هناك قاعدة عامة في العلوم السياسية تقول: "ليست السياسة الخارجية للدول سوى انعكاس لسياستها الداخلية في السياسات الداخلية للدول الأخرى".
تبرز صحة هذه القاعدة من خلال التطورات التي تعصف بالقضية الكردية في ضوء الاستعداد الأميركي للانسحاب من العراق، وفي ضوء المباحثات الكردية التركية التي تجري وراء جدران عالية بعد مواجهات عسكرية عنيفة دامت حوالي ربع قرن. كما تبرز من خلال موقف الحكومة العراقية في بغداد من قضية كركوك التي تتمسك حكومة كردستان برئاسة البارازاني بمبدأ تكريدها.
ما كان باستطاعة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يفتح ملف المفاوضات مع حزب العمال الكردستاني لو لم يتمكن من تغيير قواعد اللعبة في السياسة الداخلية لتركيا. فقد أمسك بخناق ما يعرف بحركة "أرجنكون" وهي حركة تضم مجموعات من السياسيين والعسكريين والصحافيين المتطرفين قومياً والذين يتمسكون بالمبادئ والشعارات القومية التي أطلقها مؤسِّس تركيا الحديثة مصطفى أتاتورك في عام 1923. وتطالب هذه الحركة بإخضاع الأكراد الى أنظمة وقوانين الدولة القومية التركية، وترفض أي تساهل أو مجرد الحوار معهم. وتصرّ على اعتبارهم عصاة ومتمردين يجب إخضاعهم بالقوة للقانون. وتضم الحركة عدداً من ضباط الجيش الذين بلغ بهم الغضب من سياسة الانفتاح على الأكراد حدّ محاولة القيام بحركة انقلابية. غير أن حكومة أردوغان تمكنت من كشف المحاولة وهي في مراحلها الأولى، واعتقلت الانقلابيين وأحالتهم الى القضاء حيث صدرت بحقهم أحكام الإدانة.
وعلى أساس هذه الأحكام أطلق الرئيس أردوغان العنان لحركة الانفتاح على الأكراد وبدأت المباحثات غير العلنية بين ممثلي الحكومة وممثلي حزب العمال الكردستاني الذي يترأسه مراد قره ايلان منذ اعتقال رئيسه المؤسِّس عبد الله أوجلان الذي يقضي عقوبة بالسجن المؤبد في إحدى الجزر التركية.
فالحركة القومية التركية التي تطالب بكبح جماح حركة التحرر الكردي وإخضاعها وجدت نفسها في صراع ليس مع الأكراد، إنما مع الحكومة التركية. غير أن الرئيس أردوغان (وحكومته ذات الخلفية الإسلامية) ينظر الى القضية من زاوية أخرى. فهو يرى أن العنف لم يحلّ المشكلة الكردية في تركيا. بل إنه أضاف صعوبة الى ملف طلب انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي.
ثم إن قيام الوضع الجديد في كردستان شمال العراق يطرح تحديات جديدة في وجه تركيا. فالمواجهة العسكرية تزداد تكاليفها البشرية والمادية نظراً لتوفر "مكان آمن" لمسلحي حزب العمال الكردستاني في كردستان لم يكن موجوداً من قبل. وعدم التفاهم بين تركيا وكردستان يلقي بثقله على مستقبل التركمان (المتحدرين من أصول تركية) في شمال العراق والذين يعيش معظمهم في منطقة كركوك المتنازع عليها.
ويبدو أن معادلة خطيرة بدأت تفرض نفسها في إطار الصراع التركي الكردي. وهي أن المزيد من القمع لأكراد تركيا يعني أو يمكن أن يؤدي الى مزيد من العنف الكردي ضد التركمان. فهل يكون العكس صحيحاً؟. أي هل تتحول المهادنة ومن ثم التوافق التركي الكردي الى معالجة قضية التركمان في شمال العراق بما يحفظ لهم حقوقهم ومصالحهم؟.
