قبل أسبوعين، التقى وفدان أحدهما أميركي، والآخر عراقي، بدمشق، للنقاش مع المسؤولين السوريين بشأن اتفاق على أمن الحدود بين البلدين؛ خصوصاً أن الأميركيين والعراقيين يشْكُون من ذلك، ومن تسلّل عناصر بلغت آلافاً الى العراق من سوريا للقيام بأعمال عنفية، يسميها الأميركيون والعراقيون إرهاباً. وقد خرجت الأخبار من دمشق أن رئيس الوزراء العراقي ورئيس الوزراء السوري، توصلا بحضور الرئيس الأسد أو في حضرته، الى اتفاق استراتيجي يشمل التعاون في عشرات المجالات. بيد أن البيان ما قال شيئاً عن مصائر الاتفاق على أمن الحدود؛ إنما ذكر بعض الصحافيين العراقيين أن المالكي طالب السوريين بتسليم عناصر عراقية مطلوبة من جانب أجهزة الأمن بالعراق وهي مُقيمة بسوريا.
وبعد يومين على مغادرة المالكي دمشق، ذهب الرئيس الأسد الى طهران؛ في زيارة كانت قد تأجلت أياماً. ومن هناك بشّر إيران بالانتصار، وبانفتاح المجتمع الدولي عليها، وهاجم التدخلات في شؤونها الداخلية. ثم دعا لإقامة تحالف استراتيجي رُباعي بين إيران وتركيا وسوريا والعراق! وما عُرف جواب الطهرانيين على اقتراح الأسد؛ لكن أثناء وجوده بطهران حدث الأربعاء الأسود ببغداد، بالهجمات الانتحارية على وزارتي المالية والخارجية، وسقوط أكثر من مئة قتيل، ومئات الجرحى. ومضى يومان أو ثلاثة على ذلك، ثم انطلقت حملةٌ عراقية على سوريا تتهمها بوجود أشخاص من البعث العراقي السابق على أرضها هم الذين دبّروا التفجيرات! واستنكر السوريون ذلك واستغربوه واعتبروه إتهاماً غير أخلاقي (هكذا قال الرئيس الأسد). لكن العراقيين ظلوا مصرين على اتهامهم. ثم تدخل وزيرا خارجية إيران وتركيا للوساطة. أما الإيراني فجاء للعراق ثم لسوريا. وأما التركي فأتى الى سوريا ثم الى العراق، ومن هناك ذهب الى القاهرة. وما قيل شيء عن نتائج الوساطة الإيرانية؛ في حين أشاع الأتراك أجواء تفاؤل، من دون أن يحدث شيء ملموسٌ حتى الآن.
إن ما يحدث بين دمشق وبغداد هذه الأيام، يُشبه ما كان يحدث بينهما في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. لكن الشبه ظاهر فقط؛ فقد كان الموضوع وقتها صراعاً على السلطة والسيطرة بين البعثيين. أما ما نشهده اليوم فهو جديد تماماً. العراقيون يشكون منذ أربع سنوات من دعم سوريا للقاعدة وللبعثيين. وكان الأميركيون أعلى صوتاً منهم في استنكار ذلك. لكن تقارباً حدث في المدة الأخيرة بين الولايات المتحدة وسوريا؛ في حين يبدو أن العراق وقع في براثن شراكة بين الولايات المتحدة وإيران؛ وربما تؤول ا لشركة كلها لإيران بعد الانسحاب الأميركي. وهكذا فإن المالكي الذي تعاظمت شعبيته بسبب نجاحاته في ضبط الأمن، يجد نفسه في مأزق كبير الآن بعد الانهيار الأمني. في حين يجد السوريون أنفسهم في تباعد متزايد مع طهران، ومزيد من الاستناد الى تركيا وفرنسا؛ في حين بدأت المياه تجري في الأقنية بينهم وبين السعودية.
وهكذا فإن التركي جاء ظاهراً للوساطة، لكنه يقف الى جانب سوريا. والإيراني جاء ظاهراً للوساطة، لكنه يقف الى جانب العراق. وإذا كانت التفجيرات فرْكة أذُن للمالكي آتية من سوريا، مثل عملية تعطيل تشكيل الحكومة اللبنانية لكي تلتفت السعودية الى سوريا أكثر؛ فإن الهجوم العراقي على دمشق؛ قد يكون فركة أذن من طهران لسوريا بسبب تخلّيها عنها وميلها الى الغرب.
لكن ماذا في العلاقات السورية/ الأميركية؟ الأميركيون ما قالوا شيئاً عن الخلاف العراقي/ السوري. والتعليل أنهم في مفاوضات عميقة مع سوريا ولا يريدون إزعاجها. أما الأوروبيون فيميل أكثرهم الى سوريا يقودهم الفرنسيون، ولا شأن لهم بما يحدث في العراق باعتباره ملفاً أميركياً/ إيرانياً بالدرجة الأولى. ويغوص الأميركيون في صمت عميق وهم يُعدون في أواخر أيلول لإعلان مبادرتهم الشرق أوسطية؛ وفي الوقت نفسه خطتهم للتعامل مع النووي الإيراني.
وذهب وزير الخارجية التركي بعد دمشق وبغداد الى القاهرة. والواضح أن المقصود صُنْع تقارب بين البلدين المختلفين على أمور عدة أهمها قصة حماس وفتح، والدور السوري المطلوب في الضغط على حماس. والذي يبدو أن التركي نجح في وساطته السورية/ المصرية، وليس السورية/ العراقية. فالمصريون أعلنوا ترحيبهم الحار بالتدخل التركي، وخالد مشعل سوف يصل على رأس وفد الى القاهرة يوم السبت (اليوم).
أما الخلاف السوري/ العراقي فقد يتفاقم إذا استمر الخلاف الإيراني/ الغربي أو تصاعد. أي أن العراق يُستخدم للضغط على سوريا والغرب، كما كان لبنان وما يزال يُستخدم من جانب السوريين للضغط على السعودية. ولله الأمر من قبلُ ومن بعد.
"المستقبل"






