الرئيس المكلف يرى أنه قدم تنازلات كبيرة وطلب أسماء لم يصله منها إلا جبران باسيل
بيروت: ثائر عباس
لم تحظَ «التشكيلة الأولية» التي رفعها رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بـ«نظرة» واحدة من المعارضة التي رفضتها بالشكل قبل الدخول في مضمونها والاطلاع على تفاصيلها رغم كل «التنازلات» التي قدمها الرئيس المكلف إليها، والتي استثارت ردود فعل سلبية من بعض حلفائه.
ورغم أن الموقف الأول للمعارضة كان برفض التشكيلة انطلاقا من مبدأ عدم استشارتها في الأسماء والحقائب قبل إعداد التشكيلة، فإن رئيس الحكومة المكلف لا يزال معتصما بالصمت في انتظار «جواب من رئيس الجمهورية حول هذه التشكيلة» قبل أن يقرر خطوته التالية التي قد يكون «الاعتذار» عن تأليف الحكومة أحد احتمالاتها، كما قال مصدر رفيع في الأكثرية لـ«الشرق الأوسط» أمس. ونقل المصدر عن الحريري أنه «دستوريا ينتظر ملاحظات الرئيس لا المعارضة»، مشيرا إلى أن «التنحي خيار مفتوح أمام أي رئيس مكلف إذا تبين له أن الهدف الحقيقي هو عرقلة تشكيل الحكومة،كما هو ظاهر حتى الآن، وبالتالي تأخذ العملية الدستورية مجراها».
واستغرب المصدر عدم قبول المعارضة، وخصوصا تكتل «التغيير والإصلاح» الذي يرأسه العماد ميشال عون، بالتشكيلة رغم أنها أعطت التكتل وزارات مهمة جدا، بينها الأشغال وهي وزارة تَقاتل السياسيون عليها لما تقدمه من خدمات، بالإضافة إلى وزارة العمل التي تُعتبر من أهم الوزارات، ووزارة التربية، مشيرا إلى أن عدم مناقشة المضمون نابع من عدم القدرة على الاعتراض على ما تم تقديمه.
ونفى المصدر أن يكون الحريري قد «تفرد» في اتخاذ القرارات، مشيرا إلى أن الجميع قدموا أسماء ما عدا عون، وخلال الـ70 يوما التي استغرقها الحريري في مشاوراته طُلب من عون 70 مرة أسماء الوزراء الذين يرغب في دخولهم الحكومة، فلم يسمع إلا اسم جبران باسيل.
وكانت مصادر لبنانية قد أشارت إلى أن الحريري «يفكر جديا» في احتمال التنحي إذا ما استمر رفض تشكيلته، متوقعة أن يتم في هذه الحال إجراء استشارات نيابية جديدة لاختيار رئيس جديد للحكومة. غير أن مصدرا بارزا في المعارضة قال لـ«الشرق الأوسط» إن اعتذار الحريري سوف يقابَل بإعادة تسميته مرة جديدة، مشيرة إلى أنه «لن يكون قادرا على فرض أسماء استفزازية في ضوء موازين القوى الجديدة داخل البرلمان»، في إشارة منها إلى المواقف الأخيرة للنائب وليد جنبلاط.
أما رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان فقالت مصادر قريبة منه لـ«الشرق الأوسط» إنه سيجري مشاورات مع الأطراف المعنية، وإنه لا يزال ملتزما عدم توقيع أي تشكيلة حكومية لا تضمن الوفاق الوطني. ونقل زوار الرئيس عنه أنه يتحفظ عن إبداء أي رأي في الوقت الراهن ولن يفصح عما يحضره في ما خص التشكيلة الحكومية التي قدمها له الحريري، مؤكدا أنه لن يوقع أي تشكيلة تسبب الانقسام ولن يكون طرفا».
وكان رئيس الجمهورية قد التقى أمس وفد المعارضة الذي ضم وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل والنائب علي حسن خليل والمعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل، فأبلغوه «موقف المعارضة الرافض لما حصل البارحة شكلا ومضمونا». وقال باسيل: «عدا عن أنه يشكل سابقة لم نشهدها، أي أن عملية التأليف تتم بالاتفاق بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، هو أن يطرح بهذا الشكل وكأنه يأخذ البلد إلى مزيد من التأزيم، في وقت أبدينا نحن كمعارضة ولا نزال كل الإيجابيات اللازمة لتسهيل الأمور وتمتين الوحدة الوطنية». وأضاف: «نحن نعتبر أن ما حصل أمر غير لائق، لا بديمقراطيتنا ولا بأسلوب التعامل معنا. نحن كنا نطلب من الرئيس المكلف تقديم صيغة مقابلة لمطالبنا كي يحصل النقاش في شأنها. ولكن عليه أن لا يرمي في وجه الجميع حالة يشعر فيها الإنسان بأن فيها نوعا من التأزيم للأمور». وأكد أن المعارضة أبدت «كل الاستعداد للاستمرار في النقاش والحوار بما تقتضيه مصلحة البلد في ما يؤمّن الوحدة الوطنية كي نستطيع إيجاد حل للأزمة القائمة».
