من المراوحة الباردة الى التصعيد التدريجي الذي تعكسه عودة سجالات بالغة الحدة بين قوى 14 آذار و"التيار الوطني الحر"، بدت عملية تأليف الحكومة عشية بداية شهر رمضان موحية اكثر من أي وقت بانها اسيرة اللاموعد، على رغم ان رئيس حكومة تصريف الاعمال فؤاد السنيورة سعى جاهدا الى تبديد هذا الانطباع وعدم اسقاط احتمال ولادتها في اي يوم من شهر رمضان.
ولم تقتصر مؤشرات التأزم على هذه السجالات التي تبدو "المادة" الملتهبة البديلة من "صيام" كثيرين عن الكلام السياسي، بل برز أمس تطور اكتسب دلالة مهمة في تراجع الجهود السياسية مع نفي "حزب الله" اي التزام سابق له حيال مطالب رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون.
وجاء هذا النفي على لسان نائب الامين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم الذي قال ان "حزب الله"، "لم يلتزم أي أمر آخر غير الصيغة الحكومية، ولم نعط احداً التزاما وانما اعتبرنا اننا ساهمنا بما علينا وقمنا بتكليفنا وقربنا الآراء ووصلنا الى صيغة حكومة الوحدة الوطنية".
واعتبر ان "الدور انتقل الآن الى الرئيس المكلف ليتواصل مع كل كتلة في الموالاة والمعارضة ليتفق معها على حصتها وعلى اسماء المقترحين منها". واضاف: "اما ان يخرج بعض الوكلاء ويتكلمون على اتفاقات والتزامات ووعود، فهذا امر غير صحيح".
وقالت مصادر اعلامية في "حزب الله" ان "من غير المقبول التعامل مع حزب الله كأنه اداة للضغط على العماد عون"، وان الحزب "سهّل الامر في موضوع الصيغة لكنه لا يتدخل في موضوع الحقائب". واذ اشارت الى ان لقاءي رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري مع الرئيس عمر كرامي والوزير طلال ارسلان "لا علاقة لهما بالمشاورات الحكومية"، وصفت هذين اللقاءين، بانهما "نوع من التضييع السياسي".
في مقابل ذلك، اعتبرت الاوساط المعنية بعملية تأليف الحكومة ان موقف "حزب الله" يشكل تراجعا علنياً وضمنياً في آن واحد عن التزام سبق له ان قطعه في المرحلة الاولى من عملية المشاورات والذي يشمل التوصل الى الصيغة وبذل الجهود حيال مطالب حلفائه وخصوصا العماد عون في مرحلة الاتفاق على توزيع الحقائب والاسماء. وقالت هذه الاوساط ان ما اعلنه الشيخ نعيم قاسم امس يعاكس ما سبق للمعاون السياسي للامين العام للحزب حسين خليل ان التزمه في قريطم وكذلك في بعبدا في شأن بذل جهود الحزب في مرحلتي تأليف الحكومة.
وذهبت مصادر اخرى في قوى 14 آذار الى اثارة شكوك "جديدة" حول مناخ اقليمي سلبي اعتبرت انه قد يكون انعكاساً لزيارة الرئيس السوري بشار الاسد لطهران والبيان المشترك السوري – الايراني الذي اتسم برسائل متشددة يصعب تصور عدم توجيه جزء منها الى الساحة اللبنانية.
في غضون ذلك، رصدت حركة بارزة للسفير المصري احمد البديوي الذي زار امس رئيس مجلس النواب نبيه بري، ثم رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري معلنا "تأييد مصر الكامل ومساندتها لجهود الحريري في تشكيل الحكومة ودعمنا الاكيد لخطواته الهادفة الى تحقيق الوفاق الوطني".
واعتبرت مصادر معارضة ان تحرك البديوي جاء عقب تلميحات متصاعدة من قوى المعارضة الى دور سلبي لقوى دولية وعربية بينها مصر ساهم في فرملة الاندفاعات الاولى لتأليف الحكومة.
اما اللقاءات السياسية الجارية وسط الازمة الحكومية، فكان ابرزها امس زيارة الرئيس عمر كرامي وابنه فيصل للرئيس المكلف في "بيت الوسط". وعلم ان اللقاء كان بمثابة "رد زيارة" من كرامي للحريري الذي سبق له ان زاره في رمضان من العام الماضي في طرابلس. وحرص كرامي، عقب الزيارة، على اتخاذ موقف متوازن من موضوع المأزق الحكومي اذ قال "ان من يشارك في الحكومة يقترح الاسماء ومن حق الرئيس المكلف ان يأخذ بها او لا".
"اللقاء الديموقراطي"
وسط هذه الاجواء برز تحرك لوفد من نواب "اللقاء الديموقراطي" زار الديمان أمس ناقلا رسالة شفوية من رئيس اللقاء النائب وليد جنبلاط الى البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير. واوضح النائب وائل ابو فاعور مضمون الرسالة بانه "تأكيد للتقدير والاحترام لهذا الصرح وسيده ولمصالحة الجبل والتمسك بها (…) والمحافظة عليها بعيدا من كل التجاذبات والتباينات السياسية".
وعلمت "النهار" من مصادر الوفد ان اللقاء مع البطريرك صفير اتسم بايجابية عالية وان الوفد شرح للبطريرك الصورة الحقيقية والعميقة لموقف جنبلاط الاخير بما يزيل كل الالتباسات التي احاطت بهذا الموقف. وقالت المصادر ان زيارة الوفد للديمان كانت افضل رسالة من هذا الصرح الوطني خصوصا انها جاءت غداة ذكرى مصالحة الجبل. واضافت ان البطريرك ابدى تفهما للشرح الذي قدمه الوفد وخصوصا لجهة سعي جنبلاط الى ازالة المتاريس المذهبية والجو الطائفي، وان الوفد كرر له التأكيد ان موقف جنبلاط لا يعني ترك 14 آذار للذهاب الى 8 آذار بل السعي الى ازالة الجو التصادمي في البلاد.
الى ذلك علمت "النهار" ان لقاء عقد ليل الاربعاء وأحيط بالكتمان بين النائب جنبلاط والامانة العامة لقوى 14 آذار، وهو الاول بين الجانبين منذ القى جنبلاط خطابه في 2 آب امام الجمعية العمومية للحزب التقدمي الاشتراكي. واذ حرص الجانبان على عدم كشف اللقاء او تسريب أي معلومات عنه، فهم انه كان لقاء مصارحة عميقة نوقش فيه موقفا الطرفين من الدوافع التي ادت الى التطورات الاخيرة وشمل مراجعة طويلة للتطورات السابقة. وشكل هذا اللقاء بداية حوار جدي ينتظر ان يستكمل في محطات لاحقة.
"النهار"






