادفت أشخاصا كثيرين شككوا فيّ وقالوا أمورا غير لطيفة، ولم يكونوا جميعهم بيضا. قد يراك زملاؤك السود في الصف تقرأ كتابا في فترة الاستراحة أو ترفع يدك في الصف فينعتونك بـ"الأبيض أكثر من اللازم" أو "العم توم". تجاهلهم. لا تدعهم يعبثون بعقلك أو يحولونك عن أهدافك. علينا جميعنا تحدي الأفكار النمطية. لا تخش التخلي عن أي جزء من لوننا يجرك إلى الوراء. فكما يقول جدك: "كن فخورا، ولا تقلق بشأن الأسود فهو يعتني بنفسه". عدد كبير جدا من الأمريكيين من أصول أفريقية مهووسون بالمفاهيم الضعيفة عما يفعله السود "الحقيقيون" أو لا يفعلونه. أنا نفسي مذنبة بذلك، وقد اتُّهًمت بأنني كنت بيضاء أكثر من اللازم في الجزء الأكبر من حياتي. والدك أبيض، مما يعني تقنيا أنك ثنائي العرق، لكن هذا يعني أنك أسود في أمريكا. أتركك لتفكر في ذلك. أما الآن فيكفي أن تفهم أن عرقك هو جزء مما أنت عليه لكنه ليس كل ما أنت عليه. إذا شكك أحد في "أصالتك"، يمكنك أن تقول له إنك تريد أن تكون أسود بقدر الرجل الجالس خلف مكتبه في المكتب البيضاوي.
هاورد فاينمان
اسمع سيدي الرئيس المنتخب، هل لديك دقيقة… أو 10 دقائق؟
يحب باراك أوباما أن يصغي. لكن بعد وصوله إلى الرئاسة، سيكون الوقت الذي يستطيع تخصيصه للإصغاء محدودا. إلى من يعير أوباما آذانا صاغية؟ فيما يأتي عرض لأوساطه المقربة (بالجمع):
طاقم شيكاغو سوف تنتقل واشنطن إلى المدينة العاصفة (أي
شيكاغو) على نهر بوتوماك» سوف يضفي أبناء شيكاغو أسلوبا براغماتيا يرى في أي مشكلة مسألة بلدية إلى أقصى الحدود (لا إيديولوجيا، كما يقال، في إزالة الثلوج). العمدة ريتشارد دايلي وشقيقه المصرفي ويليام هما المرشدان. وسوف يكون السيناتور ديك كوربن، وهو حليف لريتشارد دايلي من جنوب الولاية، المقصد في مجلس الشيوخ. وكانت عائلات بريتزكر وكراون الفاحشة الثراء من أوائل المتبرعين للحملة (وكذلك جون روجرز الذي يعمل في قطاع بنوك الاستثمار)، وعلى الأرجح أن بيني بريتزكر، مدير المال في حملة أوباما، سيُعين وزيرا للتجارة. وفاليري جاريت التي كانت تعمل مع دايلي، وسبق لها أن وظفت ميشيل أوباما في البلدية، هي الصديقة الشخصية والسياسية الأقرب إلى آل أوباما» وعلى الأرجح أنه سيكون لها حضور في البيت الأبيض. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الجمهوري رام إيمانويل، محامي دايلي الذي يتجه ليصبح كبير موظفي أوباما.
مجلس الكبار أوباما رجل شاب جدي وطموح يستقطب المتمرسين إلى جانبه. ويبدو أن التصنيفات الحزبية لا تهمه كثيرا. كان السيناتور ريتشارد لوغار الذي هو بمنزلة الضوء الذي يقود الجمهوريين في السياسة الخارجية، حليفا لأوباما في السابق ولايزال كذلك. ويضاف (رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق) بول فولكر و(رجل الأعمال) وارن بافت والجنرال كولن باول إلى هذه الفئة أيضا. يرى باول في أوباما رجلا استطاع أن يلهم الشبان والضباط الذين يصبحون متعددي الثقافة أكثر فأكثر، وقد قال باول إن أوباما هو من "المهمات" الأكثر تقبلا وتبصرا التي تولاها.
