المستقبل
أصغر الخاسرين شأناً هو الصحافي البولوني "فيكتور باتر" مراسل التلفزيون البولوني الحكومي في موسكو. ففي تقريره الأول عن اندلاع الصراع وصف القصف المدفعي الجيورجي لمدينة "تسيخنفالي" عاصمة "أوسيتيا الجنوبية"، الغارقة في نومها آنذاك، بجريمة حرب، وهو الوصف الذي يتعارض كلياً والسياسة المعلنة لبولونيا الرسمية والمعادية بشدة لروسيا. لقد خسر فيكتور عمله وشُهّر به عميلاً للمخابرات الروسية من غالبية الصحافة البولونية المتماهية مع سياسة الدولة في العداء لروسيا.
أما جيورجيا فهي أكثر الخاسرين على الرغم من إدعاء رئيس جمهوريتها "ميخائيل ساكاشفيلي" من أن روسيا قد فشلت في تحقيق هدفها الرئيسي، مما أسماه "العدوان" الذي شنته على بلاده، وهو إسقاط حكمه.
لقد خسرت جيورجيا الحرب خلال خمسة أيام، ودُمرت قواتها تدميراًً يستحيل معه توظيفها في أي عمل عسكري ذي شأن ولفترة طويلة قادمة. وأما "إعادة الاعتبار للقانون وأحكام الدستور في كافة المنطقة"، كما وصف آنذاك الجنرال الجيورجي "كورا شفيلي" هدف عمليات قواته التي اجتاحت "أوسيتيا الجنويبة" فقد انتهت الى اعلان كل من "أوسيتيا الجنوبية" ذاتها و"أبخاذيا" لاستقلالها عن جيورجيا وبذلك خسرت هذه سيادتها على كامل أراضيها في المدى المنظور.
ومازالت حكومة ساكاشفيلي غارقة في معالجة مشكلات اللاجئين الجيورجيين في وطنهم والأضرار الجسيمة الناتجة عن الدمار الواسع الذي تسببت به العمليات الحربية على الأراضي الجيورجية. ولا يمكن إغفال الخسارة التي لحقت بمصداقية هذه الحكومة على المستوى الوطني والعالمي. وهي اليوم مدينة باستمرارها في السلطة فقط للدعم المالي والسياسي الذي يوفر لها من كافة الدول التي تناصب روسيا العداء. وأخيراً فإن النظام الجيورجي قد خسر كل إمكانية للالتحاق عضوا في صفوف حلف شمال الأطلسي وحتى اشعار آخر.
لم تكتف روسيا، كما جرت العادة بعد زوال الاتحاد السوفياتي، بالاحتجاج على العمليات العسكرية الجيورجية ضد "أوسيتيا الجنوبية" وقوات حفظ السلام الروسية فيها.
وفاجأ الرد الروسي العسكري السريع والحازم كل من دوائر حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، وأدخل الولايات المتحدة الأميركية في دوامة مأزق لم تعرفه منذ العدوان على كوبا في "خليج الخنازير" عام 1961 ونتيجة لذلك جُمدت سياسة التمدد العسكري والسياسي لحلف شمال الأطلسي نحو حدود روسيا على المدى المنظور. واكتفت الدوائر الأطلسية والأوروبية بتجميد العمل في هيئاتها المشتركة مع روسيا وخاصة بسبب الخلافات بينها حول كيفية التعاطي مع هذا الجواب الروسي الجديد في نوعيته.
وفشلت كل دعوات الدوائر المتصلبة لإنزال العقوبات السياسية والاقتصادية بروسيا. وبرز هذا في المؤتمر الوزاري للاتحاد الأوروبي في 1 -9 -2008 في بروكسل، وكذلك في اجتماع وزراء دفاع دول حلف الأطلسي في لندن في 19 /20-9-2008.
وفي نفس الوقت انطلقت الدعوات في أوروبا الى الحوار حول سبل توفير الأمن لأوروبا ودور روسيا فيها.
بادر الرئيس الروسي "ميدفيديف" الى طرح ما أسماه "هيكلية نظام أمن جماعي" لأوروبا في مناسبة انعقاد مؤتمر "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا" في كانون الأول 2008 وطوّر لاحقاً هذه المبادرة باتجاه التعاون مع الولايات المتحدة لبناء نظام أمني عالمي. وعاد وكرر وزير خارجيته "لافروف" طرح هذه المبادرة في الاجتماع غير الرسمي لوزراء خارجية منظمة" الأمن والتعاون في أوروبا" الذي عقد في جزيرة "كورفو" اليونانية في 28 حزيران/ 2009 وذلك في اليوم التالي على انعقاد "المجلس الاستشاري روسيا – الناتو" في نفس الجزيرة.
وتجلى الانتصار الأول لهذه المبادرة بأن أقر وزراء خارجية دول "منظمة الأمن والتعاون الأوروبي" ضرورة تعميق الحوار حول هيكلية جديدة للأمن في أوروبا كما أقروا إعداد وثيقة تشمل مرتكزات وملامح بناء هيكيلة للأمن الأوروبي المنشود على أن تُعرض تحت اسم "عملية كورفو" على مؤتمرهم القادم في أثينا في كانون الأول /2009.
في هذه الخطوة برز اتجاه واضح لتليين المواقف وترطيب الأجواء بين روسيا والغرب بعد "حرب القوقاز الشمالية" وما تبعها من سلسلة من وخزات الإبر التى مارسها الغرب ضد روسيا وكان آخرها المناورات العسكرية لقوات الأطلسي على أرض جيورجيا في النصف الثاني من أيار المنصرم.
ومما لا شك فيه أن للأزمة المالية العالمية وتداعياتها الاقتصادية في أوروبا خاصة من جهة، ولمجيء الإدارة الأميركية الجديدة الى البيت الأبيض برئاسة باراك أوباما وفريقه من جهة ثانية، دوراً مؤثراً على المنحى الذي أخذته تداعيات "حرب القوقاز". فلروسيا دور فاعل في تأمين الطاقة لأوروبا وأهمية صاعدة على المستوى الاقتصادي الأوروبي، ناهيك عن الدور الحاسم في تأمين خطوط الإمداد للقوات الأميركية والأطلسية المتورطة في المأزق الأفغاني الذي تزداد خطورته يوماً بعد يوم ، ولذلك أتى تعليق الكسندر راهرAlexander Rahr الخبير الألماني في الشؤون الروسية ليصف بدقة ما آلت اليه ردود فعل الغرب على حرب القوقاز في الذكرى الأولى لوقوعها "إن الغرب قد صفح لروسيا هذه الحرب"
() كاتب لبناني مقيم في برلين






