كعادتها، درجت اسرائيل على ابقاء ثغرة في أي التزام محلي او ثنائي او دولي حيال النشاطات الاستيطانية في الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها شرق القدس وخصوصا محيطها. ومن هذه الثغرة تسيل معاني الاحتلال كلها. فالاستيطان اليهودي في فلسطين كان ولايزال جوهر العقيدة الصهيونية واساس نشاط الحكومة الاسرائيلية منذ بدء المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومع كل اتفاق فلسطيني – اسرائيلي على وقف الاستيطان التام، كانت اسرائيل تستثني مرة 50 متراً في محيط المستوطنات كما حصل مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل اسحق رابين. وبعد ذلك استثني البناء لاغراض النمو الطبيعي للمستوطنين. وتحاول اسرائيل اليوم استثناء القدس من النشاطات الاستيطانية، من دون ان يتوقف البناء في المستوطنات لحظة واحدة منذ توقيع اتفاق اوسلو الى اليوم، حتى في ذروة الانتفاضة الثانية اقامت اسرائيل اكثر من 140 مستوطنة تسميها اليوم بؤراً استيطانية وتعتبر ان 24 منها فقط غير قانونية وهناك محاولات لـ"تشريع وجودها" وجعلها "قانونية" على رغم ان الاستيطان في الاراضي المحتلة كله غير قانوني ولا يرتب أي حقوق لاسرائيل مهما كانت قوتها. فالاستيطان مخالف للقانون الدولي ومخالف للاتفاقات الثنائية الموقعة ومخالف لمنطق التسوية، واكثر من ذلك مخالف لمشروع حل الدولتين. وكل نقاش لحل الدولتين مع استمرار الاستيطان لا معنى له كما يقول الفلسطينيون. لذا هناك فلسطينيون كثر ايضا يتحدثون عن حل الدولة الواحدة والحقوق المتساوية انطلاقا من مواصلة اسرائيل الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة والقدس.
والاستيطان كان دائما اداة حكومية مركزية لتعزيز الاحتلال في مواجهة محاولات الفلسطينيين والاسرة الدولية انهاء الاحتلال واقامة دولة فلسطينية. ولا معنى هنا للتحليل الذي يقول ان البناء بهذه الوتيرة او تلك يهدف الى تحسين اوراق اسرائيل التفاوضية او الى اقامة دولة فلسطينية بشروط اسرائيلية. فالهدف هو مواصلة الاحتلال من خلال الاستيطان وبحث مشكلات لوجود الفلسطينيين في "ارض اسرائيل".
لان اسرائيل لا تزال تسمي الضفة الغربية "يهودا والسامرة" في الاوراق الرسمية وفي الاوامر الحكومية والعسكرية وحتى في وسائل الاعلام والصحافة التي تحتفظ لنفسها بمسافة معينة من السلطات الرسمية. ويفخر الصحافيون الاسرائيليون في كتاباتهم باستخدام المصطلحات الاحتلالية ذاتها من نوع "يهودا والسامرة" و "السكان"، في اشارة الى الفلسطينيين و"تجميد" لا "وقف" الاستيطان.
اسرائيل اليوم تحاول التذاكي. وعندما تتدنى شعبية الرئيس الاميركي باراك اوباما لاسباب بينها الموقف من اسرائيل، يحاول نتنياهو الضغط، حتى وان تعلم استخدام ادوات اقل وضربات ليست تحت الحزام كما فعل في ولايته السابقة مع الرئيس السابق بيل كلينتون والتي ادت الى تقصير ولاية نتنياهو نفسه. الا ان مستوى الضغوط الاميركية لوقف الاستيطان لا يبدو حتى الآن انه يكفي لاجبار الاسرائيليين على ترك "الثغرة" الدائمة لتعميق الاحتلال تحت دعوى "التطور الطبيعي" او "القدس ليست مستوطنة" و" لاتخضع لمصطلح تجميد البناء"، مع ان القدس الاستيطانية باتت اكبر من القدس الشرقية والغربية في آن واحد.
الرئيس عباس ربط امس في القاهرة أي لقاء يعقده مع نتنياهو بالتزام اسرائيل "الوقف التام للمستوطنات بموجب خريطة الطريق". وهذا الربط مهم لئلا تعتقد اسرائيل بان الاعيبها يمكن الموافقة عليها، وكي لا تحمل الولايات المتحدة عباس مسؤولية فشل عقد لقاء قمة ثلاثي اذا واصلت اسرائيل التهرب وتركت "ثغرة" في التزامها حيال وقف الاستيطان.
