أثناء كتابة هذه السطور، يستعدون في اسرائيل للاتفاق المرتجى مع الادارة الاميركية في موضوع المستوطنات. نتنياهو لا يريد تسميته "تجميدا"، على الرغم من ان الجمود موجود على الأرض منذ زمن. يبحثون عن كلمة اخرى. المصطلح الرائد هو "انتظار". هل تذكرون فترة الانتظار في عام 1967 التي خرجنا من بعدها الى الأيام الستة، ومن هناك برزت مسألة "المناطق" ( اي أراضي الضفة الغربية التي احتلت عام 67) التي يريدون تجميدها الان؟ الكلمة نفسها بالضبط، ولكن بالعكس فقط. "الانتظار" الذي يجري الحديث عنه اليوم يفترض ان يفضي الى المفاوضات وليس الى الحرب. نتنياهو يحب "الانتظار" لانها تبدو كلمة بريئة ومؤقتة. ما الذي ينتظرونه؟ بادرات حسنة من العالم العربي. ستكون هناك بادرات حسنة، ستتواصل فترة الانتظار، التي هي في الواقع تجميد، حتى البادرة الحسنة التالية. واذا لم تحصل بادرات حسنة؟ عندها لن ننتظر اكثر. "اذا اعطوا اخذوا، واذا لم يعطوا لن يأخذوا" نموذج 2009.
مداولات السداسية السرية التي جرت في هذا الاسبوع ايضا، جرت في ظل الخضوع للاميركيين. هناك تجري نقاشات مثيرة للاهتمام. دان مريدور اكثرهم كلاما، وهو كان مع التجميد طبعا. ايهود باراك يعتبر الدماغ التحليلي لهذا المنتدى، ويكثر من تحليلاته الجيواستراتيجية اللامعة. يعلون يشعر بالمرارة بالاساس، ولديه سبب جيد لذلك. عندما زارنا مستشار الامن القومي الاميركي الجنرال جيمس جونز مؤخرا كان اللقاء الوحيد الذي رفض اجراؤه هو لقاؤه مع يعلون. بني بيغن لا يتحدث كثيرا، ولكن عندما يتحدث فان الامور التي يقولها مثيرة للاهتمام، وبحسب أحد المراقبين يُعتبر كلامه عاقلا. نتنياهو يدير الطاقم بطريقة غير سيئة، وحتى افيغدور ليبرمان الغائب بشكل عام بسبب التحقيقات او في الرحلات الخارجية، فإنه عندما يكون موجودا يتحدث بصورة موضوعية ويعبر عن آراء معتدلة ومثيرة للاهتمام اكثر من تلك التي يتفوه بها امام عدسات التصوير. ليبرمان قال هناك ايضا في هذا الاسبوع بان لا مفر وبانه لا يمكن التخاصم مع اميركا. الان يفترض ان يصل ميتشل الى هنا لانهاء المسألة مع نتنياهو وبعد رأس السنة اليهودية سيجري اللقاء التاريخي بين ابو مازن ونتنياهو برعاية اوباما في الجمعية العمومية في واشنطن.
