وسط أجواء يسودها التشاؤم، ولا تسعى إسرائيل إلى سحب فتائلها المتفجرة، تواصل حكومة نتنياهو الجهر بموقفها من قضية الاستيطان، بل تذهب بعيدا نحو مواصلة مصادرة المزيد من الأراضي لمواصلة البناء الاستيطاني، ليس في القدس وحدها، بل في الضفة الغربية، حتى لقد ذهب الفجور بنتنياهو إلى اعتبار مطالبة إسرائيل بتجميد الاستيطان مضيعة للوقت. أما عرضه لصيغة "تسوية سلامه الموعود" في خطابه بجامعة بار إيلان، فهي الأكثر جدية من وجهة نظره، وذلك حين تساءل عما لا يمكن فهمه إزاء رفض شخص معني بالسلام طرحه "لدولة فلسطينية منزوعة السلاح تعترف بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي"؟!
وفيما يبدو موقفا منسجما ومتناغما، عبّر نتنياهو وباراك، بعد عودة هذا الأخير من واشنطن، عن شرط إسرائيلي واضح، حين دعوَا إلى "تجميد مؤقت للاستيطان مقابل خطوات تطبيعية عربية"، وذهب نتنياهو إلى حد القول إن "إسرائيليين كثيرين على استعداد لتقديم تنازلات كثيرة لفلسطينيين (وليس للفلسطينيين) ولكنهم لشيء واحد هم غير مستعدين: أن يكونوا بُلْها. لهذا إذا كان أحد ما يريد أن أجمد الاستيطان، فإنني أتوقع أن يقدم الفلسطينيون المقابل".والمقابل الذي يريده نتنياهو هو أن يعترفوا بإسرائيل "دولة قومية للشعب اليهودي"، بغض النظر عن الاستيطان وحجمه وحدود توسعه، ما يمكن أن يؤثر جوهريا في طبيعة جغرافية "الدولة الفلسطينية" منزوعة السلاح الموهومة، عبر الاعتراف بالتوسع الديموغرافي للمستوطنات، وبعمليات التهويد الجارية في القدس الشرقية، وفي المناطق التي تحوي المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية. وهو ما أعاد تأكيده نتنياهو مؤخرا عبر جولته الأوروبية ولقائه المبعوث الأميركي جورج ميتشيل في لندن.
ورغم نفي نتنياهو التوصل إلى تفاهمات مع واشنطن، يصر الإعلام الإسرائيلي على القول إن ثمة تفاهمات أنجزت، لكن المعضلة التي تواجه نتنياهو هي في كيفية إبلاغ أعضاء حزبه وائتلافه الحكومي، مضمون هذه التفاهمات من أن يحدث ذلك انتفاضة أو ثورة عارمة ضده. رغم ذلك فقد يختار نتنياهو لقاءه المتوقع مع الرئيس أوباما ومع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، موعدا مناسبا لإعلان موافقته على وقف البناء بشكل موقت، وذلك لتليين موقف إسرائيل من خطة أوباما المنتظرة، وهي التي يلاحظ أنها لا تختلف في عمومياتها وخطوطها العريضة عن مواقف واشتراطات حكومة نتنياهو، ومنها ما نص عليه خطابه في جامعة بار إيلان عن الدولة منزوعة السلاح والصلاحيات ضمن حدود موقتة، وتبادل الأراضي وتأجيل موضوع الحدود والقدس واللاجئين، مع التشديد على أن "التفاوض هو الأسلوب الوحيد للحصول على الحقوق"!.