ليست السياسات الداخلية لتركيا هي وحدها التي تنعكس على موقفها الجديد من حزب العمال الكردستاني واستطراداً من كردستان. فالسياسات الداخلية للعراق تلعب دوراً أساسياً أيضاً في هذه الانعكاسات. فحكومة الرئيس العراقي نوري المالكي لم تحسم موقفها النهائي بعد من قضية قيام كردستان ككيان شبه مستقل عسكرياً (البشمركة) واقتصادياً (التفرد بعقد اتفاقات لاستثمار النفط مع شركات دولية ) وجغرافياً (الإصرار على السيطرة على مدينة كركوك وجوارها الغني بآبار النفط).
والصعوبات الداخلية التي يمرّ بها العراق في ضوء حركة انسحاب القوات العسكرية الأميركية، تلقي بثقلها على القرار السياسي العراقي من كردستان، وامتداداً من الانعكاسات المتوقعة للانفتاح التركي على حزب العمال الكردستاني. فالعراق بعد الانسحاب الأميركي يخشى على وحدته الوطنية أكثر من أي وقت مضى. وتفرّد كردستان بما هو أكثر من الحكم الذاتي ربما يعرض بقية أجزاء العراق الى مزيد من التمزق. والجراح المذهبية بين السنة والشيعة لم تندمل، بل لعل التفجيرات الوحشية التي وقعت أخيراً زادتها نزفاً. فكيف سيحافظ عراق ما بعد الخروج الأميركي على وحدته وعلى أمنه الداخليين، في ضوء المتغيرات المتسارعة على المسرح الكردي سواء في شمال العراق أو في جنوب تركيا؟.
من الواضح أن العلاقات العراقية التركية هي على أحسن ما تكون اقتصادياً. ذلك أن حجم التبادل التجاري بينهما بلغ في العام الماضي سبع مليارات دولار. ومن المتوقع أن يرتفع الى عشرين ملياراً في العام 2011. ولكن في الوقت ذاته فإن كردستان التي تستقل بنفطها، وهو استقلال تعارضه حكومة بغداد، تحتاج الى ممر لتسويق ثروتها من هذه المادة الاستراتيجية المهمة. ولا يوجد غير تركيا ممراً صالحاً تطمئن اليه الشركات الكبرى، خصوصاً بعد أن أصبحت تركيا الممر الجغرافي السياسي المعتمد لنفط وغاز دول القوقاز وحتى لنفط روسيا الى الدول الأوروبية.
من هنا يبدو واضحاً كيف تنعكس الأوضاع الداخلية في كل من العراق وتركيا على سياستيهما الخارجية. وكيف تتأثر قراراتهما الخارجية بالمعادلات الداخلية وبما تمر به من تفاعلات ومتغيرات.
لقد كان هناك دائماً تخوف من أن يشجع قيام كردستان في شمال العراق الحركات الكردية الأخرى في سوريا وإيران وتركيا للاقتداء بها؛ ومن ثم أن يؤدي الى سلخ المناطق الكردية عن أوطانها الحالية، وإعلان الدولة القومية الكردية الكبرى.
انعكست هذه التخوفات على السياسات الداخلية لهذه الدول، فمارست ضغوطاً على الحركات السياسية الكردية وفرضت عليها قيوداً مشددة. كما أن هذه الدول التي عقدت سلسلة من اللقاءات على مستويات عالية للتنسيق في ما بينها، استطاعت أن تشكل أجهزة رصد ومراقبة مشتركة لضبط الحركات القومية الكردية ذات التطلعات الانفصالية.
غير أن حزب العمال الكردستاني الذي كان يُتهم بأنه القوة المحركة لهذه التطلعات الانفصالية القومية أعاد النظر على ما يبدو في موقفه وأعلن أنه لا يدعو الأكراد الى الانفصال عن دولهم الوطنية، ولكنه يدعو فقط الى منح الأكراد حقوقهم كأقليات في هذه الدول؛ ومن هذه الحقوق حقهم في التعبير الحرّ والمشاركة السياسية، وكذلك حقهم في استخدام لغتهم الأم في التعليم والإعلام. وباختصار فإن الحزب يسقط مقولة الانفصال ويرفع مقولة الحقوق السياسية والثقافية.