الكلنتونيون بالنسبة إلى آل كلنتون، كانت الخسارة أمام أوباما سيئة بما يكفي. والآن يجدون أنفسهم مضطرين إلى تحمل مشهد أوباما وهو يحيط نفسه بالأفضل والألمع في إدارة كلنتون. ليس هذا مفاجئا: إنهم الديموقراطيون الذين يتمتعون بالخبرة الأوسع، وكذلك بسجل الأداء الأفضل شرط أن يحسن أوباما الاختيار. وبوب روبن موجود في هذه الأوساط من خلال ابنه جايمي، وزير الخزانة السابق (ورئيس مجلس إدارة مجموعة "سيتي بانك" الحالي). وكذلك الأمر بالنسبة إلى وزير الخزانة السابق في عهد كلنتون، لاري سومرز، الذي قد يُطلب منه تولي وزارة الخزانة مرة أخرى. ويدير جون بوديستا، كبير الموظفين السابق في عهد كلنتون، مركز أبحاث قد يؤمن مجموعة من المسؤولين متوسطي المستوى. ولورا تايسون التي كانت مستشارة كلنتون الاقتصادية، تتولى الآن وظيفة مماثلة. عندما كان أوباما مرشحا ضد السيناتورة كلنتون، أظهر ترددا في الثناء على سجل زوجها الاقتصادي» أما الآن فيطلب النصيحة من الأشخاص المسؤولين عن هذا السجل.
الأصدقاء القدامى على الرغم من أن أوباما موجود في مجلس الشيوخ منذ أربع سنوات فقط، إلا أنه بنى صداقات أساسية. أيد السيناتور جون كيري ترشيح أوباما منذ البداية» وقد ينضم السيناتور تشاك هيغل، وهو جمهوري ينتقد سياسة حزبه في العراق، إلى الإدارة. وزود السيناتور السابق توم داشل أوباما بطاقم كامل من مجلس الشيوخ ــ طاقمه ـــ وكان بمنزلة الرجل الحكيم في الحملة. وسوف يبقى موظفو أوباما من مجلس الشيوخ مثل كارن كورنبلوه (السياسة الداخلية) وسوزان رايس (السياسة الخارجية) لاعبين أساسيين، حتى ولو كان الديموقراطيون الأكثر تقليدية الذين يؤمنهم مركز بوديستا سيتفوقون في عددهم على ديموقراطيي مركز الأبحاث الذي كانت تنتمي إليه كورنبلوه، مؤسسة أمريكا الجديدة الوسطية الموجهة نحو السوق.
خبراء التكنولوجيا خريجو جامعات النخبة استقطب أوباما الذي تلقى تحصيله العلمي في جامعة كولومبيا وكلية الحقوق في هارفارد، إلى جانبه كادرا مثيرا للإعجاب من الأشخاص المؤهلين بالدرجة نفسها، ومعظمهم متعهدون واسعو الاطلاع على القطاعات الصاعدة في الاقتصاد الجديد، ولاسيما الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية. وفي ذلك تفسير للأسباب التي جعلت حملة أوباما متطورة جدا في مجال الاتصالات الهاتفية والرسائل القصيرة والتسويق المستند إلى الإنترنت: إنه المجال الذي يجيده كثيرون حوله، وسوف يروجون استعمال هذه التقنيات (وامتيازات هذه الصناعات) داخل البيت الأبيض وحوله. واللاعب الأساسي في المجموعة هو جوليوس غيناشوفسكي الذي ارتاد جامعتي كولومبيا وهارفارد مع أوباما وعمل على إطلاق مشاريع جديدة في مجال التكنولوجيا الرقمية مع باري ديلر. ومن اللاعبين الآخرين رئيسان سابقان للجنة الاتصالات الفيدرالية، ريد هوندت وبيل كينارد، اللذان كانا أيضا من جامعي الأموال الأساسيين في الحملة.
إليس كوز
لحظة ملحمية، نعم. إنما متسامية؟ كلا
ما فعله باراك أوباما ليس، في جانب معين منه، لافتا جدا. فهو ديموقراطي فاز في سنة كان يُفترَض أن يفوز فيها ديموقراطي، في سنة أصبح فيها الرئيس الجمهوري الحالي منبوذا، والأوضاع المالية الأمريكية (إلى جانب النظرية الاقتصادية الجمهورية) في حالة انهيار تام. كان الانتصار الأكبر
الذي حققه أوباما الفوز بتسمية الحزب الديموقراطي.
في ذلك اليوم البارد في فبراير 2007 عندما أعلن أوباما عن رغبته في الترشح، لم يكن واضحا على الإطلاق أنه سيكون المرشح الذي يصمد حتى النهاية. بدت خبرته ضئيلة جدا، وطموحاته كبيرة جدا، ومن ثم كانت هناك مسألة العرق. وكانت التكهنات بأنه يترشح ليكون نائب الرئيس لهيلاري كلنتون.
