من الصعب منذ الآن معرفة ما سيؤول اليه قرار الحكومة الإسرائيلية اعادة البحث في إحياء عمل لجنة مراقبة إتفاق الهدنة الموقع عام 1949 بين إسرائيل ولبنان، كسبيل لإعادة قناة التفاوض مع لبنان، وحل المشكلات العالقة بين البلدين وفي طليعتها إنسحاب الجيش الإسرائيلي من مزارع شبعا والجزء الشمالي لقرية الغجر.
تدخل هذه الخطوة الإسرائيلية ضمن إطار سعي حكومة نتنياهو الى إظهار تعاونها مع الإدارة الأميركية، واستجابتها المطالب التي طرحها عليها موفدوها خلال زياراتهم المتوالية الى إسرائيل واقتراحهم تحريك ملف المفاوضات مع لبنان وسوريا في آن واحد. والأهم البحث في احتمالات إقدام إسرائيل على الإنسحاب من قرية الغجر ومن مزارع شبعا وذلك لسحب ذريعة "حزب الله" للاحتفاظ بسلاحه، أي تحرير ما تبقى من الأراضي اللبنانية التي ما زالت تخضع للإحتلال الإسرائيلي.
زمن طويل مرّ على توقيع لبنان إتفاق الهدنة، عاش خلاله هذا البلد أكثرمن حرب مع إسرائيل وأكثر من تجربة مقاومة مسلحة؛ تماماً مثلما عرف أكثر من جولة تفاوض مع إسرائيل انتهت الى الفشل المطلق. من مفاوضات فندق "ليبانون بيتش" في خلدة، والتي جرت بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وأسفرت عن توقيع إتفاق 17 أيار عام 1983 الذي ما لبثت الحكومة اللبنانية أن قامت رسمياً بإلغائه في العام التالي؛ مروراً بالمفاوضات التي جرت بين الطرفين بعد مؤتمر السلام في مدريد عام 1991 والتي شهدت إثنتي عشرة جولة لم تثمر عن أي إتفاق، مما أدى الى توقفها عام 1994 بصورة كاملة؛ انتهاء بالمفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل، في أعقاب العملية الإسرائيلية "عناقيد الغضب" ضد لبنان، بمشاركة سوريا والولايات المتحدة وأثمرت عن إتفاق عُرف بـ"تفاهم نيسان".
منذ ذلك الحين توقفت قناة التفاوض بين لبنان وإسرائيل، وتجمدت بصورة كاملة لا سيما بعد فشل القمة بين الرئيس السوري السابق حافظ الأسد والرئيس بيل كلينتون مطلع عام 2000 بعد تراجع رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك إيهود باراك عن تعهده بالإنسحاب الشامل من هضبة الجولان مقابل السلام الشامل مع سوريا.
وتجدر الإشارة هنا الى أن إسرائيل، وفي أعقاب فشل إتفاقات أوسلو مع الفلسطينيين، تخلت عن فكرة المفاوضات التي، برأيها، لا تثمر نتيجة، وإذا توصلت الى اتفاق فهو لا يُطبق، وتوجهت نحو تطبيق نظرية الإنسحابات الأحادية أو من طرف واحد، فجاء إنسحاب الجيش الإسرائيلي من طرف واحد عام 2000 من دون التوصل الى إتفاق مع السلطات اللبنانية، وجرت الإستعاضة عنه بمسعى دولي لترسيم الحدود بين الطرفين، فكانت الحصيلة خلافاً وجدلاً كبيرين حول خط الإنسحاب نتيجة الخلاف على السيادة في مزراع شبعا وقرية الغجر؛ وتحول الجنوب و الحدود مع إسرائيل جبهة مفتوحة بين "حزب الله" والجيش الإسرائيلي وآخرها حرب تموز عام 2006.
بعد الفشل الذريع لمقولة الانسحاب من طرف واحد من غزة، بات واضحاً ضرورة العودة الى الصيغ القديمة من أجل حل النزاع مع الفلسطينيين ومع سوريا. ونظراً الى صعوبة التوصل الى حل قريب مع الفلسطينيين، رغم الإعتراف الأخير لبنيامين نتنياهو بحل الدولتين، وعدم قدرة حكومة نتنياهو بتركيبتها الحالية التي يطغى عليها اليمين القومي التعهد بالإنسحاب الكامل من هضبة الجولان، وهو شرط أساس لسوريا للعودة الى المفاوضات؛ تبدو عملية إحياء المسار اللبناني هي الأسهل والأقرب الى الواقع على الرغم من كل التجارب الفاشلة الماضية لأي عملية تفاوض أو تحاور إسرائيلية مع لبنان من دون سوريا، لا سيما ان مزارع شبعا هي موضوع خلاف سوري – لبناني على السيادة.
ربما يدرك نتنياهو في قرارة نفسه سذاجة الإعتقاد الأميركي بأن الإنسحاب من مزارع شبعا سيؤدي الى سحب ذريعة احتفاظ "حزب الله" بسلاحه، لا سيما بعد تجربة الإنسحاب الأحادي من جنوب لبنان التي بدلاً من أن تؤدي الى تجريد الحزب من سلاحه، أدت الى تعاظم قدرته الصاروخية أضعاف ما كانت عليه بحيث أصبح قادراً على تهديد كل إسرائيل.
من هنا فدرس إسرائيل إحياء لجنة الهدنة مع إدخال تعديلات عليها من أجل الإتفاق مع السلطات اللبنانية على آليات الإنسحاب من الجزء الشمالي من قرية الغجر ومن مزارع شبعا هو من قبيل ذرّ الرماد في العيون الأميركية وليس اللبنانية أو الإسرائيلية.
"النهار"




