وإذا اطمأنت الدول الأربع المعنية (العراق تركيا إيران سوريا) الى ذلك، فهل تعيد النظر في سياساتها الداخلية تجاه مواطنيها الأكراد؟.
لقد لعب التخوف من التوجه الانفصالي للحركات القومية التركية دوراً أساسياً في بلوة سياسات خارجية للدول الأربع ساعدها على تحقيق مزيد من التفاهم والتنسيق في العديد من القضايا ذات الطابع السياسي والأمني. فكيف سينعكس الاطمئنان إذا ما توفر بالفعل على التفاهم والتنسيق بين هذه الدول؟. وهل يؤدي الى تعزيز الحريات العامة والى ممارسة ديموقراطية أوسع؟.
لقد نجح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في نزع الصفة العسكرية عن النظام السياسي في بلاده. وما كان له أن ينفتح على المسألة الكردية بايجابية من دون هذا النجاح، وبذلك يكون قد أخرج النظام التركي من مرحلة الهيمنة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة وأدخلها في مرحلة اخرى تتسم بالتعايش مع التعدد القومي في ظل نظام ديموقراطي حرّ.
فكيف سيؤثر ذلك على قرارات الدول الأخرى في المنطقة ؟ وأي شرق أوسط جديد سوف يخرج من رحم المعاناة الكردية الطويلة؟.
الظاهرة الحوثية بين الاجتثاث والاستيعاب!
خيرالله خيرالله
كيف يمكن ان تنتهي الحرب السادسة بين الدولة اليمنية والحوثيين؟ الارجح ان الدولة اليمنية ستتمكن من اجتثاث هذه الظاهرة من جذورها نظراً الى ما تشكله من خطورة، ليس على اليمن فحسب بل على كل الجوار ايضا. متى نظرنا بتمعن الى المناطق القريبة من صعدة، يتبين ان اختيار هذه المنطقة اليمنية من اجل إثارة الغرائز المذهبية لم يكن عن طريق الصدفة. فالمطلوب بكل وضوح ان تنتشر الظاهرة الحوثية في مناطق أخرى تتجاوز الحدود اليمنية مستفيدة من القدرة على إثارة الحساسيات الطائفية والمذهبية لخلق حال من عدم الاستقرار في كل منطقة الخليج من دون اي استثناءات… في ظل الشعارات الايرانية المزايدة من نوع "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل". هذا الاحتمال المتمثل بالقضاء على الظاهرة لا يلغي احتمالاً آخر، لا شك انه أفضل منه من نواح عدّة. في هذه الحال، يمكن ان تتطور العمليات العسكرية في اتجاه استيعاب الظاهرة الحوثية جغرافياً ومنع تمددها كما حصل في الاشهر الستة الاخيرة. ولا شك ان عملية الاستيعاب هذه، التي تستهدف حقن الدماء وتفادي مزيد من الدمار، تحتاج الى تعاون كل القبائل اليمنية، على رأسها حاشد وبكيل، من أجل حماية الوحدة الوطنية والحؤول دون تفتّت الدولة وتحوّل المنطقة التي يسيطر عليها الحوثيون خطراً على الامن الخليجي.
ثمة من يراهن على ان القبائل اليمنية لا يمكن ان تتفق على مواجهة الحوثيين بسبب خلافات قديمة في ما بينها في تلك المنطقة من جهة، وبسبب اهمال الدولة التاريخي لمحافظتي صعدة وعمران من جهة أخرى. ربما كان ذلك صحيحاً، لكن التاريخ اليمني الحديث يظهر ان القبائل اليمنية، بمن فيها بكيل التي تشكل اكبر تجمع قبلي على الصعيد اليمني، فيما تتميز حاشد بتماسكها، قادرة دائما على تبيان الخيط الابيض من الخيط الاسود. الاهم من ذلك ان القبائل اليمنية، على الرغم من الاعتراضات والتحفظات التي لدى بعضها على مؤسسات الدولة اليمنية، تضع المصلحة الوطنية العليا فوق اي نوع من الخلافات مهما كانت عميقة ومتجذرة. حصل ذلك في مرحلة ما بعد الثورة منتصف الستينات وفي مرحلة ما بعد الوحدة، خصوصا إبان حرب الانفصال صيف العام 1994. يمكن للقبائل ان تكون لها مآخذ كثيرة على السلطة. معظم هذه المآخذ محقة، ولكن لا يمكن للقبائل ان تتجاهل ما هو على المحك حالياً ومدى خطورة استمرار الظاهرة الحوثية وانتشارها في اليمن وخارج اليمن.