ونفى عضو تكتل «لبنان أولا» النائب عقاب صقر أن يكون الحريري قد استعجل في تقديم تشكيلته الحكومية إلى رئيس الجمهورية، معتبرا أنه «استنزف كل الوقت والجهود المضنية وعشرات الاجتماعات مع كل الأطراف السياسية». وأشار إلى أن «الرئيس المكلف أعطى قوى (8 آذار) حقائب سيادية وخدماتية مهمة، وتخلى عن حقائب شكلت مادة سجال داخل قوى 14 آذار»، وأضاف: «الكتائب والقوات تنازلتا بالعدد والحقائب، والرئيس المكلف تنازل عن جزء من حصته، وأعطيت الاتصالات للوزير غازي العريضي الذي تعتبره قوى (8 آذار) من أقرب المقربين إليها…». وأكد صقر أن «الرئيس المكلف اختار بين الأسماء المقدمة من يرتاح إليه ويجده مناسبا لحكومة متضامنة»، ولفت إلى أن «الأسماء ليست منزَّلة، وإذا كان هناك من نية للحل فلا مشكلة في استبدال بعض الأسماء». وشدد على أنه إذا لم يوقع رئيس الجمهورية مرسوم التشكيل، فالرئيس المكلف لن يعيد مشاوراته، لأن «من جرب المجرب كان عقله مخرّبا». وأشار إلى أن عدم إعادة المشاورات «يعني حكما أن اعتذار الحريري عن تشكيل الحكومة يصبح بحكم الوارد»، موضحا أن الحريري «لا ينتظر معجزات لأن تلبية كل شروط المعارضة أمر مستحيل».
وفيما أعلنت «القوات اللبنانية» أنها ستدرس التشكيلة، أكد رئيس حزب «الكتائب» أمين الجميل أن التشكيلة الحكومية المسربة إلى الصحف ليست تلك التي اتفق عليها مع رئيس الحكومة المكلف إن من ناحية أسماء أو حقائب «الكتائب»، مشيرا إلى أنه سيجري اتصالات مع رئيس الجمهورية والحريري لإعلامهما برفضه إياها. وأبدى تأييده للمبادرة التي اتخذها الحريري بتقديم اقتراح لتشكيل الحكومة المنتظرة إلى رئيس الجمهورية، ورأى أن رئيس الحكومة المكلف قام على مدى أسابيع بالاتصالات اللازمة و«آن الأوان ليستخلص العبر ويقدم اقتراح الحكومة».
وأبدى النائب أحمد فتفت استغرابه لـ«رد فعل المعارضة الشرس إزاء التشكيلة الحكومية ولما قدمه الرئيس المكلف في هذه التشكيلة وخصوصا لجهة الوزارات الخدماتية التي تعود جميعها تقريبا إلى فريق سياسي واحد»، متحدثا عن «رفض سياسي وتعطيلي مستمر».
وأوضح أن «الاحتمالات المطروحة تتم بالتشاور بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف»، معلنا أن «الحريري هو الوحيد الذي يتمتع الآن بتأييد سياسي وشعبي لرئاسة الحكومة»، سائلا: «إلى أين يريدوننا أن نذهب؟». ولفت إلى أنه «إذا كان هناك استشارات جديدة سنعود إلى الانطلاق من نقطة الصفر لأن ما حصل في السابق لا يمكن الاعتماد عليه»، آملا أن يُكرَّس في النهاية الحس الوطني لدى كل الأفرقاء ليقرروا التعاون فعليا مع الرئيس المكلف الذي أثبت أنه يقوم ليس فقط بمسؤوليته الدستورية إنما أيضا الوطنية».
وأبدت كتلة «المستقبل النيابية» ارتياحها للخطوة التي قام بها الحريري، خصوصا لما تتضمنه من تأكيد للوحدة الوطنية «من خلال حكومة ائتلاف وطني انطلاقا من صيغة 15 ـ 10 ـ 5، ومن خلال تطبيق مبدأ المداورة بين الوزارات، واستنادا إلى أهمية تأكيد احترام نتائج الانتخابات النيابية». واعتبرت أن «نجاح هذه الخطوة الدستورية وصولا إلى تأليف الحكومة العتيدة، يسهم في الخروج من حال المراوحة الراهنة، ويعطي أملا جديدا للبنانيين في دخول مرحلة يتمكنون خلالها من مجابهة التحديات الخارجية المتمثلة بتهديدات العدو الإسرائيلي وتعنته المستمر، وكذلك مواجهة التحديات الداخلية المتمثلة في الأوضاع الحياتية والمعيشية للناس، كل الناس، وتسيير أمور الدولة».
ودعا رئيس حكومة تصريف الأعمال فؤاد السنيورة إلى عدم النظر إلى الجانب السلبي من الأمور، ورأى أن ما قام به الرئيس المكلف أتى ضمن صلاحياته الكاملة. فيما دعا الرئيس السابق للحكومة نجيب ميقاتي إلى التعاطي مع خطوة الرئيس المكلف «وفقا للقواعد الدستورية ومناقشتها سياسيا، وعدم تجاوز المبادئ الميثاقية التي ارتضاها اللبنانيون وكرسوها في اتفاق الطائف، لا سيما وأنه، في المحصلة، فإن التوافق بين القيادات السياسية محتوم، لأن ما يجمع بينها من قواسم مشتركة أكبر بكثير مما يباعد بينها». أما وزير الاقتصاد محمد الصفدي فقد اعتبر أن رئيس الحكومة المكلف «حسنا فعل بتقديم تشكيلته إلى الرئيس العماد ميشال سليمان وفقا لصلاحياته الدستورية معتمدا ما يعتبره الأصلح للحفاظ على ثوابت الوحدة الوطنية وإطلاق عجلة الدولة، على أن يتحمل كل واحد مسؤولياته». ورأى عضو كتلة «حزب الله» النائب حسين الموسوي أن «هذا التشكيل الحكومي فيه الكثير من التسرع والخطأ بما لا يتناسب مع وضع بلد يحتاج إلى مزيد من الحكمة والتعاون والصبر في حوارنا معا». ورأى أن رئيس الجمهورية لن يوقع مرسوم تشكيلة كهذه «لأنه يصرح أنه لن يوقع شيئا يوصل إلى خلاف ونزاع بين اللبنانيين».