كل هذا يفترض ان يؤدي الى تسوية معينة في العلاقات بين واشنطن والقدس. نتنياهو يسعى للحفاظ على كرامة اوباما وعدم تحريض اعضاء الكونغرس والسيناتورات ضده، ويتلمس طريقه نحو العلاقة الودية معه بحذر ولو بصورة رمزية. العلاقات بين الجانبين، التي وصلت حافة الانفجار قبل بضعة أسابيع تبدأ الآن في الانتعاش. ثمة مؤشرات أولية للتطبيع. اضافة الى المصادقة الاميركية على الاتفاق غير المكتوب بصدد الغموض النووي الاسرائيلي، اتُفق بين القدس وواشنطن ايضا على التعاون في قضية المشاريع النووية للاغراض السلمية. إضافة إلى ذلك وفر الاميركيون لرجال نتنياهو منظومة مشفرة لاجراء المحادثات عبر الفيديو بين البيت الابيض وديوان رئيس الحكومة، حتى لا تكون هناك حاجة لارهاق المبعوثين في كل مرة في رحلات عابرة للمحيط. اذا يوجد الآن منظومة، وثمة امكانية لاجراء محادثات فيديو. يتعين فقط الحرص بطريقة ما على ان تبدأ الاطراف بالاعجاب المتبادل. يبدو أن هذه مهمة اصعب بكثير. لانه في المحادثات الودية والمغلقة بصورة خاصة، تتردد في محيط نتنياهو تقديرات بأن اوباما لن ينتخب للرئاسة مرة اخرى، وانه آخذ في الضعف، كما ان رام عمانويل، فقد حصرية الاشراف على الملف الاسرائيلي وهناك الان الحان مختلفة تصدر عن الغرفة البيضاوية. او بكلمات اخرى: في وقت ما سيكون الوضع افضل. ما الذي سنفعله في الوقت الحالي؟ سننتظر ونرى. الانتظار ذكرناه سالفا.
اذا توجه نتنياهو فعلا باتجاه الخطوة السياسية التي تُنسج الان، فمن المتوقع ان يتعرض حزب كاديما لهزة. لفني ستضطر للوقوف امام كبار الحزب المرهقين في صحراء المعارضة والمتضورين جوعا الذين يحاولون دفعها إلى داخل الحكومة. لفني مصممة على البقاء في الخارج وبالامس حصلت على تعزيز مفاجئ من شاؤول موفاز الذي قال لرينو تسور عبر اذاعة الجيش الإسرائيلي بأنه لا سبب للدخول للحكومة الان. لفني ستقيس نتنياهو بحسب النوايا وليس الشعارات، بحسب الافعال وليس الاقوال. من جهة ثانية، اذا جمد نتنياهو المستوطنات وتوجه للمفاوضات فانه سيسرق منها اجندتها في وضح النهار، وبالتالي سينهار البديل الذي تطرحه. في هذه الأثناء الجميع في الانتظار.
تعتقد لفني أنه يجب عليها أن تبقى البديل، وان المعارضة هي جزء من الثقافة السلطوية وان عليها ان تتحلى بالصبر ان ارادت الوصول الى رئاسة الحكومة بأسرع وقت ممكن. في المقابل يبدو ايهود باراك، اكثر وعيا. هو يعرف انه إذا لم تحدث اعجوبة، فلن يكون بامكانه ان ينتصر في الانتخابات. لذلك هو يستعد للمعجزة من جهة. وهذه الامور شهدناها في السابق. ايران، الحرب، الجندي رقم 1 الى آخره. ومن الجهة الثانية، ثمة خطة مثيرة للاهتمام بدأت تُنسج في محيطه. باراك هو رجل الاتحادات، رجل الاطر الكبيرة. هكذا شكل ائتلاف "اسرائيل واحدة". وبهذه الطريقة خطط للاتحاد مع اولمرت وكاديما والان يفكر بالاتحاد مع نتنياهو. هذا الامر سابق لآوانه، مبهما وغريبا ولكنه يحلق في الاجواء هناك. اذا ذهب نتنياهو وباراك معا في خطوة مقابل السوريين (باراك يضغط نتنياهو يتردد لكن الامور تحدث)، باسناد اميركي، فان باراك لن يستبعد السير المشترك في ما يشبه "الحزب الاعلى" او الارتباط بين الحزبين. من شأن الليكود أن يفقد جزءا من جناحه اليميني، وباراك سيفقد المتمردين، وائتلاف نتنياهو باراك سيضيء سماء السياسة بفرقعة جديدة. صحيح ان هذا الامر يبدو الان مثيرا للضحك كثيرا، ولكن اقامة كاديما بدت ذات مرة مضحكة جدا.
("معاريف" ملحق السبت 4 / 9 / 2009)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"






