هناك سياسة اميركية جديدة في افغانستان في عهد باراك اوباما. سفير جديد في كابول هو كارل ايكنبيري وقائد جديد لقوات التحالف الغربي هو الجنرال ستانلي ماكريستال، تعلق عليهما الإدارة الجديدة الأمل بإحداث انقلاب لمصلحتها في ذلك البلد، بعد النكسات التي اصابت الاستراتيجية الغربية على مدى السنوات الثماني الماضية، والمتمثلة خصوصاً بالعجز عن الحاق الهزيمة بتنظيم «القاعدة» وقتل او اعتقال القائدين الأبرز فيه اسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
سياسة جديدة بدأت بالاعتراف بأخطاء الإدارة السابقة. لم يعد التركيز فقط على كسب الحرب من خلال غارات الطائرات وقصف الصواريخ. وكما شرح رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الأميرال مايكل مولن في مقال نشره في نشرة دورية للجيش الأميركي: «نلحق ضرراً اكبر بمصالحنا مع العالم الإسلامي عندما لا تتفق اقوالنا مع افعالنا. فالرسائل التي نوجهها الى المسلمين ستبقى مفتقرة الى الصدقية لأننا لم نقم ببناء ما يكفي من الثقة والعلاقات المتبادلة معهم ولم نقم بتلبية الوعود التي قطعناها لهم… كنا نعتقد ان الرسائل هي مثل القذائف، يمكن القاؤها عليهم، لكنها ليست كذلك. فتحسين الاتصالات يحتاج أن يسير على خطين. لا يكفي ان نُسمعهم روايتنا، بل علينا ان نستمع اليهم كذلك».
كلام سياسي لقائد عسكري، يلتقي مع الخطاب الدبلوماسي الذي يخاطب به القائد الأعلى للقوات المسلحة، الرئيس باراك اوباما، المسلمين، بلغة مختلفة بل مناقضة للغة الإدارة السابقة، وهو ما عبر عنه بوضوح الخطاب الذي القاه اوباما في جامعة القاهرة في حزيران (يونيو) الماضي.
لكن الصواريخ ما تزال تسقط في افغانستان وتقتل مدنيين، في طريقها الى شن الهجمات على من تعتقد انهم افراد «القاعدة». بالأمس قتل تسعون شخصاً في غارة في شمال افغانستان، وقالت جهات افغانية ان بينهم 40 مدنياً على الأقل. قتل المدنيين هو العقبة الكبرى في طريق كسب قلوب الشعب الأفغاني، لكنها ليست العقبة الوحيدة. هناك الفساد المستشري في الإدارة الحاكمة، المتمثلة بحكم حميد كارزاي، وعودة هذا البلد ليحتل موقع المصدر الأكبر لتجارة الأفيون في العالم، وهناك من يقول أن «طالبان» التي كانت تحارب هذه الآفة خلال فترة حكمها لأفغانستان، باتت الآن شريكاً في هذه التجارة التي تدر عليها الأموال لتعزز نفوذها في المناطق التي تسيطر عليها.
خارج النزاع العربي – الإسرائيلي، الذي تعهد اوباما بالسعي الى حله خلال ولايته الأولى، بات التورط في افغانستان هاجساً كبيراً يقلق هذه الإدارة. في استطلاع للرأي نشرت نتائجه في آب (اغسطس) الماضي ظهر ان 60 بالمئة من الأميركيين ضد بقاء جنودهم في افغانستان، هذا في الوقت الذي قرر رئيسهم الجديد زيادة عدد قواته هناك ليصل الى 57 الفاً، من اصل مئة الف هو مجموع القوات الغربية في افغانستان.
وضع غوردون براون مع الناخبين البريطانيين ليس افضل حالاً. اول من امس استقال مساعد لوزير الدفاع احتجاجاً على الحرب في افغانستان، وقال انه لا يعتقد ان كسب هذه الحرب سيساعد على الانتصار في المعركة ضد الإرهاب. اهمية كلام الوزير المستقيل اريك جويس انه كان ضابطاً كبيراً في الجيش البريطاني ولهذا أخذ البريطانيون رأيه على محمل الجد، لأنه خبير في الموضوع الذي يتحدث عنه. غير ان رئيس وزراء بريطانيا، المقبل على هزيمة انتخابية في الربيع المقبل، كما تشير كل التوقعات، أكد امس ان السبيل الوحيد للخروج المشرف من افغانستان هو عندما تصبح للقوات الأفغانية القدرة على حماية بلدها بمفردها ومنع أي عمليات ارهابية من اراضيها ضد اهداف غربية.
هدف بعيد المنال باعتراف الخبراء الغربيين. فإذا كانت قوات التحالف الغربي بقوتها العارمة وبالذراع الطويلة التي استخدمتها، خصوصاً في ظل ادارتي جورج بوش، قد عجزت عن القضاء على «القاعدة» وإنهاء نفوذ حركة «طالبان»، فما بالك بقوات محلية افغانية متعددة الولاءات، لن يتأخر التفكك القبلي ان يعصف بها وينهي اي مظهر للوحدة في صفوفها، مع خروج آخر جندي غربي من افغانستان.
"الحياة"






