شهدت إسرائيل في الشهر الأخير عدداً من الجرائم تميزت بالوحشية و العنف الكبيرين مما أثار موجة من القلق من ظاهرة توسع نطاق الجريمة وتفشيها في أوساط مختلفة من المجتمع الإسرائيلي، الأمر الذي دفع الى حملة واسعة بادرت اليها الكنيست وانضمت اليها الحكومة الى جانب الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام لتسليط الضوء على أسباب تفاقم هذه الظاهرة وكيفية معالجتها.
وكانت الحادثة التي فجرت قضية الجريمة في إسرائيل مهاجمة عصابة من الشبان والشابات من المراهقين عائلة كانت تتنزه بالقرب من شاطىء تل أبيب، فاعتدت على الأب بالضرب المبرّح الأمر الذي أدى في نهاية الأمر الى وفاته. جاء هذا ضمن سلسلة من الجرائم العنيفة مثل إكتشاف جثة لإمرأة مقطعة تحترق في برميل للنفايات، والعثور على جثة رجل مقتول في أحد الجدوال، و مقتل إمرأة طعناً على يد مستأجر لديها، الى سلسلة أخرى من الإعتداءات التي تكشف درجة من العنف والإجرام جعلت وسائل الإعلام في إسرائيل تتحدث عن قلق الناس في أن يتحولوا الى ضحايا أثناء تنقلهم على الطرقات أو نزهتهم في الأماكن العامة أو ترددهم على المقاهي، وحتى داخل منازلهم.
يكشف النقاش الذي تشهده إسرائيل حول أسباب إرتفاع معدل الجريمة وكيفية معالجتها، الأزمة التي يعانيها المجتمع على أكثر من صعيد: بدءاً بالأجهزة الأمنية للشرطة مروراً بالأجهزة القضائية الإسرائيلية وانتهاء بأزمة الفساد والتدهور في المعايير الأخلاقية لدى الطبقة السياسية الحاكمة في إسرائيل.
العنف العسكري والعنف الإجتماعي
في رأي البروفسور جدعون فيشمان مدير مركز الأبحاث الإجتماعية في جامعة حيفا؛ الجريمة إجمالاً هي تعبير عن المعاناة من إنعدام المساواة والغبن الإجتماعي. وغالباً ما تكون الجريمة رداً على التفاوت الطبقي والإجتماعي. ومن أسبابها أيضاً إنعدام الإستقرار الإقتصادي وارتفاع معدل البطالة . ولكن ثمة أسباب كثيرة أخرى قد تكون وراء الدافع الى إرتكاب الجرائم منها ضعف سلطة القانون و الوازع الأخلاقي والقيمي نتيجة التدهور في قيم المجتمع وتراجع سلطة الأهل على أبنائهم.
ولكن في رأي دوريت أبراموفيتش السبب في ارتفاع معدلات الجريمة في إسرائيل يعود قبل كل شيء الى ثقافة العنف التي تجتاح المجتمع الإسرائيلي نتيجة النزاع مع الفلسطينيين والحروب التي تخوضها إسرائيل ضد جيرانها العرب. فالعنف ضد العرب بدأ يتسلل الى المجتمع فعندما تقول الدولة إنه لاسبيل الى تسوية خلافاتها مع الفلسطينيين إلا بالقوة، يبدأ المنطق عينه يسيطر على الأفراد في نظرتهم الى تسوية خلافاتهم مع غيرهم من الناس من طريق الإخضاع بالقوة واللجوء الى القتل لإسكات الخصم.
