الانسان ينهض في الصباح ولا يعرف ما الذي يتوجب ان يغضب منه اولا: من حادثة الطريق الفتاكة التي حدثت في ساعات الفجر ام الشجار الذي نشب في ناد ليلي وانتهى بطعنات السكاكين؟ من "الأب" الذي يتعرض للتحقيق بتهمة قتل ابنة زوجته ووضعها في حقيبة القيت في نهر اليركون ام الأب المتهم بخنق ابنته ببرودة اعصاب بكيس من النايلون؟ من عملية الاغتصاب الجماعي التي ارتكبها فتيان في الثانية عشرة بحق بنات في السابعة من عمرهن؟ من الام المتهمة بتجويع ابنها الرضيع فتهب كل عشيرتها الاصولية لانقاذها من… المستشفى؟ من الوصف المرعب لما يفعله الجنود القدامى في لواء غولاني او في المدرعات بحق زملائهم المبتدئين؟ والانسان يقول لنفسه بجزع: يا ويلتي احد هؤلاء قد يكون ابني. الضارب والمضروب قد يموتان فعلا في هذا المزاح. ربما في المعركة وربما في الكمين التالي؟
يقولون ان هذه تقاليد متواصلة منذ سنوات، انا اعرف من تجربتي الشخصية شعور الانسان عندما يدهنون وجهه بصبغة الاحذية او يعدّون له مصيدة مائية عند مدخل الغرفة في اطار الدورة التربوية التي يجتازها. هذا ليس لطيفا ولكن بعد اجتيازه يقوم الضحية بتكراره مع التالي في الدور. وفي كل مرة يزداد المزاح قوة واحراجا. في الاونة الاخيرة خرج الامر عن السيطرة. الام التي ترسل ابنها اليوم للجيش لا تعرف مم يتوجب عليها ان تخاف اكثر: العدو الخارجي ام الخوازيق في صفوف الجيش؟ ام من السفر على الطرقات؟
حمام الدم في ملهى المثليين جنسيا، مهما كان مثيرا للغضب والخوف هو جزء من العنف الذي تتدهور هذه الدولة نحوه. الكراهية ام انعدام التسامح مع الاراء الاخرى يقود الى قتلها من خلال العنف؟ هناك تشابه تقشعر له الابدان بين ما حدث في شارع نحماني وبين ما ارتكبه يغال عمير في صورة اخرى.
هناك علاقة مباشرة ايضا بين العنف المنفلت في الطرقات حيث يتسبب سكير واحد بحادثة طرق دموية جدا و"العائلات الاجرامية" التي تسيطر على عشرات ان لم نقل مئات الاحياء والمتاجر في مدننا التي ترتكب فيها اعمال القتل في اطار "تسوية الحسابات" على شاكلة العشرينات في مدينة شيكاغو. المزيد من الاسرائيليين يتحولون من ابطال الماضي الى اشخاص عدوانيين ذوي نفس قصير في تعاملهم مع الاخرين. "ان شاهدت في الخارج سيارة تسرع بصورة متعرجة بين مسرب وآخر فلتعرف انه اسرائيلي" قال لي ذات مرة سائح صديق "وقد تعلمت ان من الممكن ان تتورط هنا في شجار في منتصف الشارع برمشة عين".
اليهود باجيالهم المتعاقبة اعتبروا شعبا يقدس عدم العنف بين الانسان ورفيقه وينادي عموما باحترام القوانين الرسمية. اسلافنا اعتمدوا على الله الا ان الارثوذكسية الحالية اقل اعتمادا عليه واقل توقعا لتحقق صلواتها والاستجابة لها. بدلا من ذلك وسواء كان الامر يتعلق بالاصوليين من البؤر الاستيطانية غير القانونية او بالاصوليين من بؤر مئة شعاريم – كلهم سواء بسواء. الطرفان يفعلان ما يحلو لهما. المخلوق الذي يأتي الى هنا من كوكب آخر سيسأل نفسه: هل هؤلاء يهود؟
رجل القانون الانكليزي بلكستون قال ذات مرة "ليست هناك درجة قانون اكبر من نهاية هذا القانون" للاسف الشديد الجهات المسؤولة عن تطبيق القانون عندنا لا تنجح في السيطرة على احجام الجريمة. واحد من كل مئة لص يقدم للمحاكمة بسبب الصعوبة في الوصول للادلة، ولا غرابة ان (60 في المئة) من الاعمال الجنائية لا تصل الى علم الشرطة ومن بينها مخالفات جنسية وعنف.
توافر الاسلحة في الدولة التي يعتبر كل شعبها جيشا حوّلنا مجتمعاً عنيفاً. العيون لا تصدق رؤية جندي يطلق النار على قدم فلسطيني مقيد اليدين يقوم ضابط بالامساك به، او جنود حرس الحدود الذين ينكلون بسكان المناطق باستخفاف كبير. مثل هذه الاوبئة الخبيثة حولتنا اناسا يفتقدون الخجل والكوابح. بهذه الطريقة مثلا وصلنا الى وضع يناشد فيه الوزير ايلي يشاي القاضي موشيه دروري بتبرئة ايتمار بيطون ابن الحاخام الشرقي لمدينة الخضيرة الذي يوشك على الحصول على تعيين كقاض شرعي، هذا رغم ان الكاميرا قد صورته وهو يحاول دهس موظفة الصندوق نوغا زورئيس ببرودة اعصاب. كل هذا حتى لا يدفع 18 شيكلا.
يتوجب ان يكون الانسان مصابا بالعمى كي لا يلاحظ بأن الكيل قد طفح في كل ما يتعلق بالوضع الأمني الداخلي في الدولة. باستثناء مطلب فك رموز عملية القتل الاخيرة يتوجب على الحكومة ان تشكل لجنة وزارية لشؤون الامن الداخلي والبدء الفوري بشن معركة ناجعة ضد العربدة الاجرامية المنفلتة. الكراهية الداخلية والعنف والفساد والكحول وفوق كل ذلك – النزعة البهيمية المتفشية في دولة اسرائيل.
("هآرتس" ترجمة "المصدر" – رام الله)
"النهار"




