كما أصبحنا جميعنا نعرف الآن، فاز أوباما لأنه كان لديه تنظيم أفضل ورسالة أشد وقعا. فاز لأنه قدم اللياقة بدلا من التهكمية، ولأنه بدا هادئا ورابط الجأش عند تعرضه للهجمات، ولأنه جسد الوعد (الواضح في نَسبه الذي غالبا ما تتم الإشارة إليه) بأن الخيوط المتعددة في أمريكا يمكن أن تجتمع في خيط واحد. وهكذا عندما لمح خصومه في الانتخابات العامة إلى أنه متطرف جامح غير أمريكي، لم يصدق ناخبون كثيرون الأمر ببساطة. يخطر في البال هنا السؤال الذي طرحه الممثل الكوميدي ريتشارد برايور عندما تعرض للشبهات: "من ستصدق؟ أنا أم عيناك الكاذبتان؟" يبدو أن معظم الناس صدقوا أن عيونهم لم تكذب.
في موسم الانتخابات التمهيدية، كانت ابنتي التي كان عمرها خمس سنوات آنذاك، تسأل باستمرار من يفوز، هيلاري أم أوباما. وخطر لي أن جيلها سيكون أول جيل يكبر على الاعتقاد بأنه من الطبيعي جدا أن تصبح امرأة بيضاء أو رجل أسود رئيسا للجمهورية. لا نستطيع الآن أن نفهم حدث انتخاب أوباما من مختلف جوانبه. فهو ينبئ بتحول لن ندرك حجمه إلا عندما يبلغ جيل ابنتي سن الرشد. لكنه سيغير إلى الأبد افتراضاتنا حول من يستطيع أن يصبح ماذا في عالم اليوم.
والمضاعفات السياسية هائلة بالدرجة نفسها. تدين الخريطة الانتخابية الحديثة بالكثير إلى الاضطرابات الاجتماعية في خمسينات وستينات القرن الماضي عندما أصبح الحزب الديموقراطي حزب الحقوق المدنية والحزب الجمهوري الحزب المعبر عن استياء البيض. كانت "الاستراتيجية الجنوبية" تتوقف دائما على تقديم البيض مخاوفهم العرقية على مصالحهم الذاتية الاقتصادية في التصويت. من غير المرجح أن تصمد تلك الاستراتيجية بعد وصول أوباما إلى الرئاسة، نظرا إلى أن الأمريكيين تجاوزوا قرونا من الأحكام المسبقة وأثبتوا أنهم يهتمون بوضع حد لبؤسنا الاقتصادي الجماعي أكثر من اهتمامهم بترك البيت الأبيض في أياد بيضاء.
لا يعني هذا أننا تسامينا فوق العرق. فلايزال الفقر والسجن والفرص مصبوغة إلى حد كبير باللون. وقبل بضع سنوات، عندما أرسل عالما الاجتماع ديفاه بايجر وبروس وسترن عينة اختبارية يملك أعضاؤها شهادات متطابقة للتقدم بطلبات توظيف في أكثر من ألف وظيفة، وجدا أن أصحاب العمل مستعدون للمراهنة على بيض ذوي سجلات إجرامية أكثر منه على سود من دون سجلات إجرامية. (حظي ذوو الأصول الأمريكية اللاتينية بأفضلية أكبر من السود وأقل من البيض).
لكنهما اكتشفا أيضا أمرا آخر: عندما أمضى طالبو التوظيف وقتا أطول مع أصحاب العمل، بدأت الأرقام تتغير. في البداية، كانت فرصة معاودة الاتصال بالبيض أو عرض وظيفة عليهم أكبر بـ9.6 مرات من الفرصة لدى السود، لكنها تراجعت إلى 1.9 مرة. استمرت الأحكام المسبقة، غير أن التعرف إلى السود والتآلف معهم قطع شوطا كبيرا على طريق تحطيمها. أصبح الأمريكيون من الأعراق المختلفة أكثر ارتياحا مع بعضهم البعض. وخير دليل على ذلك صعود أوباما الذي يأتي أيضا في لحظة حاسمة.
في مقال كُتب قبل أشهر من الهجوم على بيرل هاربور، أعلن ناشر مجلة لايف، هنري لوس، بزوغ "القرن الأمريكي". وفي تلك الحقبة الجديدة، طُلًب منا أن "نقبل واجبنا من صميم قلبنا… بوصفنا الأمة الأقوى والأكثر حيوية في العالم". كُلفنا بمهمة إطعام الجياع وضمان الحرية في العالم ونشر إنجيل الديموقراطية الذي تبشر به أمريكا.
سوف يقع على عاتق أوباما تحديث رؤية لوس، لإطلاق قرن أمريكي جديد حافل بالإمكانات والاتضاع على السواء. ينفخ انتخاب أوباما الحياة في الحلم الأمريكي عبر تجسيد جانب واحد على الأقل من هذا الحلم.