ولهذا من المهم معرفة كيف تصوغ اسرائيل موقفها وكيف تعبر عنه، فالاتفاق بين واشنطن وتل ابيب كما نقلت صحيفة "يديعوت احرونوت" الاسرائيلية الجمعة هو "فترة انتظار مشروطة باللفتات من الدول العربية ( تطبيع)"، ان "اعطوا لفتات تواصل التجميد، وان لم يعطوا انتهت فترة الانتظار".
والغريب ان تربط واشنطن واسرائيل بين استحقاق خاص باسرائيل ومبادرات عربية مجانية قبل اعلان الدولة العبرية اقتناعها بحل الدولتين، وتأكيداً لذلك وقف البناء في المستوطنات وبدء مفاوضات الحل الدائم. ومن المنطقي ان يفكر العرب المستهدفون بتقديم اللفتات بربط مبادراتهم بتقدم العملية فعلا، والا يوافقوا على ان تكون (المبادرات) مشجباً لتراجع اسرائيل عن التزامات وافقت عليها في الاتفاقات الثنائية.
والتفاهمات بين اسرائيل والولايات المتحدة تنص على الآتي: "تجمد حكومة نتنياهو البناء في المناطق (الفلسطينية المحتلة) مقابل مبادرات طيبة عربية تجاه اسرائيل". مسؤول اميركي نقلت عنه "يديعوت احرونوت" ان "هذه المبادرات تتضمن معاودة نشاط مكاتب المصالح الاسرائيلية في امارات النفط ودول شمال افريقيا، منح الطائرات الاسرائيلية حق العبور في سماء الدول العربية وعلاقات سياحية وتجارية. في المقابل، يفترض في اسرائيل ان توقف البناء في المستوطنات لفترة محددة ببضعة اشهر". وشدد المسؤول على انه "اذا لم تفِ الدول العربية في غضون بضعة اشهر بنصيبها، فستكون اسرائيل مخولة مواصلة البناء في الكتل الاستيطانية".
وتتوقع الادارة الاميركية ان "ينطبق التجميد الموقت على البناء الاسرائيلي في شرق القدس ايضا، لكن نتنياهو عاد واوضح في الاسابيع الاخيرة ان "القدس ليست مستوطنة، وعليه، سيستمر هناك البناء".
ومعنى العبارات الاسرائيلية انها تترك "ثغرة" لمواصلة الاستيطان وهذه الثغرة هي التعبير الاكثر وضوحا لرفض حل الدولتين ورفض انهاء الاحتلال، او في ادنى مستوى لنجاح الضغوط الدولية "اقامة حكم فلسطيني في مناطق تتخلى عنها اسرائيل وليسمه الفلسطينيون ما يريدون".
نائب رئيس الوزراء الاسرائيلي سيلفان شالوم كان واضحا الاربعاء في تعليقه على امكان التوصل الى تفاهمات اميركية – اسرائيلية لتجميد الاستيطان بقوله "ان الاستيطان هو الاداة الرئيسية والحيوية لبقاء اسرائيل"، علماً ان هذا الرجل اليميني معتدل وهو يختلف عن جوقة "الفايغليين" وجوقة "يعالون" وجوقة مركز حزب "ليكود" الاكثر تشددا الذين هددوا باسقاط نتنياهو اذا قدم التزاما بوقف الاستيطان.
قد تكون هذه الاعيب علاقات عامة والاعيب حزبية، لكنها تعكس تفكيرا يمينيا متشددا خلف فكرة الاستيطان – الاحتلال التي تتمسك بها الحكومة الاسرائيلية بصرف النظر عن هوية رئيسها، وكذلك الائتلاف الحكومي. فالاستيطان لم يتوقف مع وجود حكومات يمين – وسط او يسار – وسط.
اخيرا، من دون سد "ثغرة الاستثناء" سيتواصل الاستيطان، ويتواصل الاحتلال، وتتواصل ازمات المنطقة. واذا كان اوباما يحترم الثقافة العربية والاسلامية فمن باب اولى سد النافذة التي تأتي منها رياح الاستيطان والاحتلال.
رام الله – من محمد هواش
"النهار"






