ناقشت ليلي باير في مجلة “بوليتكو” أهمية تركيا للناتو فرغم “الصداع” الذي تسببه أنقرة لأوروبا إلا أنها والناتو عالقان في زواج مصلحة، ولا يمكن الاستغناء عن هذه العلاقة.
وقالت إن تركيا صادقت أخيرا على انضمام فنلندا إلى حلف الناتو، ولكن السويد لم تنضم بعد، وعلى الناتو التكيف مع هذا الوضع.
وتقول إن المعارضة التركية هي جزء من سلسلة تحركات قامت بها تركيا، وتركت الحلف العسكري متذمرا ومندهشا. ففي 2017 قررت شراء نظام صاروخي روسي، كما واستهدفت نفس الجماعات الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة في سوريا، ولا يزال الزعيم التركي رجب طيب أردوغان، وحتى هذا اليوم يتحدث مع فلاديمير بوتين.
وحتى يوم الخميس الماضي ظلت تركيا معارضة لانضمام فنلندا إلى حلف الناتو، رغم الحرب الطاحنة التي تدور قريبا من حدودها. وفي الأحاديث الخاصة يعبر المسؤولون عن غضب من الدور المعطل الذي تلعبه تركيا، ومن تراجع الديمقراطية وكذلك مسار سياستها الخارجية.
وبطريقة رمزية لم يُدعَ أردوغان لقمة الديمقراطية في البيت الأبيض. ويتساءل بعض المراقبين عن الكيفية التي تتناسب فيها تركيا العضو منذ 1952 في النادي الدفاعي الغربي.
ولكن المسؤولين في الناتو لم يُظهروا أي رغبة في الحديث عن الموضوع، ويؤكدون أن الناتو وتركيا عالقان في زواج مصلحة، ويجب عليهما العمل، كما فعل الحلفاء في الماضي والبحث عن طرق لمواصلة التعاون.
ويقولون إن تركيا هي ثاني أكبر جيش في الحلف، وتسهم بشكل نشط في عمليات التحالف ومهامه. وبشكل أهم تقع في منطقة جيوسياسية مهمة ما بين البحر الأسود والبحر المتوسط، وتسيطر على من يمر عبرهما. وربما كانت العلاقات التركية- الروسية مفيدة كمحور مهم في أي محادثات سلام مع أوكرانيا.
ونقلت المجلة عن يانيس ستولتنبرغ قوله إن “تركيا هي حليف مهم للناتو، ولعدة أسباب”، منها الموقع الجغرافي، محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، دعم أوكرانيا والسماح بمرور الحبوب لدول العالم التي تحتاجها. وأضاف “لقد أَغلقوا البسفور أمام البوارج الحربية” و”أدى هذا إلى تخفيض القدرات الروسية لتعزيز مواقعهم في البحر الأسود وحول شبه جزيرة القرم”.
وبالمحصلة يريد الناتو تركيا وصداعها وكل شيء، ويعبّر استعداده لتقديم تنازلات، والتقليل من الخلافات للحفاظ على تركيا داخل الحظيرة، عن رغبة في الحفاظ على التوازن في عالم غير مستقر.
ومن جانبها تريد تركيا الناتو وترغب بالبقاء داخل الحظيرة، حتى لو بدت مارقة في بعض الأحيان، وهي تريد حماية الناتو من التهديدات القادمة من إيران وحتى روسيا.
وقال سنان أولغين، الزميل في مركز كارنيغي أوروبا: “تقدم تركيا أرضية أمنية للناتو، وبالتأكيد يقدم الناتو مظلة أمنية لتركيا”.
وعبر دبلوماسي آخر عن رؤية أكثر وضوحا “بالطبع تركيا تحتاج الناتو”، مضيفا أنها “الفيل في الغرفة”. إلا أن سياسة تركيا الخارجية تجعلها مختلفة عن بقية دول الناتو، فهي بحاجة لأن تمارس دورا متوازنا، فقد شجب البلد الغزو الروسي لأوكرانيا، وقدم الدعم العسكري لكييف، ولكنها ترفض فرض العقوبات على الصناعة التي تغذي حرب موسكو. ومنذ بداية الحرب التقى أردوغان ببوتين عدة مرات، إلى جانب المكالمات المتعددة بينهما، بل وانتقد الغرب بأنه هو الذي حرض على الحرب.
