واجهت الرابطة العروبية في فجر نهضتها الإجتماعية منذ اربعينات القرن الماضي ما يمكن الجزم في اعتباره اكبر تحدٍّ عرفته المجتمعات الحديثة. ذلك ان المشروع الصهيوني الذي جعل من أرض فلسطين مقراً لإنطلاقته نحو معظم العالم العربي، وضع المنطقة العربية، مجتمعات ودولاً وسلطات، أمام تحديات كبيرة.
نادراً ما انطلقت حركة سياسية أو اجتماعية أو تموضعت حركة سياسية في طول العالم العربي وعرضه، منذ الربع الثاني من القرن العشرين من دون أن تضع التهديد الصهيوني وسبل مواجهته في مقدم اولوياتها.
وكثيراً ما شكّل التهديد الصهيوني شمّاعة يعلَّق عليها ما يلزم وما لا يلزم. لكن استغلال بعض الحركات السياسية في العالم العربي التهديدَ الصهيوني تبريراً للتخلف الاقتصادي او لاستمرار القمع السياسي، لا يلغي حقيقة ثابتة، ألا وهي ان التهديد الصهيوني للمنطقة لم يكن تهديداً للعرب ومنطقة الشرق الأوسط فحسب، بل كان تهديداً لمنطق الحداثة برمته. في طبيعة الحال، كان العرب اكثر المتضررين من عدوانية هذا المشروع، لأن ضرره طاول الأمن والاستقرار والتطور الديموقراطي والاقتصاد.
باختصار، كان الضرر الصهيوني يطاول كل شيء ويهدد كل مكان. لكن وجود دولة إسرائيل في معنى من المعاني، كان ايضاً اشبه ما يكون بفضيحة الحداثة الغربية. حيث بدا كما لو أن الحداثة الغربية لا تتسع لدولة قومية لليهود، فصدّرت مشروع هذه الدولة إلى ما اعتبرته لزمن طويل منطقة الأزمات.
وحرصت، اي الحداثة الغربية، دولاً وثقافات، على إدارة الظهر لتطلعات الشعوب وآمالها في المنطقة. وهي كانت في مطلع القرن العشرين اقرب جواراً إلى اوروبا الحداثة، مما رست عليه وقائع العقود الاخيرة منه.
الخلاصة من هذه الإشارة تتلخص في القول ان المنطقة العربية لم تواجه تحديات مجتمعاتها وسبل تطورها فحسب، بل إنها شكلت ما يمكن اعتباره بحق اختبار العالم، ووقعت على عاتق شعوبها ودولها مهمة رعاية التنوع الذي افتقرت إليه الحداثة الغربية محاولةً تصدير المختلف خارج حدودها.
يمكن القول من دون كثير من إثارة الجدل ان القرن العشرين كان قرن ولادة الدولة الأمة، المنسجمة والمتناغمة، شعوباً واثنيات ومذاهب وأدياناً. لكن رخاوة الحدود بين الدول وتطور وسائل النقل والاتصال، جعلا العالم في نهاية القرن العشرين ومستهل القرن الحادي والعشرين أكثر اختلاطاً وتنوعاً مما كان عليه في منتصف القرن العشرين.
على نحو ما، لم يعد ثمة غير دول قليلة جداً في العالم لا تضم خليطاً متنوعاً من الأعراق والشعوب وابناء الاديان والمذاهب المختلفة. وهذا طرح تحدياً كبيراً على العالم اجمع، كثيراً ما جُبِه بارتفاع وتيرة النزاعات العنصرية في العالم اجمع من دون تمييز بين شرق وغرب.
غلّب العرب منذ عقد الثمانينات الماضي على أقل تقدير، منطق الرغبة بالسلام العادل والشامل في ما يخص القضية الفلسطينية والقضايا العربية المتفرعة عنها، على منطق الحرب والاستعداد لها.
اسباب كثيرة كانت وراء هذا التحول في المنطق السياسي العام في العالم العربي. لكننا اليوم نكاد لا نجد خطاباً سياسياً واحداً في دول العالم العربي على اختلاف اتجاهاتها السياسية الراهنة، وطبيعة تحالفاتها ومراهناتها، يدعو إلى تغليب منطق الحرب والاستعداد لها ضد إسرائيل.
هذا التغير في منطق الصراع وأهدافه، وضع الأمة العربية امام تحديات مستجدة في ما يخص مواصلة الصراع مع اسرائيل ووسائله.
كان واضحاً ان العالم العربي في العقود الأخيرة بات يناضل دفاعاً عن الحقوق العربية وحقوق الفلسطينيين تحت سقف الأمم المتحدة. وهذا لم يكن بسبب عدالة القرارات الصادرة عن المجتمع الدولي، بل لأن الصراع العربي – الإسرائيلي اسفر بعد حروب طويلة ومريرة عن نتيجة مفادها، أن الحروب لن تزيل دولة إسرائيل من الوجود من جهة أولى، وان الاختلال الساحق في موازين القوى بين العرب وإسرائيل لا يلغي الحق العربي والفلسطيني.
لم تلجأ سوريا إلى إشعال حرب على جبهة الجولان منذ عقود، لكن هدوء الجبهة لم يلغ الحق السوري في استعادة الهضبة.