دانييل غروس
كيف انتقمت «أمة المنتحبين»
عام 1992 فاز بيل كلنتون بفضل الاقتصاد، أيها الغبي. وعام 2008، خسر جون ماكين بسبب الاقتصاد الغبي. أظهرت استطلاعات الرأي أن 62 بالمائة من الناخبين قالوا إن الاقتصاد كان المسألة الأهم التي أخذوها في الاعتبار في التصويت.
لكن متى بالضبط خسر جون ماكين في الكلام عن الاقتصاد؟
هل حصل ذلك في يوليو عندما قال مستشاره فيل غرام في معرض حديثه عن "الركود الذهني" إننا "أصبحنا نوعا ما أمة من المنتحبين"؟ ربما حصل ذلك في ديسمبر 2007 عندما قال ماكين: "لم أفهم علم الاقتصاد كما يجدر بي أن أفهمه". أم أن ماكين كان قد وقع في ورطة اقتصادية قبل وقت طويل من بدء الحملات؟ قال راي فير، الأستاذ في جامعة ييل الذي يضع نموذجا لتوقع الانتخابات من خلال بيانات الاقتصاد الكلي: "منذ نوفمبر 2006، توقع النموذج باستمرار حصول المرشح الديموقراطي على نحو 52 بالمائة من تصويت الحزبين".
استطاع ماكين أن ينافس أوباما بشدة حتى منتصف سبتمبر. غير أن استطلاعات الرأي بدأت تنقلب ضده عندما اشتدت الضائقة في النظام المالي العالمي. ومع النظرة الثاقبة التي نكتسبها عند النظر إلى الأمور بعد ستة أسابيع من وقوعها، أظن أنه من الممكن تحديد ثلاثة تواريخ ــ 15 سبتمبر و24 سبتمبر و15 أكتوبر ــ تشكل منعطفات اقتصادية حاسمة.
ففي 15 سبتمبر، أشهر بنك "ليمان براذرز"، بعدما فشل في إقناع الحكومة بأنه يستحق الإنقاذ، إفلاسه. وفي اليوم نفسه أعلن ماكين: "أظن أن الركائز الأساسية لاقتصادنا لاتزال قوية". كانت عبارة قاتلة على مستويين. فإفلاس ليمان أطلق سلسلة عنيفة وغير متوقعة من الأحداث ــ تجميد صناديق أسواق المال، انقباض ائتماني عالمي ــ برهنت أن (أ) الركائز الأساسية لاقتصادنا ليست قوية على الإطلاق، و(ب) الهشاشة وُجدت لتبقى. وقد أظهر تصريح ماكين الذي جاء في الوقت غير المناسب، مع العلم بأنها عبارة يرددها الرؤساء منذ وقت طويل، أنه يفتقر إلى الأسلوب الكلنتوني الفطري في الحديث عن الاقتصاد في شكل عام أو عن الأزمة القائمة. في مطلع أكتوبر، قال مستشار ماكين، غريغ ستريمبل، إن الحملة "تتطلع إلى طي صفحة هذه الأزمة المالية" كي تتمكن من استئناف الهجوم على أوباما ووصفه بأنه يمثل خطرا على الجمهورية. غير أن الصفحة طويت على صفحات جديدة مليئة بالتقارير القاتمة جدا عن النمو ومبيعات السيارات.
في 24 سبتمبر، مع تزايد الحديث عن إطلاق واشنطن خطة للإنقاذ المالي، أعلن ماكين أنه سيعلق حملته ويتوجه إلى واشنطن. وكانت النظرية وراء هذه الخطوة على الشكل الآتي: يضع ماكين البلاد أولا، ويرغم أوباما على وقف جولاته الانتخابية، ويتوصل إلى توافق بين الحزبين ويغير ديناميكيات السباق. أما الحقيقة فهي أنه لم تكن لدى ماكين خطة ليدور الزوايا بفعالية بين الطبقة العليا الجمهورية (إدارة بوش، وول ستريت، الشركات الأمريكية) التي طالبت بشدة بخطة إنقاذ مالي، وطبقة الفلاحين الذين يلوحون بالمذراة (الجمهوريين في مجلس النواب). وهكذا غادر واشنطن واستأنف حملته من دون التوصل إلى اتفاق.
في حين بدا ماكين منفصلا عن الواقع، كان أوباما يجتمع مع الضليعين في الشؤون المالية، وعلمت نيوزويك أن طائرة حملته لم تقلع في إحدى المرات بانتظار اطلاعه على آخر المستجدات من صديقه الجديد الذي يبادر إلى الاتصال به على جناح السرعة، وزير الخزانة هنري بولسون. وجاء إقرار خطة الإنقاذ المالي التي دعمها ماكين على مضض في نهاية الأمر، ليعطل مفعول الحرب الاقتصادية للحزب الجمهوري التي ازدادت إيديولوجية. ففي الوقت الذي كانت إدارة بوش تعمد فيه إلى تأميم أجزاء كبيرة من قطاع الخدمات المالية (الذي يشعر بالامتنان)، أخفقت الاتهامات بأن أوباما اشتراكي ويؤيد بشدة إعادة توزيع الثروات وبأنه خليفة يوجين في دبس، أحد أشهر الاشتراكيين الأمريكيين، في ممارسة التأثير المبتغى.
