ربما بدد اجتماع انقرة الذي عقد الاسبوع الماضي بين وزراء الري والموارد المائية في كل من تركيا وسوريا والعراق آمال العراقيين بزيادة حصتهم من المياه لمواجهة الازمة المتفاقمة التي يواجهونها. اذ قال وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي تانر يلديز في ختام الاجتماع بعد اعترافه بحاجة سوريا والعراق الى المياه، إن معدل المياه الحالية التي يستفيد منها البلدان "مناسب جدا"، وان بلاده "لا تملك الكثير من الموارد".
اما وزير الموارد المائية العراقي عبد اللطيف رشيد فقد دعا الى انتهاج سياسة مائية منسقة بين الدول الثلاث لمواجهة الجفاف، ملقياً اللوم على تركيا لـ"فشلها في الوفاء بتعهدها اطلاق المزيد من المياه في نهري دجلة والفرات".
وليس من الواضح حتى الان الامكانات المتاحة امام العراق لمواجهة ازمة مياهه مع وجود دول جوار تصر على استثمار ورقة المياه وتواصل بناء السدود في محاولة لصرفها عن منابع مجاريها الطبيعية في وادي الرافدين.
ويشار الى ان العراق يمر بأزمة مياه خانقة ونقص خطير في حوض الفرات مما اضطره الى تقليص مساحة الاراضي المزروعة الى النصف. وكان معدل تدفق المياه في نهر الفرات عند الحدود السورية قبل بضع سنوات نحو 950 مترا مكعبا في الثانية، وهو يبلغ اليوم 230 متراً مكعباً فقط، اي ان نسبة الانخفاض بلغت ما يقرب من 75 في المئة بحسب مصادر في وزارة الموارد المائية. ولم تفلح الاجتماعات والمطالب العراقية المتكررة لتركيا في اقناعها برفع حصة العراق الى نحو 500 متر مكعب في الثانية.
ادارة الموارد المائية
وفي هذا السياق، قال مدير المركز الوطني لادارة الموارد المائية عون ذياب عبد الله انه "لأمر مؤسف حقاً ان تعمد دول الجوار الى الحاق الاذى بالعراق من خلال التحكم بملف المياه الذي هو حق انساني عام". وأكد في تصريح لـ" النهار" ان "العراق يحتاج الى 500 متر مكعب على الحدود السورية – العراقية، وعدم وجود هذه الكمية يؤذي العراق كثيرا ، وابسط مثال على ذلك هو اضطرارنا الى وقف محطة توليد الطاقة الكهرومائية في سد حديثة الاسبوع الماضي". واضاف: "لو تركنا موضوع شح المياه في حوض الفرات الذي تسببت به قلة الاطلاقات التركية واتجهنا جنوبا الى البصرة حيث شط العرب لوجدنا ان السلطات الايرانية هي الاخرى تتسبب بحدوث كارثة بيئية كبرى في الشط اثر قيامها بتحويل مجرى نهر الكارون الى نهر بهمن شير ، فضلا عن استخدامها شط العرب حاليا كمكب نفايات للمصافي ومياه الصرف الصحي" . وحذر من ان " البصرة وضفاف شط العرب تتعرض لكارثة بيئية حقيقية نتيجة ارتفاع معدلات الملوحة ، بعدما كانت منطقة جميلة وفيها اجمل غابات النخيل في العالم".
وكانت تقارير محلية حذرت من كارثة مياه مالحة تهدد سكان البصرة وكل اشكال الحياة فيها، نتيجة تحول شط العرب الى قناة بحرية بسبب شحة المياه في نهري دجلة والفرات اللذين يلتقيان عند " كرمة علي " في البصرة ويشكلان شط العرب.
بعد داخلي للازمة
غير ان مدير الموارد المائية لم يتجاهل العوامل الداخلية في ازمة المياه، معتبرا ان احد اوجه ازمة المياه الحالية في العراق ذو بعد داخلي. واعتبر ان "شكل نظام الحكم الجديد في العراق الممثل بالحكم الفيديرالي واللامركزي تسبب باخفاقات داخلية لا يمكن تقليل شأنها". واضاف ان "الحكم اللامركزي اثر ويا للأسف سلباً على توزيع المياه في العراق لان المدن التي تقع في اعالي مصب النهرين كمحافظة الموصل ومدن دوكان ودربندخان في اقليم كردستان تعتقد ان لها اولوية في حصة المياه". لكنه لفت الى ان هذه المشكلة لا تنطبق على المدن المشار اليها فحسب بل على معظم المحافظات العراقية التي تقع على ضفاف الانهار ، بمعنى ان هذه المحافظات تحاول تجاوز حصة المحافظة التي تليها. وعزا ذلك الى اعتقاد البعض ان تجاوز حصص الاخرين وتحقيق مكسب محلي يمثل انجازا وهدفا مهما، متناسياً ان كمية المياه من المنبع لا تكفي الجميع، وتاليا فلا اقل من ان يتحمل الجميع مشكلة شح المياه.
انتقاد الحكومة
وانتقد عضو لجنة الزراعة والاهوار والمياه في مجلس النواب جمال البطيخ الاداء الحكومي حيال ازمة المياه. وقال ان رد الفعل الحكومي والرسمي لا يتناسب مع حجم الكارثة، والحكومة تتصرف كأن الازمة تقع خارج العراق. وكشف في تصريح لـ" النهار" ان احد المديرين العامين في وزارة الموارد المائية ابلغه ان الجانب التركي في اجتماع انقرة "ترك طاولة الاجتماع" بمجرد ان الجانب العراقي أتى على ذكر زيادة الحصة المائية، الامر الذي ينم عن استهانة بالموقف الرسمي العراقي. ولفت الى ان كلاً من "ايران وتركيا تمارس ضغوطاً على العراق بغرض ابتزازه لأن العيون على نفطه". ورفض مزاعم تركيا وايران عن عدم توافر الموارد المائية لتحويلها الى العراق، متسائلاً "اذا كان الامر كما يدعون فكيف تصدر تركيا المياه عبر "انبوب السلام" الى اسرائيل ودول الخليج؟ وكيف تصدر ايران المياه الى دول الخليج ايضا؟". وخلص الى ان على الحكومة العراقية ان تشرك رؤساء الكتل البرلمانية ولا تذهب بمفردها حتى تتمكن من بلورة موقف سياسي وتفاوضي قوي. ودعا الى معاملة تركيا وايران وفق سياسة "لي الاذرع" التي تنتهجها الدولتان حيال العراق من خلال الغاء الصفقات التجارية مع البلدين ومساومة تركيا على انبوب النفط الذي يمر عبر اراضيها ويصب في ميناء جيحان.
بغداد – من فاضل النشمي
"النهار"