كما تحمل أبراموفيتش الفساد المتفشي وسط أركان الدولة البارزين مسؤولية كبيرة. ففي رأيها عندما يكون رئيس الدولة متهماً بالتحرش الجنسي وبالإعتداء على النساء اللواتي يعملن تحت أمرته، يخضع لتحقيقات الشرطة؛ وعندما يلاحق رئيس الحكومة بتهم تلقي رشى وسوء استغلال لمنصبه، وعندما يحال بعض الوزراء الى المحاكمة لإرتكابهم جنحاً وسرقات للمال العام ، فبماذا يمكن أن يفكر المواطن العادي؟
وإذا كان لتدهور القيم والتفاوت الإجتماعي الكبير بين طبقات المجتمع الإسرائيلي والتمايز الثقافي داخل الجماعات المختلفة التي يتشكل منها هذا المجتمع تأثيره السلبي على ارتفاع معدلات الجريمة والحوادث المخلة بالأمن؛ فإن بعض المحللين يعتقدون أن الخلل يعود ايضاً الى النظام القضائي ولا فاعلية نظام العقوبات المفروض. من هنا يجب إعادة النظر في هذه العقوبات والسعي الى تشديدها بحيث تشكل رادعاً أكبر للمجرمين ويمكنها أن تكبح التنامي في موجة العنف التي تجتاح المجتمع.
ينتقد نتان زهافي في مقال نشرته صحيفة "معاريف" وزير الداخلية نقداً حاداً لأنه إتهم وسائل الإعلام بتضخيم الحوادث التي وقعت والتهويل على الناس. ويقول له إن المجرمين هم العدو الأول لإسرائيل وليس محمود أحمدي نجاد. فالاسرائيليون باتوا يخافون لدى تنقلهم على الطرقات ولدى ارتيادهم للنوادي والمقاهي. ويرى أن المسؤولين الإسرائيليين من وزير الداخلية الحالي الى وزير العدل لا يقومون بالمهمة الموكلة اليهم وهم يخضعون للضغوط التي تُمارس عليهم من قبل جهات نافذة في إسرائيل. فعدم استقلالية القضاء وفساد المسؤولين في السلطة سبب أساس في ظاهرة تفشي الجريمة.
وأدت موجة الانتقادات العنيفة التي حملتها الصحف للاجهزة الأمنية والقضائية الى رد المدعي العام للدولة موشيه لادور على هذه الاتهامات مدافعاً عن دور النيابة العامة في حماية الأفراد واحقاق الحق. لكنه اعترف أن فاعلية تحرك الجسم القضائي مرتبطة الى حد بعيد بالأدوات والوسائل المتاحة له لتطبيق القانون ومعاقبة الجناة. وفي رأيه إن إقرار قوانين مشددة في فرض العقوبات سيشكل "رسالة رداعة" الى جميع الذين يعرضون سلامة الناس للخطر.
ولكن الظاهر مما نُشر أن المشكلة لا تكمن فقط في العقوبات المخففة، إذ تتحمل الشرطة جزءاً كبيراً من المسؤولية. فقد أظهرت تقارير نشرتها الصحف مدى الخلل والتلكؤ في أداء الشرطة في إسرائيل التي تلجأ مثلاً الى التلاعب بالإحصاءات كي تُظهر أن معدلات الجريمة لم تزدد في الأعوام الأخيرة لا بل تراجعت. فوفقاً لعضو الكنيست يوحنان بلسنر من حزب "كاديما" المعارض يتم ذلك بطرق مختلفة. على سبيل المثال كل الشكاوى التي تأتي الى الشرطة عن أعمال اعتداء على المنازل لا تسجل كتعدٍ على الممتلكات إذا لم تحدث سرقة، كذلك في ما يتعلق بالسيارت. تلجأ مخافر الشرطة الى تسمية ملفات الشكاوى بأسماء ملطفة بحيث تغير في طبيعتها.
وهذا غيض من فيض الشوائب التي تظهر في عمل الشرطة وتؤدي غالباً الى الإهمال في ملاحقة المشتبه بهم، أو الإفراج عن بعضهم بعد للضغوطات من جانب جهات نافذة، أو عدم اتخاذ إجراءات فاعلة في الوقت الملائم نظراً الى عدم امتلاكها القدرات والوسائل المطلوبة. الأمر المؤكد أن مقرري السياسة الإسرائيلية عندما تبنوا شعار إسرائيل "الدولة القوية" وسياسة "القبضة الحديد" ضد الفلسطينيين، لم يدركوا حينها أن ثقافة العنف ستغزو مجتمعهم من الداخل، وكل الإسرائيليين اليوم يدفعون ثمنها.
"النهار"






