المستقبل –
الى جانب أحداث الصومال والعراق واليمن وإيران؛ اهتمت وسائل الإعلام العربية والعالمية في الأيام الأخيرة، بنجاح المحاولات الليبية في إطلاق عبدالباسط المقرحي، الضابط بالمخابرات الليبية، والمتهم بأحداث لوكربي، أي أحداث سقوط الطائرة الأميركية فوق بلدة لوكربي بإسكتلندا (والتي قُتل بسقوطها المئات) عام 1988. وقد اتُّهمت المخابرات الليبية يومها بإسقاطها، وشمل الاتهام عدة مراتب في النظام الليبي: من مدير المخابرات موسى كوسا (وهو الآن وزير للخارجية الليبية، وأحسب أن منصبه المقبل عند القذافي سوف يكون وزارة العدل!)، وإلى عاملين بإمرته انطلاقاً من مالطا، والتي ظلّت متنفساً للنظام الليبي بعد مُحاصرته من جانب الغربين الأميركي والأوروبي طوال قرابة الخمسة عشر عاماً.
وقد اضطر النظام الليبي في النهاية الى تسليم إثنين من المتهمين، مات واحدٌ منهما، وحُكم على المقرحي بالسجن مدى الحياة، الى أن أطلق قبل أسبوع "لأسباب إنسانية" كما ذكر وزير العدل المحلي في اسكتلندا. ولا ينبغي أن نُصدّق أن المرض العُضال الذي أُصيب به المقرحي كان السبب وراء إطلاقه. بل هناك ثلاث عِلَل تكمُن وراء هذه النزعة الإنسانية المفاجئة. أولى العِلل إقدام النظام الليبي وعلى مدار السنوات الثماني الماضية على التراجع عن كل سياساته المُعادية للغرب خلال ثلاثين عاماً (1970 2000). ومن ضمن ذلك إفشاء أسرار برنامجه النووي السابق والكيماوي، وتسليم المُعدات للأميركيين، وإخبارهم في إفاداته في ذلك عن العالم النووي الباكستاني عبدالقدير خان، ومن الكوريين، بل وكيف أفاد الإيرانيون وغيرهم من الشيء نفسه بقدر ما يعرف لا ما يعرفون! وثانية العِلل: دفع قرابة العشرة مليارات دولار (نعم، 10 مليارات!) للأميركيين والفرنسيين والبريطانيين، بحجة التعويض على أهالي المفقودين والضحايا في أحداث خطف الطائرات جميعاً وليس حادثة لوكربي وحدها! وما كان ذلك كافياً، بل إنه وخلال السنوات العشر الماضية ـ وبعد أن عايَنَ ما أصاب صدّام حسين بالحصار ثم بالقتل ـ أقبل على استقدام الشركات الأميركية والبريطانية والفرنسية والألمانية والإيطالية (والإيطاليون هم المستعمرون السابقون لليبيا والذين قتلوا رُبع الشعب الليبي في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين)، لإعمار ليبيا وتنميتها، كما ذكرت وسائل إعلام الجماهيرية الليبية الشعبية الاشتراكية العُظمى! أما العِلة الثالثة فهي استماتة النظام الليبي قبل أيام على مرور أربعين عاماً على "ثورة الفاتح العظيم" في بذل كل جهد، لكي يظهر المقرحي الى جانب المصفوفين وراء القذافي في الاستماع الى خطابه التاريخي ـ مثل كل إعلاناته ـ في الذكرى الأربعين للثورة أو للذكرى الأربعين لوصوله الى السلطة في ذلك البلد العربي المبتلى به وبزملائه الضباط في تلك الثورة (هكذا ينطق العقيد الكلمة). وقد تخلّص من زملائه جميعاً في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وحلّ محلّهم منذ أكثر من عقد أولاده وأبناء عمومته، وبعض الأتباع والأعوان، في المرحلة الثالثة لتطور الدول، حسب قانون ابن خلدون الشهير!
