(المستقبل -)
عندما تكون هناك محاولات لربط الإسلام بمنظومات فكرية غربية تطرأ على الذهن مجموعة من التساؤلات المنهجية في سياق نقد وتقييم تلك المحاولات. ويأتي على رأس هذه التساؤلات: ما مدى صحة أو خطأ ربط الإسلام، كدين، بمنظومات فكرية عالمية كالاشتراكية والليبرالية؟ وما حدود الفصل والوصل التي تربط، أو تفصل، ما بين "صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان" وعمليات التوفيق والموائمة المستمرة بينه وبين مثل هذه العقائد الأيديولوجية؟ ألم يكن الإسلام في مرحلة ما اشتراكيا محضا وهاهو الآن قد أصبح ليبراليا؟ وإذا أقررنا بخطأ المقاربة الأولى والتي وائمت، عن سبق إصرار وترصدٍ، بينه وبين الاشتراكية فما هي الضمانُة الحقيقيُّة التي تحول دون تكرار نفس الخطأ بالنسبة إلى المقاربات الحالية؟
ألا يكمنُ الإشكال أصلا في طبيعة المنهج الذي تتبعه تلك المقاربات؟ أليس من الأجدى والحالة هذه- أن نبحث في المشترك العام دون أن نلوي عنق النصوص والأحداث كي ما يتواءم الإسلام مع أفكار ومنظومات قد تكون في حقيقتها بعيدة كل البعد عن جوهره، وبحيث تبدو الموائمة كما لو كانت جمعا بين متناقضين؟
في الواقع إنّ عجلة التساؤلات السابقة لن تكف بدورها عن الدوران لذا نرى من المناسب أن نحددَ الطابع العام الذي يغلبُ على هذه المقاربات، بغض النظر عن طبيعة الطرف الآخر: الاشتراكية، الليبرالية، الحداثة، العلمانية…إلخ، خاصة وأنّ إبراز الطابع العام هذا يكشفُ عن الخلل المنهجيّ الذي يسودُ أغلب المقاربات المنشرة في هذا السياق. وفي كل الأحوال، يمكن القول إن ثمة اتجاهات ثلاثة متمايزة تتبلور عن أية مناقشات تحاول ربط الإسلام بمنظومة فكرية ما، ألا وهي:
الاتجاه الأول: ينظر للمنظومة الفكرية موضع المُقاربة، الحداثة وما بعدها في حالتنا هذه، نظرةً نقدية لاستكشاف القيم الإيجابية التي تتضمنها، دون إغفال الجوانب السلبية أيضا.
الاتجاه الثاني: يحاول التوفيق والموائمة ما بين الإسلام وموضوع المُقاربة الذي يُنظَرُ إليه نظرة متوازنة، مع تفضيل للنموذج الإسلامي "الشورى بدلا من الديمقراطية على سبيل المثال".
الاتجاه الثالث: وعادة ما يتبناه الإسلامويون، يرفضُ موضوعَ المقاربة رفضا تاما، ويُرجعُ أسبابَ الفشل على المستويات كلها إلى الابتعاد عن تطبيق النموذج الإسلامي.
وبمناسبة الحديث عن "السياق" الذي تتم فيه هذه المقاربات، أعتقد أنه يتعين علينا أن نأخذ بالاعتبار حقيقة أنه في الوقت الذي انغمسَ فيه المفكرون العرب والمسلمون في النقاش التقليدي حول الحداثة وموقف الإسلام منها؛ إذا بالدوائر الفكرية الغربية تفاجئهم بصياغة تيار فكريّ جديد أطلق عليه "ما بعد الحداثة"، والذي شن هجوما حادا وعنيفا على قيم الحداثة الغربية ومفاهيمها، بل وبلغ من الجرأة بمكان حدود القول: إن مشروع الحداثة قد سقط نهائيا بعد أن أخفق تماما في تحقيق منظومة القيم التي بشر بها!!
ففي ضوء ذلك وجد المفكرون المسلمون أنفسهم في مأزق حقيقيٍّ، حتى أن بعضهم ذهب إلى القول بأن "ما بعد الحداثة" ليس إلا مشكلة تخص الغرب وحده وأنه لا علاقة لنا بها!!، فيما أكد فريق آخر أنه من الضرورة بمكان تحليل الأفكار والمضامين الرئيسة لما بعد الحداثة، خاصة وأنه سرعان ما تتحول الأفكار الفلسفية المجردة في الغرب إلى سياسات عملية تؤثر على علاقاته الخارجية.
نصل الآن إلى بحث إشكالية المفهوم أو المصطلح بغية رفع الخلط الذي يقع في هذا السياق، وفي كل سياق حقيقة!!، فعلى سبيل المثال هناكَ خلط شائع ما بين كل من: الحداثة Modernity والتحديث Modernization رغم أن الأخير يقصد به عمليات نقل مجتمع تقليدي ما إلى مرحلة المجتمع المدني الحديث. كما أن هناك مصطلحا آخر عادة ما يتم نقله من بيئته الخاصة "الأدب" إلى فضاءات أخرى من دون الأخذ بالاعتبار السياق الفكري والتاريخي الذي ظهر فيه هذا المصطلح، ألا وهو: Modernism حيث المقصود به أساسا الحركات الطليعية في الفن والأدب كالسريالية عند بيكاسو على سبيل المثال، ويقع في مقابلها ما يسمى بمرحلة "ما بعد الحركات الطليعية Post-Modernism" تماما كالحداثة وما بعد الحداثة.
وأخيرا، يروى عن أحد الشيوخ الجزائريين الذي قيل لهم: إن القوات الفرنسية إنما جاءت لنشر الحضارة الغربية في ربوع الجزائر، أنه ما كان منه إلا أن تساءل في تهكم واضح: ولم أحضروا كل هذا البارود إذن؟! حيث لاحظ حجم العلاقة الجدلية التي تربط ما بين الحداثة الغربية والإمبريالية منذ البداية.. وتلك قضية أخرى.
() أكاديمي وباحث مصري.