وعلى النحو نفسه، لم يؤدِّ الفارق الهائل في موازين القوى بين لبنان واسرائيل إلى جعل لبنان لقمة سائغة في حلق الوحش الإسرائيلي.
ما تغير في معادلات الصراع، أقلّه بالنسبة الى العرب انفسهم، ان الجهد العربي اصبح منصبّاً على افضل السبل التي تجنّب المنطقة حروباً لا تبقي ولا تذر.
المعنى من ذلك، ان الجهد العربي في هذا الصراع اصبح منصبّاً بالفعل على العمل الجاد على لجم إسرائيل ومنعها من استعمال قوتها المفرطة. ذلك ان إسرائيل كانت دائماً ومنذ نشأتها تستخدم جيشها بإفراط مذهل. ففي الادبيات الإسرائيلية ليس ثمة امر لا يمكن حله بالحرب. أكان الموضوع متعلقاً بالمفاعل النووي العراقي، ام كان متعلقاً بالحقوق الفلسطينية، ام كان متعلقاً بالملف النووي الإيراني اليوم.
من هنا، انصب الجهد العربي في العقود الأخيرة على تحصين موقع العالم العربي في العالم، واثبات حاجة العالم كله إلى استقرار هذه المنطقة المتطلعة إلى حلول عادلة.
والأرجح ان العالم اليوم لم يعد ينظر إلى العالم العربي بوصفه منطقة الأزمات المزمنة، بل بات العالم كله يدرك حاجته إلى استقرار هذه المنطقة ودعم مسيرة تطورها الاقتصادي والثقافي والاجتماعي على المستويات كافةً.
درجت ادبيات القوميين العرب على تطلب الوحدة العربية، اي انشاء دولة واحدة من المحيط إلى الخليج. لكن المشروع في حد ذاته لم يكن يملك مقومات النجاح. وغالباً ما تم الجور على دول صغيرة مستقلة باسم مشروع الوحدة.
وقائع العقود الماضية اثبتت ان مثل هذا التطلب غالباً ما ادى إلى حروب داخلية في العالم العربي. وبعضها كان له تداعيات دولية خطيرة، مثلما حدث بعد اجتياح العراق للكويت.
وعليه، بات واضحاً ان الحاجة للإقلاع عن وهم الوحدة القسرية ضروري وداهم. بل ان المستجدات العربية اثبتت ان الوحدة العربية ليست شرطاً ملزماً لمتانة الرابطة العروبية.
فالدول العربية لم تتوان عن دعم لبنان مالياً وسياسياً واعلامياً في مواجهة آثار الحروب الإسرائيلية عليه، كذلك لم تتأخر في دعم الفلسطينيين على الصعد كافة إثر كل اعتداء إسرائيلي.
ولم تشترط الدول العربية الكبيرة على الدول التي تطلب الدعم ان تلتحق بسياساتها او طالبتها بالانضمام إليها.
الوحدة لم تعد شرطاً لمتانة الرابطة العروبية، ذلك ان العقود الماضية اثبتت ان التاريخ المشترك وأحكام الجغرافيا تربط دول العالم العربي وشعوبه بروابط متينة لم تقو على اضعافها وتوهينها كبريات الاحداث والحروب.
تأسيساً على ما سبق، يجدر بالمرء ان يساجل الأفكار العروبية التي تفترض ان العالم العربي يسير من محطة انحدارية إلى محطة أكثر انحداراً.
واقع الامر ان العالم العربي اليوم بات منظوراً ومعروفاً للعالم كله. وهو ليس منظوراً ومعروفاً فقط، بل اثبت ان الحاجة إليه ملحة للعالم اجمع.
لم يعد العالم العربي بعد اكثر من قرن من النضال على المستويات كافة عالماً مجهولاً تقع احداثه في داخله فقط. لقد اصبح كل حدث يحدث في هذه المنطقة يعني العالم كله من دون لبس او تشكيك من أي نوع.
والأرجح ان التدقيق في النتائج التي اسفر عنها الصراع العربي – الإسرائيلي بات واجباً. ليس صحيحاً ان الهزيمة كانت من حظ العرب دائماً. الفلسطينيون خرجوا من بيروت بهزيمة عسكرية، بعد مقاومة بطولية، لكن العالم كله اليوم يعترف بحقهم في إقامة دولتهم المستقلة.
هذا الاعتراف لم يكن متحصلاً في عام 1982 بل ان الفلسطينيين ذهبوا إلى مؤتمر مدريد للسلام ضمن عداد الوفد الأردني.
آنذاك العالم بأجمعه لم يكن يعترف بوجود الشعب الفلسطيني فكيف بحقه في إقامة دولته. في طبيعة الحال، ثمة مسيرة طويلة من النضال والتضحيات لا تزال ماثلة امام الشعب الفلسطيني قبل ان يحقق الحد الأدنى من تطلعاته وآماله المشروعة.
لكن الصراع العربي – الإسرائيلي اثمر تراجعاً إسرائيلياً واعترافاً عالمياً بحق الشعب الفلسطيني، واثبت ان القوة وحدها لا تحقق الانتصار ¶
أيمن جزّيني
"النهار"