أما التاريخ الثالث القاتل فهو 15 أكتوبر، موعد المناظرة الثالثة. فطوال الخريف، كان أوباما يعقد اجتماعات مع رموز المال مثل رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق بول فولكر ورجل الأعمال وارن بافت بصفتهما معاونيه، من أجل طمأنة المستثمرين بأنه قادر على إدارة البلاد في خضم الأنواء المالية. أما ماكين، وبدلا من الاعتماد على رجل أعمال موثوق مثل ميت رومني أو على مدير عام موقع eBay الإلكتروني السابق ميغ ويتمان، فقد تحول إلى سّباك من أوهايو غير حائز على ترخيص. ذكر ماكين "جو السّباك" سبع مرات في المناظرة في 15 أكتوبر. وفي الأسابيع اللاحقة، راح ماكين يردد باستمرار الحكمة الشعبية الاقتصادية لسامويل جيه وورزلباكر (جو السّباك) وكأنها تعاليم منزلة.
في مواجهة اقتصادية بين وارن المستثمر وجو السّباك، من البديهي أن تنهال الرهانات ضد المرشــح الجمهـــوري. ونظـــرا إلى أوضـــاع الــبلاد المالية المحفوفة بالمخاطر، كانت فرص فوز ماكين في حملة أصبح الاقتصاد ركيزتها الأساسية ضئيلة جدا تماما مثل فرص فوز جو السّباك على وارن المستثمر.
شارون بيغلي
استعن بـ«المجتمع المستند إلى الحقيقة»
استغرق الأمر وقتا لإدراك الإيديولوجيا التي توجه سياسات إدارة بوش السامة في مجال العلوم. لم تكن المشكلة الحقيقية التخفيضات الضريبية أو الإنفاق على الحروب، على الرغم من أن مزيج الأمرين معا ضيق الخناق على البرامج العلمية الداخلية إلى درجة أنه طُلب من العلماء في مختبر الفيزياء الأول في البلاد
أن يأخذوا إجازات غير مدفوعة، وخفضت الحكومة مخصصات الأبحاث الطبية الأحيائية بنسبة 13 بالمائة عام 2009 مقارنة بمخصصات 2004. ولا يقع الذنب على استرضاء بوش لليمين الديني عام 2001 عبر حظر استعمال الأموال الفيدرالية في الأبحاث عن السلالات الجديدة من خلايا المنشأ لدى الأجنة البشرية، مما تسبب بشلل في هذا المجال طوال ثماني سنوات ودفع بعضا من خيرة علماء الأحياء الشبان الواعدين إلى التوجه إلى الخارج. ولم تكن المشكلة حتى في رفض بوش القيام بأي خطوة لخفض انبعاثات غازات الدفيئة، بحيث سمح للانبعاثات الأمريكية بأن تزداد 178 مليون طن خلال سنوات حكمه في البيت الأبيض، مما يعني أننا بحاجة الآن إلى خفض 178 مليون طن إضافي من هذه الانبعاثات. كلا، يستطيع أوباما والكونغرس أن يغيرا هذا كله إذا رغبا في ذلك. غير أن الإرث السام الحقيقي الذي خلفته الأعوام الثمانية الأخيرة تفشى في الجزء الأكبر من المجتمع ولذلك سوف يكون من الأصعب بكثير محوه: إنه الازدراء الشديد الذي تعامل به من هم في السلطة مع الحقائق غير المناسبة لهم، والاختبارات العلمية والعلوم في شكل عام.