وقال دبلوماسي أوروبي بارز آخر: “تبنى البلد نهجا يوازن كل شيء بطريقة براغماتية من أجل زيادة مصالحه”. ويرى المسؤولون الأتراك الدور الذي يلعبه البلد بأنه “المساعد أو المسهل”. وحسب رأيهم، تركيا هي حليف للناتو، ويمكن أن تقوم ببناء جسور في الأدوار التي تكافح العواصم الغربية من أجل ملئها. وقال مسؤول تركي، تحدث بشرط عدم ذكر اسمه “رغم الخلافات القوية بشأن قضايا معينة، فلدينا علاقة وظيفية وقنوات مع روسيا”. وقال المسؤول إن تركيا ساعدت في التوسط بين روسيا وأوكرانيا لنقل الحبوب التي ظلت في مخازنها عبر البحر الأسود، و”منع أزمة غذاء جديدة”، حيث أكد المسؤول على أهمية الاتفاق. وقال إن تركيا تلعب دورا مهما في عمليات تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا.
وأكد مسؤول تركي آخر بأن “لا أحد يمكنه الزعم بأننا خارج حلف الناتو” مضيفا أن “هناك بعض الحلفاء لا يفهمون مظاهر القلق الوجودية المتعلقة بأمننا”. ومهما كانت النظرة إليها كمعرقل أو كمسهل، استطاعت تركيا أن تنهي دورها كمنشق داخل الناتو بل والحصول على تنازلات وتأثير. وفي عام 2010 عين الحلف مساعدا تركيا للأمين العام للحلف، وبدور السياسة الدفاعية والتخطيط.
وطالما أشارت وثائق الحلف إلى التهديد الإرهابي الذي يواجه التحالف وليس قلق تركيا الأمني.
وقال جيمي شيا، المسؤول السابق في الناتو إن الحلفاء الآخرين “لا يريدون أن يكونوا معزولين ولا يريدون أن ينظر إليهم كأشرار”، أما تركيا فلا تهتم وهو “ما يعطيها ورقة نفوذ قوية وقوة هائلة”. وقال إن استعداد أنقرة لأن تكون وحيدة كان واضحا في موقفها من انضمام السويد إلى الناتو. وتقدمت فنلندا والسويد معًا، بطلبي عضوية للناتو في 2022، لكن تركيا عبرت عن قلقها من دعم البلدين لحزب العمال الكردستاني، وحظر تصدير السلاح إليها.
وفي حزيران/يونيو وقع البلدان على التزام من السويد وفنلندا بتقوية قوانين الإرهاب ومعالجة طلبات الترحيل التي تطلبها تركيا بشأن المشتبه بعلاقتهم بحزب العمال الكردستاني.
ومع مرور الأشهر أصر مسؤولو الناتو على ضرورة أن يلتزم البلدان بما تعهدا به، ومع مرور الوقت لم تتنازل تركيا عن مطالبها. ويقول الخبراء إن التأخير مرتبط بالسياسة الداخلية، حيث ستعقد تركيا انتخابات في أيار/مايو، وزاد التوتر مع السويد بعد حرق القرآن، فيما قال آخرون إن تركيا تحاول الضغط على الولايات المتحدة من أجل الحصول على طائرات أف-16.
وأعلن أردوغان أخيرا عن المضي قدما في موضوع فنلندا، تاركا موضوع السويد معلقا، في الوقت الحالي.
وتقول أصلي أيندطاشباش، الزميلة في بروكينغز إن “فكرة تقسيم العضوية والمصادقة على عضوية فنلندا فكرة ذكية” و”أعتقد أنها ساعدت تركيا بشكل كبير من أجل تقديم معارضتها للسويد، وتم عمل هذا بناء على طلب روسي ولكنه يتعلق بالمصالح والمطالب التركية”.
ويقول الخبراء إن تركيا قد تضع ملف السويد بعد الانتخابات، ولا ترغب في جرجرة الموضوع للأبد، ولم توافق هنغاريا على طلب عضوية السويد، ولا يوجد ما يشي أنها ستتراجع عن مطالبها.
وأصر الناتو علنا على ضرورة التزام البلدين بالتعهدات لكن في الأحاديث الخاصة عبر بعض المسؤولين عن ضيقهم وليس من القيادة التركية فقط، بل والأمين العام للحلف، حيث قال دبلوماسي أوروبي “فشلت سياسة ستولتنبرغ لترضية أردوغان”، لكن الأمين العام مصر على أهمية الاهتمام بمظاهر القلق التركي ويأمل بأن يتم تقديم موضوع السويد بعد الانتخابات وقبل اجتماع الحلف في تموز/يوليو. وأكد المسؤولون الأتراك على سجل البلد في دعم توسيع الناتو و”في اللحظة التي نرى فيها السويد مستعدة لتطبيق تعهداتها فسنبدأ عملية المصادقة”. ورغم الانزعاج من تغريد تركيا خارج السرب، فقد تكون مهمة في الطريق. وقال شيا “محادثات السلام في أوكرانيا ليست على الطاولة في الوقت الحالي” و”عندما يعودون، فمن سيلعب دور الوسيط، الصين أو تركيا، وأنا أراهن على تركيا”.
“القدس العربي”


























