المستقبل –
حمل تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2009 عنوان "أمن الإنسان في البلدان العربية"، وأثار ما ورد فيه نقاشات لا يزال صداها يتردد في أوساط المثقفين العرب، كونه يتناول قضية أمن الإنسان التي تعتبر في أساسها قضية إنسانية، اجتماعية وسياسية، ولا يمكن الفصل بينها وبين قضايا الحريات وحقوق الإنسان والمواطنة والديموقراطية والمشاركة السياسية.
ويتطرق التقرير إلى ما يتعرض له السواد الأعظم من الناس في العالم العربي من انتهاكات وتجاوزت، تطال الحريات الفردية، كالاعتقال التعسفي والتعذيب في أقبية أجهزة الأمن والاحتجاز غير القانوني في غالبية البلدان العربية. لكنه يكتفي بذكرها من دون الإشارة إلى المخارج والحلول، وكذلك يذكر أن المنطقة العربية تنفرد بوجود نصف اللاجئين على الأرض، فضلاً عن ارتفاع نسبة الأميّة والفقر وغير ذلك.
ويُعرّف التقرير أمن الإنسان بأنه "تحرر الإنسان من التهديدات الشديدة، والمنتشرة والممتدة زمنياً والواسعة النطاق التي تتعرض لها حياته وحريته". وينطلق هذا التعريف من التحليل المعروف لمفهوم أمن الإنسان الذي طرحه تقرير التنمية البشرية الصادر في العام 1994 عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مع الأخذ بالاعتبار الظروف الراهنة في البلدان العربية. لكنه تعريف يجنح إلى التعميم الشديد.
والخلفية التي استند إليها التقرير هي نزع الأولوية عن الدولة والجماعة الوطنية، وإعطاء الاهتمام للجماعات الإثنية والدينية والمحلية، مع تغليب الإنسان الفرد على الجماعة، سواء وطنية كانت أم ما دون وطنية، من منطلق اعتبار أمن الإنسان "هو نتاج من نتاجات الخطاب التعددي الديموقراطي الذي يتصل بدوره اتصالاً وثيقاً بتطبيق الحريات المرتبطة بالسوق في ميدان الحريات السياسية"، ولا اعتراض على أن يكون أمن الإنسان خطاباً تعددياً ديموقراطياً، لكن ربطه بشكل وثيق بتطبيق الحريات المرتبطة بالسوق أمرٌ يثير الشك والريبة، كونه ينحاز إلى أفكار وسياسات وممارسات معينة، تتصل بسياسات الدول المهيمنة على السوق وعلى هيئات "المجتمع الدولي"، وبسلطات الاستبداد العربي الملحقة بالسوق الدولية. ويظهر ذلك من خلال تحديد التحديات الخارجية التي أعقبت الحرب الباردة، حيث الأولوية أعطيت للتلوّث البيئي، ثم الإرهاب الدولي، والتنقلات السكانية، وتفشي الأوبئة، والإتجار بالبشر، وبعدها يأتي الفقر والبطالة والحروب الأهلية والنزاعات الطائفية والإثنية، وأخيراً قمع الدولة. والتالي، "لا عجب أن يتحول الاهتمام من حماية سلامة الدولة إلى حماية أرواح المواطنين القاطنين على أراضيها، ومن هذا التحوّل ينبثق مفهوم أمن الإنسان" حسبما جاء في التقرير.
ويستند التقرير في استعراضه لأبعاد أمن الإنسان إلى تلك المتعارف عليها عالميًّا، كما حدّدها تقرير التنمية البشرية للعام 1994 لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حيث يتطرّق إلى تهديداتٍ محددة تواجه أمن الإنسان في البلدان العربيّة. ومن جملة الأبعاد التي تشملها هذه التهديدات الاحتلال الأجنبيّ، وتدخّلات الدول الإقليمية والأجنبية، والعنف الناجم عن الاستنفار الذي يستنهض هويّاتٍ راسخةً في التاريخ، وممارسات الدولة القمعية التي تقوّض دعائم أمن الإنسان. ويُرجع كيفية وأولوية تناولها إلى الإطار الإقليمي الذي يتناوله، حيث يسلّط التقرير الضوء، في المقام الأول، على مجالات التهديد الوشيكة التي تستطيع البلدان العربية أساساً أن تأخذ فيها زمام المبادرة بنفسها. وتشمل ما يواجهه الناس من تهديدات ناجمة عن الأضرار التي تصيب قاعدة الموارد الطبيعية، وتلك التي تنشأ في الأصل مع نشوء الدولة، أو تقوّض أسسها، بما فيها صراع الجماعات المتنافسة على النفوذ والموارد؛ وتلك التي تؤثر بصورة غير متناسبة في الفئات المستضعفة. كما تشمل التهديدات الوشيكة مخاطر الضعف الاقتصادي، والبطالة، والافتقار إلى الحماية الاجتماعيّة والظروف الاقتصادية الأخرى، وتشمل أيضاً تلك التي تكون نتيجةً لمستويات غير كافية من التغذية والصحة. ويرى التقرير أن مثل هذه التهديدات تقع، بشكل رئيس، في نطاق قدرة البلدان العربية نفسها على الاستجابة، وإن كان لبعضها تقاطعات وتداعيات عالميّة مهمة بالنسبة إلى المجتمع الدولي.
ويتناول التقرير بالدراسة والتحليل هذه الجملة من التحديات، والتي يغلب على قسم منها الطابع التقني والفني، من حيث أنها لا تثير إشكالات سياسية إلا بشكل عرضي، وقسم آخر مختلف عليه في الجدل السياسي والفكري عربياً وعالمياً. ونجح التقرير في التطرق إلى إشكالياتها بدقة وموضوعية، حيث يوجه إدانة واضحة لممارسات الأنظمة السياسية وأجهزتها الأمنية، التي صادرت مؤسسات الدولة، حيث تشير جميع المؤشرات إلى تجاوز قدرة الإنسان العربي على التحمل، سواء ما تعلّق منها بالنمو الاقتصادي أو التكافؤ الاجتماعي أو البطالة أو الفقر أو التعليم، أم ما تعلّق بالمشاركة السياسية والمطالب الديموقراطية وحقوق الإنسان. وقد تجاوزت نسبة البطالة على 14 بالمئة، والتنمية المستدامة المطلوبة محكومة بمستقبل قاتم، فضلاً عن انعدام أي آفاق لتعاون اقتصادي وتقني وعلمي ملموس بين مختلف البلدان العربية. وعليه، ليس مستغرباً أن تختفي معاني الحكم السياسي المدني ومفاهيمه، لتحل محلها العصبويات الشخصية والفئوية والطائفية.
يبقى أن التقرير يقدم وثيقة هامة، بصرف النظر عن التحفظات أو الاعتراضات على بعض ما جاء فيه، من شأنها تسليط المزيد من الضوء على سوء الوضع العربي بجميع تفاصيله، وفي كافة المجالات.