إليكم كيف برر بوش عدم التحرك في موضوع غازات الدفيئة. لم يقل إن التخفيضات تكلف الكثير، وهو موقف كان ليعتبر على الأقل صادقا من الناحية الفكرية ولو كان قابلا للنقاش. بدلا من ذلك طلب من موظفين سياسيين عيّنهم في إدارته، تفريغ التقارير العلمية عن التغير المناخي من مضمونها، وفرض رقابة على علماء المناخ والمبالغة في ترويج الشكوك العلمية، ونتيجة لذلك بات عشرات ملايين الأمريكيين يعتبرون أن وجود الاحترار العالمي وأسبابه هي مسألة رأي. وسادت الذهنية عينها في موضوع التربية الجنسية التي تدعو إلى الامتناع عن الجنس قبل الزواج. كان بإمكان الإدارة الأمريكية أن تقول إن أي منهاج يلقن الطلاب ما هو مغاير لمبدأ "الامتناع عن الجنس قبل الزواج" هو غير أخلاقي. مجددا، كان ليعتبر موقفا صادقا من الناحية الفكرية. لكن بدلا من ذلك، تلاعبت بالتقويمات "العلمية" للمناهج لتجعلها تبدو وكأنها أكثر فعالية في منع الحمل لدى المراهقات. وكانت الأسباب التي أعطيت لتبرير الحد من أبحاث خلايا المنشأ الجينية أشد مكرا. كان بإمكان البيت الأبيض وحلفائه أن يتبنوا الموقف المقبول أخلاقيا بأن الأجنة البشرية المؤلفة من 32 خلية هي كائنات بشرية ولا يمكن إتلافها. بدلا من ذلك، زعموا خطأ إنه بإمكان خلايا المنشأ المأخوذة من الراشدين والحبل السري أن تعالج 72 مرضا وحالة من دون الحاجة إلى خلايا جينية.
تبين أن إدارة بوش تحترم الحقائق العلمية بقدر ما احترمت الحقائق عن أسلحة الدمار الشامل في العراق. قال مسؤول للكاتب والصحافي رون سوسكيند عام 2002 إن إدارته لا تكنّ إلا الازدراء لما تسميه "المجتمع المستند إلى الحقيقة"، الأشخاص الذين "يعتقدون أن الحلول تنبع من الدراسة الحكيمة للحقيقة القابلة للتمييز". هذه هي العلوم. لكن بحسب المسؤول "نحن نخلق حقيقتنا الخاصة". وقد تُرجم ذلك بملء الهيئات الفيدرالية للمشورة الصحية بأطباء يزعمون خلافا لكل الأدلة العلمية، بأن المستويات المنخفضة من مادة الرصاص لا تسبب التسمم العصبي للأولاد. ومارست الرسالة التي رُوجت بأنه ليست للخبرة والحقائق أهمية، تأثيرا ساما على رغبة الشبان في دخول مضمار العلوم، وكان لذلك دور كبير في خسارة أمريكا تنافسيتها في الأبحاث والتنمية.
كما قوضت هذه الرسالة ثقة الناس بنزاهة العلـــوم. وهكـــذا يقف أوباما أمام تلة شديدة الانحـــدار عليه تسلقهـــا بينمـــا يحـــاول انتهاز الفرص التي أهدرها بوش، سواء من أجل إقناع الأمريكيين بأن التغير المناخي حقيقي ومن صنع الإنسان أو بأن خـــلايا المنشأ المأخـــوذة من الأجنة تتيح إمكانات علاجية لا تؤمنها خلايا المنشـــأ المأخوذة من الراشدين، أو في أي مـسائل أخـــرى مرتبطة بالعلـــوم سوف يواجهها. غير أن أوباما أظهر من خلال مواقفه في السياسات واختياره لمستشاريه، احتراما لقيم التقصي العلمي وللخبراء والخبرة، وللتوصل إلى الاستنتاجات من خلال البراهين والاختبارات النزيهة لا من خلال التفكير بالتمني. قال السيناتــــور الراحـــل دانيـــيل باتريك موينيـــهان من نيويورك إنه يحق للجميع أن يكون لديه رأيه الخاص إنما ليس حقائقه الخاصة. سوف نحصل قريبا على إدارة توافق على هذه المقولة، فتطلق يد العلوم كي تقدم المساهمات التي تستطيع وحدها توفيرها في الصحة والطاقة والازدهار.
ريك برلشتاين
رسالة جديدة من واتس: تسلحوا بالأمل لكن تأكدوا أولا
سبق أن وقفنا من قبل على شفير ما بدا أنه تحول إيديولوجي دائم. بالنسبة إلى الليبراليين، تجسدت اللحظة الأكثر دراماتيكية في هذا الإطار في الانتصار الكاسح الذي حققه ليندون جونسون عام 1964. أعلن جونسون، بينما كان يضيء شجرة الميلاد في البيت الأبيض في ذلك العام: "إنها الأزمنة
الأكثر إحياء للأمل منذ ولادة المسيح في بيت لحم". كان قد أقر مشروع قانون شكل منعطفا أساسيا، إذ نص على حظر الفصل العرقي في الجنوب، كما كان قد أطلق حربه على الفقر. وكان على وشك أن يقر أول مساعدة فيدرالية لقطاع التعليم، وبرنامج مديكير للرعاية الصحية، والصناديق الوطنية للعلوم الإنسانية والفنون، وتشريعا بيئيا رائدا، وقانون حقوق التصويت الذي شكل محطة أساسية عام 1965. لكن بدا أن محنة البلاد العرقية لم تنته، فقد أعلن أحد نواب مارتن لوثر كينغ: "لم يعد هناك حركة للحقوق المدنية. لقد وقع الرئيس جونسون قوانين تلغيها من الوجود".