بين اجتثاث الظاهرة الحوثية واستيعابها الذي يمكن ان ترافقه حملة من اجل معالجة المظالم التي يشكو منها اهل صعدة وجوارها، لا بدّ من التفكير ملياً في المستقبل، اي في العلاقة بين اليمن والجوار من منطلق ان الامن الخليجي واحد لا يتجزّأ. ان التفكير في المستقبل يعني بكل صراحة ان لا بدّ من مساعدة اليمن عربياً في عملية استيعاب الظاهرة الحوثية التي تشبه الى حد كبير ظاهرة الدويلة الايرانية داخل الدولة اللبنانية. يفترض في العرب امتلاك ما يكفي من الشجاعة لتسمية الاشياء بأسمائها. بكلام أوضح، لا يمكن فصل الظاهرة الحوثية عن الدور الايراني على الصعيد الاقليمي الذي تحدث عنه أخيراً، ولو بخجل، الامين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى. لا بدّ من شكر الامين العام للجامعة على إثارته الموضوع الايراني في مجمله ومسألة العلاقة العربيةـ الايرانية، لكن المطلوب الذهاب الى أبعد من ذلك بكثير. هناك حاجة الى كسر جدار الصمت العربي والقول لإيران ان تعميق الشرخ المذهبي في اي منطقة عربية لا يصبّ سوى في خدمة اسرائيل. من يرفع شعار "الموت لاسرائيل" ويريد لها الموت فعلا لا يدعم الامارة الاسلامية التي أقامتها "حماس" في غزة. من يريد بالفعل محاربة اسرائيل لا يدعم الاحزاب والميليشيات المذهبية في العراق ولبنان، ولا يحتل الجزر الاماراتية الثلاث، ولا يدعم الحوثيين في اليمن.
إن الطفل في اليمن وغير اليمن يعرف ان ليس في استطاعة اي طرف في هذا البلد الفقير، حيث السلاح بكل أنواعه منتشر بشكل واسع، خوضُ حرب استنزاف على الدولة ومؤسساتها من دون دعم خارجي سخي ومستمر. في النهاية ان المواجهة بين الحوثيين ومؤسسات الدولة اليمنية مستمرة منذ ما يزيد على خمس سنوات والهدف واضح كل الوضوح. انه يتمثل في تفكيك الدولة اليمنية وتفتيتها. لذلك كان الرئيس علي عبدالله صالح على حق عندما حذر قبل بضعة اسابيع من اي مساس بالوحدة اليمنية. الموضوع لم يعد موضوع العودة عن الوحدة اليمنية، اي موضوع شمال وجنوب. هناك خوف حقيقي من الصوملة في اليمن. من الافضل ان يتنبه العرب الى هذه الناحية الخطرة اليوم قبل غد. هناك اخطار تتجاوز اليمن وما يدور في اليمن وحدود اليمن. كلما جاء الحديث الصريح عنها باكراً، كلما كان ذلك أفضل. لا يستطيع العرب الهرب من الواقع طويلا، ليس في استطاعتهم حجب شمس الحقيقة بإصبع واحدة. يمكن ان تشكل اليمن نقطة انطلاق عربية للبحث في طبيعة الاخطار التي تهدد المنطقة. يستطيع العرب بكل بساطة المساعدة في استيعاب الظاهرة الحوثية من دون تجاهل الواقع الاجتماعي في صعدة والظلم الذي لحق بمواطني تلك المنطقة. أمن اليمن لا يمكن فصله عن أمن المنطقة او عن التحديات التي تواجه النظام الامني العربي عموما…هل من يريد استيعاب ذلك تمهيدا لاستيعاب الظاهرة الحوثية وخطورتها؟
"المستقبل"






