كيف نحدّد السلام بطبيعته، وأهدافه، ووسائله؟ وهل هو مطلب حديث لدى الجماعات البشرية، أم مطلب قديم؟ وهل تختلف طبيعته وعناصره وشروطه اليوم عمّا كانت عليه بالأمس البعيد؟
إنّها أسئلة كبيرة لموضوع يهمّ جميع الناس، في كل بُقاع الأرض، وفي كل الحقبات التاريخية… وبالتالي، فإنّ بحث هذا الموضوع طويل ومتشعّب. ومن الممكن أن ينكبّ على دراسته الباحث في التاريخ، والفلسفة، والأنتروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والسياسة، وغيرها من شتّى العلوم الإنسانية.
إنّ موضوع السلام، في ماهيته وأهدافه ووسائله هو الشغل الشاغل للبشرية منذ أقدم العصور حتى أيامنا هذه. إلاّ أنني أنطلق بالتحديد من نهاية الحربين العالميتين، الأولى والثانية، لأركّز على عقد التسعينات من القرن الماضي والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين .
مآسي الحربين العالميتين الأولى والثانية حملت العالم على إيلاء مسألة السلام اهتماماً خاصاً. وتمأسَس هذا الاهتمام ضمن أهداف ومهام "منظمة الأمم المتحدة" والمنظمات المنبثقة عنها، وبالأخص منظمة "الأونيسكو" التي أنشئت فور انتهاء الحرب العالمية الثانية من أجل "بناء السلام في عقول البشر". لذلك، فالمنظمة هذه تسعى إلى تعزيز السلام والأمن من خلال التعاون في مجالات التربية والثقافة والعلم والاتصال.
لا شك أن أهمّ وثيقة صدرت عن منظمة الأمم المتحدة وتتعلّق بمبادئ شمولية تشكّل أساساً لإرساء سلام حقيقي بين البشر، هي وثيقة "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". أقرت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة هذا الإعلان في العام 1948، ويتضمّن ديباجة وثلاثين مادّة. وفي العام 1966، وبناءً على بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبهدف التطبيق العملي لتلك البنود، أقرّت منظمة الأمم المتحدة عهدين دوليين، الأول، يتناول الحقوق والحريات المدنية والسياسية، والثاني، يتناول الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ثمّ راحت، تباعاً، تصدر عن الأمم المتحدة اتفاقيات تفصيلية لبنود شرعة حقوق الإنسان.
إنّ تحقيق السلام، بين الأفراد والشعوب والدول، وتوطيده وتحويله إلى ثقافة، أو إيديولوجيا، لا يقوم فقط على منع وقوع العنف والنزاعات والحروب، بل يقوم أيضاً وبخاصة على تعميم القيم، والمواقف، والمسلكيات التي تسهم في تعميق العيش المشترك تأسيساً على مبادئ الحرية والعدالة والديموقراطية والتسامح والتضامن وجميع مبادئ حقوق الإنسان، مع عدم استخدام أساليب العنف، وبمعالجة أسباب الأزمات عبر الحوار والتفاوض، وبغية تنمية المجتمع في جميع المستويات والأبعاد.
صحيح أنّ الأمم المتحدة، بعدما كانت تتحدّث في ما مضى عن حقوق الإنسان والتنمية والديموقراطية، كلٌّ على حدة، وذلك بسبب مواقف عدد كبير من الدول النامية ودول الكتلة الشيوعية، أخذت في التسعينات من القرن العشرين تقيم الربط بين هذه المفاهيم والعمليات الثلاث: حقوق الإنسان، والتنمية، والديموقراطية. إلاّ أنّ الربط بين التنمية البشرية والتحوّل الديموقراطي ليس ميكانيكياً أو آليّاً. ففي الواقع، شهد العالم تقدّماً في مسيرة التحوّل الديموقراطي والتنمية البشرية، ولكنّه شهد أيضاً عدداً متزايداً من الصراعات المحلّية والحروب الأهلية.
في العام 1981 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة أنّ يوم 21 أيلول من كل عام سيكون يوماً للسلام. ويُعدّ هذا اليوم فرصة للاحتفال بمُثُل السلام وتعزيزها. وفي العام 2001، نقّحت الجمعية العامة للأمم المتحدة أهداف ذلك اليوم ليصبح "يوماً لوقف إطلاق النار وعدم العنف في العالم، وهي دعوة لجميع البلدان والشعوب إلى التزام وقف الأعمال العدائية خلال ذلك اليوم".
أما العقد الدولي لتعميم ثقافة السلام، فقد أعلنت هيئة الأمم المتحدة عام 2000 عاماً كاملاً للسلام. ومن ثمّ، أعلنت الأعوام 2001 إلى 2010 عقداً كاملاً لتعميم ثقافة السلام وعدم العنف لمصلحة أطفال العالم.
وصاغت المنظمة العالمية هذه إعلاناً في هذا الشأن تضمّن المبادئ التي يجب أن ترتكز عليها ثقافة السلام والوسائل التي يجب استخدامها لذلك في مستويات عدّة من الحياة الفردية والجماعية وعلاقات الدول بعضها مع بعض.
فما هي أبرز مضامين هذا الإعلان التي تشكّل، في الواقع، أشمل تحديد لماهية ثقافة السلام؟
باختصار: تحدَّد ثقافة السلام بأنها مجموعة القيم والمواقف والتقاليد والمسلكيات وطرق العيش، المبنية على :
احترام الحياة ـ رفض العنف ـ ممارسة اللاعنف سلمياً ـ تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات ما بين النساء والرجال ـ احترام حقّ كل فرد في التعبير والرأي والاستعلام ـ احترام مبادئ الحرية والعدالة والديموقراطية والتسامح والتضامن والتعددية ـ تطبيق شرعة حقوق الإنسان ـ تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ـ التغلّب على الفقر ـ محو الأمّية ـ إدارة الشأن العام بشفافية ومسؤولية ـ القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ـ احترام حقوق الأقليات الدينية والأتنية واللغوية ـ حقّ الشعوب في تقرير مصيرها ـ تحرير الشعوب من الاحتلال والهيمنة بشتى أشكالها. هذا ـ باختصار شديد ـ تحديد ثقافة السلام كما جاء في إعلان منظمة الأمم المتحدة. ونلاحظ أنّ هذا التحديد هو شمولي. أي أنه لا يقتصر فقط على عدم ممارسة العنف مادياً، بل يطال جميع مستويات الحياة المجتمعية لينمّي فيها قيم العدالة والمساواة والحرية.
على مَن تقع مسؤولية بناء ثقافة السلام، ذهنياً ومسلكياً وبنيوياً؟ هنا أيضاً الجواب شمولي. فالمسؤولية تقع على المؤسسات التربويّة، وعلى الحكومات، وعلى المجتمع المدني في جميع أشكاله وتنظيماته، وعلى المنظمات العالمية، وأخيراً لا آخراً، على وسائل الإعلام بجميع أنواعها.
إنّ ثقافة السلام هي أهمّ ما يجب أن نصبو إلى بنائه وتعميمه. لكنّ ثقافة السلام ليست فقط مبادئ وتوقاً وحلماً. إنّها منظومة متكاملة تأخذ في الاعتبار النظرية والتطبيق، الجغرافيا والتاريخ، الجماعات في هويتها وانتمائها وحقوقها وواجباتها.
"المستقبل"