بدأت أعمال الشغب في منطقة واتس بعد خمس ليال. في 11 أغسطس 1965، بات شارع 103 معروفا للعالم باسم "زقاق الفحم". فقد تفاقم الوضع وتحول شجار مع الشرطة على بعد نحو 15 شارعا، إلى أعمال عنف تفشت في البداية إلى شارع 103 وصولا إلى شارع 52 إلى أقصى الشمال من حدود واتس. أرسلت محطة إخبارية محلية أول مروحية إخبارية في البلاد إلى هناك، فاستهدفها مشاغبون مسلحون أطلقوا عليها النار من الأرض. وهكذا لم تتحول أحداث واتس أسوأ أعمال شغب تعرفها البلاد وحسب إنما أيضا أعمال الشغب الأولى التي تبث مباشرة على شاشة التلفزيون.
في انتخابات الكونغرس اللاحقة، سقط الليبراليون المتعلقون بأهداب ليندون جونسون بعدما أحرقهم لهب النيران المشتعلة في زقاق الفحم، وفوضى أعمال الشغب في نحو 12 مدينة إضافية. انتُخب رونالد ريغان حاكما على كاليفورنيا بعدما ندد بـ"الحرق والقتل في واتس". وكان ريتشارد نيكسون ــ ثم ريغان نفسه ــ يشق طريقه نحو الرئاسة. ولم يمض وقت طويل حتى بدأ المعلقون يتحدثون عن الولايات المتحدة كدولة محافظة في شكل أساسي.
زاوية شارعي 116 وآفالون حيث بدأ كل شيء، هادئة الآن وليس هناك ما يشير إليها، بل إنها لا تلفت النظر عمليا: من الصعب أن نتخيل أن هذه المنازل المؤلفة من طابق واحد والمكسوة باللون البيجي الهادئ والأزرق السماوي، كانت مسرحا لأحداث مهمة. يستغرق أي كان خمس دقائق فقط ليعبر المكان» تتوجه مجموعة من الأولاد الظريفين إلى المدرسة برفقة حارس يساعدهم على عبور الطريق. والمكان الذي يقصدونه هو حيث يُصنع التاريخ الآن. الصف أمام مركز الاقتراع الأقرب إلى مسرح أعمال الشغب عام 1965 أطول مما انطبع في ذاكرة الجميع.
موريس بانكس البالغ من العمر 77 عاما موجود هنا منذ الساعة السابعة صباحا. يتذكر أعمال الشغب: "كل لحظة فيها". لم يعترض عليها. يقول: "ناضل الناس من أجل أمور كانت بحاجة إلى تغيير. كانت ثورة". ويضيف من تلقاء نفسه: "الآن لا تحتاج إلى النضال. سيكون هناك شخص سوف يناضل من أجلك، شخص تستطيع الوثوق به".
مركز الاقتراع الذي يصوت فيه بانكس أشبه بساحة المهرجان إنما في يوم ماطر ومن دون طعام ولا موسيقا، ومع عدد كبير من الأشخاص الذين أجبروا أنفسهم على النهوض من الفراش قبل ساعتين من الموعد المعتاد الذي ينهضون فيه للتوجه إلى وظائفهم. يقول مدير في قطاع البناء: "سيحقق أوباما انتصارا كاسحا! ليس ماكين مضطرا حتى إلى تحضير احتفال النصر". يبدو فرناندو مارتن الذي ولد أهله في المكسيك ــ كان جميع سكان واتس تقريبا من السود، أما الآن فالغالبية تتحدر من أمريكا اللاتينية ــ وكأنه أنهى للتو تصوير إعلان عن أوباما. تجدر الإشارة إلى أن معظم الأشخاص الواقفين في الصف سود. ترتسم على وجهه ابتسامة تضامن معلنا: "بالتأكيد! أجل! تحطيم حاجز. هذا رائع".
على متن الحافلة رقم 53 المتجهة نحو الجنوب، سأل شاب أسود عجوزا: "هل صوت؟" فأجاب العجوز "أجل، هل يظهر ذلك علي؟" أجل، يظهر عليه، فهو يبتسم منذ خمس دقائق بلا انقطاع ويقول: "إنه يوم جميل" لكل من يصادفه.
