المستقبل –
بعد مرور ما يقارب ربع قرن من الصراع المسلح بين الجيش التركي ومقاتلي حزب العمال الكردستاني، يبدو أن الدولة التركية في ظل رئاسة حزب العدالة والتنمية للحكومة باتت مقتنعة بإيجاد تسوية سياسية للمسألة التركية. فلأول مرة، تطلق المناورات الكبرى على الصعيد السياسي في محاولة منها لإيجاد مخرج سياسي للصراع الذي تفجر في تركيا بين الجيش التركي والتمرد المسلح الذي يقوده حزب العمال الكردستاني منذ العام 1984.
وفي هذا السياق استقبل رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان الإربعاء 5 آب الجاري، زعيم الحزب الكردي، أحمد الترك، المعروف عنه بتمرسه في الصراع السياسي، حيث اعتبر المحللون هذا اللقاء بمنزلة، الخطوة المهمة نحو إيجاد حل سياسي للمسألة الكردية.
ومع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لاندلاع حرب العصابات، أعلن زعيم حزب العمال الكردستاني، المعتقل في جزيرة ايمرالي، نيته إعلان "خريطة طريق"لحل المسألة التركية يوم 15 آب الجاري.. وكان محامو أوجلان التقوه الجمعة الماضي، وأعلنوا أنه أجّل إعلان خطته إلى الأربعاء المقبل، لكنهم نقلوا عن الزعيم الكردي، ملامح من هذه الخطة بقوله إن المرحلة التي تمر بها تركيا اليوم، ويعرض فيها حزب العدالة والتنمية ما سمّاه "الانفتاح على الأكراد"، هي في غاية الأهمية وتعادل في أهميتها مرحلة تأسيس مصطفى كمال أتاتورك للجمهورية. ويعتقد المتابعون للشؤون التركية أن معالم "خريطة الطريق " تستند إلى دستور العام 1921، الذي استمر العمل به لمدة ثلاث سنوات، وتحمل مفهوما أوسع للمواطنة.
وقال أوجلان إن ما يجري الآن هو ما كان يجب أن يحصل في سنوات الجمهورية الأولى.. ورأى أوجلان أن الدولة لا يمكن أن تحل كل شيء، موضحا "كنا نعتقد ذلك سابقا أما الآن فلا. بل إنها تحولت إلى مصدر لمشكلة. الدولة لا تحل المشكلة بل تعمّقها. لكن هذا لا يعني ألا تكون الدولة موجودة في حل المشكلة الكردية. الدولة ستكون لكن عبر احترامها للحريات". وقال إن نظرته إلى الحل هي التالية: الدولة من جهة والأمة الكردية الديموقراطية من جهة أخرى. يعترف الأكراد بالدولة ويقبلون بها فيما تعترف الدولة بحق الأكراد بأنهم امة ديموقراطية. ورفض فدرالية على النمط الكردي في العراق حتى لو عرضت عليه.
وكانت الدولة التركية رفضت تاريخيا التفاوض مع حزب العمال الكردستاني التي تعتبره"منظمة إرهابية"، وتجاهلت كليا الإعلانات المتكررة لوقف إطلاق النار، من جانب القيادات الكردية المتخندقة في جبل قنديل شمال العراق. غير أنه لا إلقاء القبض على عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي سقط أسيراً في قبضة الجنرالات الأتراك ضمن عملية قرصنة سياسية – أمنية، دبرتها له أجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية والتركية، وبتواطؤ مكشوف وواضح من قبل اليونان وكينيا في عام 1998، ولا كل الحملات العسكرية التي قامت بها تركيا خلال السنوات الماضية، ولاسيما خلال ربيع وصيف عام 1997 في كردستان تركيا وفي شمال العراق، استطاعا تصفية الحزب،وبالتالي إسكات المدافع، وان كانت قد وجهت له ضربات قاسية خصوصاً لجهة اعتقال الرجل الثاني سابقاً في الحزب شمدين صاقيق وما يحمله من "كنز" من المعلومات، وتقلصت جراء ذلك عمليات الحزب من شمال العراق ومن داخل الأراضي التركية ومنذ سنة 2004، استمرت حرب العصابات بين مقاتلي حزب العمال الكردستاني والجيش التركي في عمليات كر وفر.
يشكل تأكيد القومية الكردية في أيامنا، مشكلة سياسية عويصة بالنسبة لتركيا، التي عالجتها منذ الحرب العالمية الأولى بصورة جذرية عبر تطبيق خطة تنزيح مكثف للسكان الأكراد من النوع الذي حل بالأرمن، وإجبارية استخدام اللغة التركية، في صفوف السكان الأكراد وفرض الأحكام العرفية، في المناطق الكردية. وليس هناك أحد يجهل الحرب الحقيقية التي تدور رحاها في محافظات جنوب شرقي تركيا بين الجيش التركي ومقاتلي حزب العمال الكردستاني منذ بداية العام 1984، هذه الحرب الضروس "بدون نهاية" كان من نتائجها تهجير مئات الآلاف من الأكراد من ديارهم وقراهم الأصلية، وتكبيد تركيا خسائر بشرية تقدر بعشرات الآلاف من القتلى والجرحى في صفوف قواتها المسلحة، واستنزافها اقتصاديا، إذ ان كلفة الحرب منذ بدايتها وصلت إلى اكثر من 100 مليار دولار حتى الآن.
ويعتبر حزب العمال الكردستاني المسألة الكردية إحدى مكونات الأزمات الداخلية التاريخية التركية، حتى وان كانت تركيا قد أنكرت وجودها، وعملت على تقزيمها وتحويلها إلى مجرد قضية "إرهاب داخلي ونزعات انفصالية". لكن الحزب اليوم يطالب لهذه الأقلية الكردية التي يبلغ تعداها 15 مليون نسمة، وتشكل 20في المئة من سكان تركيا، بـ"الحقوق الثقافية والحكم الذاتي" في إطار احترام سيادة الدولة التركية على كامل أراضيها.