ولكن.. حتى في ظل جولات التفاوض الماراتونية التي قادتها حكومة إيهود أولمرت السابقة، ارتفع في عهد تلك الحكومة عدد المستوطنين من 200 ألف إلى نحو 300 ألف مستوطن، فيما بلغت مساحة البناء في المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية، 47 ألف دونم لا تشكل سوى 9 في المئة من منطقة نفوذ المستوطنات، بمعنى أن المستوطنات تمتلك مساحة شاسعة غير مبنية ضمن مناطق نفوذها. في حين أن ما صودر منذ سنوات الثمانينات يزيد على مليون دونم، تشكل 16 في المئة من مساحة الضفة الغربية (بدون القدس) علاوة على أنه منذ قرار حكومة نتنياهو في العام 1996 عدم إقامة مستوطنات جديدة إلا بمصادقة الحكومة، فقد أقيم أكثر من 100 مستوطنة، بعضها يحمل اسم "بؤرة استيطانية".
ومثلما كان الحال في الماضي، وكما في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت، يعيد هذا الأخير دعوته إلى سحب بند المستوطنات من جدول الأعمال العلني، وتحويله إلى ما يسميه "الحوار السري"، واعتبر أن مسيرة أنابوليس ما كانت لتظهر بأي شكل من الأشكال من دون تفاهمات كالتي حصلت بين الرئيس جورج بوش وآرييل شارون. وهنا يشير أولمرت في مقال نشرته واشنطن بوست (17/7) إلى أن الكونغرس الأميركي أقر في العام 2004 بغالبية ساحقة رسالة الرئيس السابق جورج بوش التي اعترف فيها بأن "مراكز سكن اليهود في الضفة الغربية ستكون جزءا لا يتجزأ من دولة إسرائيل في أي اتفاقية للوضع النهائي، وأن الدولة الفلسطينية ستمثل حلا للاجئين الفلسطينيين لجهة إعادة توطينهم فيها وليس في إسرائيل".
وفيما يسعى الأميركيون والأوروبيون إلى إنزال إسرائيل وحكومتها اليمينية المتطرفة عن شجرة الاستيطان العالية، مقدمةً لفكفكة تشابكات التسوية السياسية مع الفلسطينيين والسوريين وبقية العرب، يصر الإسرائيليون على البقاء في المرتفعات العالية للاستيطان، كنوع من المماطلة والتسويف، وإفقاد التسوية السياسية المزيد من شروط تحققاتها العملية في أرض الواقع، حيث يستهدف الاستيطان، وكما كان منذ البدء، تخطي ما هو أيديولوجي إرضاء لقوى اليمين الديني المتطرف، إلى ما هو سياسي وديموغرافي لنيل رضا ذات القوى وما يسمى الإجماع الصهيوني، وهو ذات ما يسعى إليه شاؤول موفاز من داخل حزب كاديما، حتى وهو يدعو إلى دولة فلسطينية موقتة، وبما لا يخرج عن إطار ذات الأهداف التي يسعى نتنياهو وقوى اليمين الأخرى لتحقيقها على حساب الأرض والشعب والقضية الفلسطينية، ولو عبر حكومة أخرى أو حكومة معدّلة تتساوق والأهداف الغربية المعجلة، بينما يسعى الإسرائيليون وعلى اختلاف تلويناتهم وأطيافهم السياسية للبقاء على قمة الاستيطان وتلاله العالية، بدل النزول إلى حيث السفوح الكفيلة بتحقيق التسوية الموعودة والمؤجلة. فهل يغامر الأميركيون والأوروبيون بالدفع بمسألة إزاحة نتنياهو، أو إحداث تعديل في حكومته من أجل تحريك ما يعدون به من تسوية "حل الدولتين"؟!.
وإلى أن تتضح معالم وملامح معركة الاستيطان الأميركية الإسرائيلية، ستبقى عملية التسوية السياسية حبيسة أوهام البعض، وطليقة أحلام بعض آخر يتمنى للانقسام الفلسطيني أن يتواصل، لتواصل إسرائيل بناءها الاستيطاني على أرض الفلسطينيين المسلوبة، بل على أرض يزعم أنها ستكون من نصيب الدولة الفلسطينية الموعودة!.
"المستقبل"