لقد كانت أعواماً حاسمة ثلاثة، الأعوام الواقعة بين 1968 و1970. فبعد انكسار مصر وجمال عبدالناصر في حرب العام 1967، وصل الى السلطة خلال ثلاثة أعوام ومن طريق الانقلاب (ومع حفظ الألقاب!) كلٌ من جعفر النميري بالسودان، وأحمد حسن البكر وصدام حسين بالعراق، ومعمر القذافي بليبيا، وحافظ الأسد بسوريا. وما غادر من هؤلاء أحد السلطة منذ ذلك الحين لأسباب سياسية داخلية غير جعفر نميري (1985).
أما الأسد الذي توفي وهو سلطان متوّج (عام 2000) فقد حلّ محلّه ابنه؛ في حين أزال صدام حسين أحمد حسن البكر، ثم قتل الأميركيون صداماً ـ كما هو معروف ـ في حين طال الأجل دون الأمل بالقذافي، لكي يتمكن من الاحتفال بنفسه بعد أربعين عاماً في السلطة. وقد انفرد من بين رفاقه الثوريين بكثرة الحروب الخاسرة التي خاضها أو خيضت بإسمه، وبكثرة الألقاب التي حملها وآخرها لقب: ملك ملوك إفريقيا!
ولست من هواة الاستشهاد بمحمد حسنين هيكل، لكنني أجد أن كلمته في معمر القذافي صحيحة وتستحق الاستذكار. فقد قال عام 1999 في مناسبة مرور ثلاثين عاماً على ثورة القذافي: لقد قضى عشر سنوات في مكافحة السياسات الغربية في العالم العربي، وعشر سنوات في مكافحة السياسات الغربية في إفريقيا، أما السنوات العشر الأخيرة فقد قضاها في مسح وإزالة سياساته السابقة وبالحماس المعهود نفسه!
عندما قام القذافي وزملاؤه بتمردهم الثوري في الأول من أيلول عام 1969، كان الاستقلال الليبي، وتوحّد نواحي المملكة ما مضى عليهما عقدان. وكان البترول قد استُغلّ حديثاً، ونشأت بالبلاد مؤسسات شبه ديموقراطية، وبدأ ذلك البلد العربي العريق والمناضل يتنفّس الصعداء، ويتّجه أبناؤه الى التعليم وبناء الدولة وتطوير المجتمع. وكعادتنا في الستينات ثم بعد الهزيمة عام 1967، فقد فرحنا جميعاً بالتحرك في السودان، وبالتحرك في ليبيا، رغم أن النظامين الموجودَين بالبلدَين آنذاك كانا واعدين وشبه ديموقراطيين أو منتخبَين. وتنافس كلٌ من النميري والقذافي في هدم المؤسسات الموجودة بحجج مختلفة، ثم اتجها لتقسيم المجتمع وضرب فئاته السياسية والإثنية بعضها ببعض. وقد تأخر السودانيون بعض الشيء في التحرك لهول ما أصابهم، لكنهم ما لبثوا بعد خمسة عشر عاماً أن نفضوا عنهم النميري ونظامه؛ في حين ما لقي القذافي مقاومةً داخليةً معتبرة، والمحاولات الانقلابية غير الجدية التي جرت ضدّه كانت من جانب زملائه ومن جانب أجهزة الأمن التابعة له. وهذا يجعل الأمر أكثر غرابة. فقد أصرّ، ودونما سبب ظاهر، وخلال ثلاثة عقود على أنه لا يترك "حجراً على حجر" ضمن المجتمع الذي يحكمه، حسب تعبير اللبنانيين. فقد رفض إقامة نظام مُصْمت وشمولي يقف على رأسه مثلما فعل الأسد وصدام حسين؛ بل اختار أن لا تكون هناك مؤسسات لا في الجيش ولا في الإدارة، وما عاد أحدٌ مطمئناً حتى على قبض مرتّبه في آخر الشهر، ولا عاد أحدٌ مستطيعاً الحصول في ذلك البلد البترولي على وقود لسيارته، أو على عامل يُساعد في الزراعة أو في أعمال البناء او كنس الشوارع ـ وكل ذلك بإسم "سلطة الشعب" والتي يتولاها الشعب بنفسه من خلال "المؤتمرات الشعبية" الشهيرة في ذلك البلد الذي صار "جماهيرية" تعبيراً عن حكم "الجمهور" له! أما أين هو ذلك الجمهور؟ وأين ذهبت موارد البترول وتذهب؟ فلا أحد عرف أو يعرف حتى اليوم. وفي ثمانينات القرن الماضي أعتق العالم العربي من مبادراته الثورية؛ وقال إنه خاب أمله في العرب والعروبة. ولذلك انصرف الى العناية بالشؤون الإفريقية، ويا لها من عناية! شنّ حروباً على كل جيرانه وجيران جيرانه، أولاً عبر الجيش الليبي، وعندما فشل الجيش وأُسِرَ آلافٌ منه في تشاد، عبر المرتزقة أو المعارضين في الأنظمة الإفريقية ومنها السودان وتشاد وفولتا وساحل العاج ونيجيريا والسنغال ومالي.. إلخ. ثم اكتشف ويا لهول ما اكتشف! اكتشف أن ليبيا ستُعاني خلال سنوات قليلة من نقص في المياه، فانصرف الى إقامة "النهر العظيم" من الواحات المائية الجوفية في المنخفض القارّي بقلب الصحراء. وقد أقام مصانع الحديد والصلب لإنتاج الأنابيب الضخمة التي لا تُضاهيها غير المدافع العملاقة التي أراد صدام حسين اختراعها لهزيمة أعداء العراق والأمة. والمفروض أنه ومنذ خمسة عشر يوماً فإن المياه تتدفّق على سائر أنحاء ليبيا، لكن المواطنين الليبيين لا يحسّون شيئاً من ذلك أو أنهم ما عادوا يحسّون. وقد سمعته يقول في أحد خطاباته إما عام 2004 أو 2005 ـ أي بعد تحوله الكبير باتجاه الغرب ـ إنه إذا كان الليبيون يشكون من أنهم لا يتمتعون بثروة بلادهم فهذا ذنبهم، وإلاّ فلماذا أهدروا الأموال الطائلة في الحروب الخاسرة، كما أهدروا الأموال الطائلة في استجلاب المياه من الصحراء؟! وكان الحل عنده ـ كما قال قبل عامين ـ أنه بعد فشل الشعب في إدارة أموره بنفسه؛ فإنه لم يبق مخرجٌ إلاّ تسليم كل مواطن ليبي نصيبه من البترول، وليتصرف به كما يشاء! أما الواقع فإن "السلطة والثروة والسلاح" وهي القضايا التي سلّمها كما زعم للناس منذ العام 1977؛ بقيت جميعها في قبضته وقبضة أعوانه وأولاده؛ وإلاّ من أين أتت تلك المليارات التي يتصرف بها ابنه سيف الإسلام في "مؤسسة القذافي الخيرية" والتي يتمتع بنِعَمِها الغربيون وحدهم، يوزّعها عليهم النجل البارز تعويضاً عن إساءات سبق لقائد الثورة أن ارتكبها في حقّهم من قبل!
على مشارف الذكرى الأربعين لثورة الفاتح العظيم هناك إنجازٌ إضافي إذن لقائد الثورة بل إنجازان؛ الأول إطلاق المقرحي، والثاني زيارة رئيس الاتحاد السويسري لليبيا بل للجماهيرية، للاعتذار من قائد الثورة شخصياً عن الإهانة التي نزلت بإبن آخر للعقيد (إسمه هنيبعل!) في أحد فنادق جنيف في العام الماضي!
لو كنتُ من مازنٍ لم تستَبِحْ إبلي
بنو اللقيطة من ذُهل بن شيبانا
لكن قومي وإن كانوا ذوي عددٍ
ليسوا من الشرّ في شيءٍ وإن هانا