"نحتاج إلى التغيير"» "نحن جاهزون للتغيير"» "سوف يحدث فرقا": يبدون جميعهم وكأنهم أنهوا للتو تصوير إعلان عن أوباما. لا غضب، ولا حتى عندما سألتهم ماذا يحصل إذا وقعت الواقعة ولم يفز مرشحهم. قال الشخص الأول في الصف: "إذا خسر فلا بأس، هكذا تجري الأمور. لقد خضنا معركة جيدة. ونعرف كيف نتقبل الخسارة". هل يلجأون إلى العنف؟ "لا" تقول امرأة وهي تهز برأسها. ويقاطعها رجل موافقا: "هذا من الماضي". وتعلق امرأة ثانية: "التعليم، الرعاية الصحية. هذا ما يشغل تفكير الناس. مستقبلنا، هذا ما يشغل تفكيرنا". ولا تسمعون أيضا زلات لسان كثيرة عن تحولات سحرية غامضة. تتابع المرأة: "آمل أن يقود الرئيس أوباما ونائبه جو بايدن البلاد السنة المقبلة إلى حيث يجب أن تتجه، وأن نسير على الطريق نحو إعادة الجنود من العراق". وتتوقف قليلا وهي تفكر، وكأنها تشير إلى إدراكها بأن المغامرة لتغيير العالم يمكن أن تكون بطيئة جدا أو غير أكيدة، وتقول: "سوف نعيد البناء". تسلحوا بالأمل لكن تأكدوا أولا.
منطقة واتس هي الأكثر إدراكا على الإطلاق لتحديات التغيير العسيرة. بعد أعمال الشغب، أوصت لجنة أنشأتها الولاية بقيادة جمهوري محافظ كان رئيسا سابقا لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه)، ببناء مستشفى كخطوة أولى في إعادة إعمار واتس. فقد كان المستشفى الأقرب على بعد 10 أميال، وكانت أجنحته تتسع لثمانية مرضى تكتظ بـ 16 مريضا. ومهد مجلس المقاطعة الطريق لبناء المستشفى عبر عرض اقتراح إصدار سندات بقيمة 12.3 مليون دولار على التصويت في الانتخابات التمهيدية في يونيو 1966. لكن قبل شهر من التصويت، أوقف شرطي يدعى جيرولد بوفا، 23 عاما، سائقا مسرعا يدعى ليونارد ديدوايلر، 25 عاما، وأطلق عليه النار. اختلفت الروايات حول ما جرى (فقد صدر حكم في نهاية المطاف بأن الرصاصة انطلقت عرضا) لكن الجميع اتفقوا على أن آخر كلمات تلفظ بها ديدوايلر وهو يشير إلى زوجته الحامل الجالسة إلى جانبه: "لكنها ستنجب طفلا". لكن بعد شهر، صوتت مقاطعة لوس أنجلوس بغالبيتها البيضاء الساحقة ضد إنشاء مستشفى في واتس.
لم يُشيد مستشفى مارتن لوثر كينغ الابن إلا عام 1972، لكن سرعان ما بدأ المبنى يتداعى بسبب سوء الإدارة واللامبالاة الرسمية. ومن خلال البحث على الكمبيوتر وتحديدا في أسبوعية "سنتينل" المرموقة التابعة للسود في لوس أنجلوس، وجدت الإشارة الأولى إلى لقب المستشفى الشهير ــ "كينغ القاتل" ــ عام 1980. لكن في العقود اللاحقة، غذى الاعتزاز المفعم بالتحدي الذي كان يراود الناشطين السود المحليين الإنكار لدى أبناء واتس: قال أحدهم عن المستشفى عام 2002: "يشعر العرق بكامله بالأمل لأننا نحقق وننجز شيئا"، مع العلم بأن برامج الجراحة وطب الولادة والتصوير بالأشعة في المستشفى كانت قد خسرت تراخيصها. وبحلول عام 2005، فاز تحقيق نشرته صحيفة لوس أنجلوس تايمز عن "تاريخ المستشفى الطويل في إلحاق الأذى بمن أنشئ ليخدمهم أو حتى في التسبب بمقتلهم" بجائزة بوليتزر للصحافة. أما الآن فأصبحت المنشأة عبارة عن عيادة واحدة لاستقبال المرضى للمعاينة من دون استشفاء. يقول الصحافي المخضرم في لوس أنجلوس تايمز والمؤرخ بيل بويارسكي: "لو أطلًقت النار على ديدوايلر من جديد، لتكرر الأمر نفسه على الأرجح. لأنه ليس هناك مستشفى. هذا معيب".
عضو مجلس البلدية عن الجزء الأكبر من واتس هي جانيس هاهن التي كان عمرها 13 عاما في 1965 (تقول: "أتذكر التوهج البرتقالي حول مجتمع واتس بكامله"). كان بناء ذلك المستشفى الإنجا




















