كثف القادة السعوديون في السنوات الأخيرة خططهم ورسائلهم بشأن الطاقة النووية السلمية. وأعلنت المملكة العربية السعودية أنها تفضل العمل مع واشنطن نظراً إلى التفوق التكنولوجي للصناعة النووية الأميركية، لكنها أيضاً منفتحة على التعاون مع الصين وروسيا وكوريا الجنوبية وأي قوة أخرى مستعدة لدعم تطلعاتها النووية وقادرة على القيام بذلك. وتشكل هذه المسألة أولوية لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الحريص على متابعتها لدعم مشروعه الوطني الأوسع لإعادة الإعمار “رؤية 2030”.
قيل الكثير عن السبب الذي يجعل الطاقة النووية المدنية أولوية متزايدة للمملكة العربية السعودية، ولماذا تبرز مخاوف دولية من دوافع السعودية، ولماذا يعد مسار التعاون النووي الأميركي- السعودي شائكاً؟
باختصار، يبدي السعوديون اهتماماً بالطاقة النووية المدنية لأنها قادرة على زيادة صادراتهم من الوقود الأحفوري والاقتصاد في المتطلبات الواسعة لتحلية المياه. وبصفتها طرفاً في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تتمتع المملكة بالحق في الانخراط في التجارة النووية السلمية.
لكن المشكلة، التي تنطبق على أي دولة أخرى تسعى إلى تطوير برنامج نووي أو سبق أن طورته، تكمن في أن تخصيب اليورانيوم أو فصل البلوتونيوم عن الوقود النووي المستهلك يمكن استخدامه لإنتاج وقود للمفاعلات النووية المدنية وصنع مواد أساسية للأسلحة النووية.
ولهذا السبب، وضعت الولايات المتحدة شروطاً للتعاون في مجال الطاقة النووية، بما في ذلك قبول السعودية بضمانات دولية على برنامجها النووي المحتمل. في المقابل، رفضت المملكة العربية السعودية مثل هذه الشروط، بحجة أنها تتمتع بحق سيادي في استغلال رواسب اليورانيوم في مجالي الطاقة والتصدير. وطلبت واشنطن من الرياض النظر في صفقة شبيهة بتلك التي توسطت فيها مع الإمارات العربية المتحدة عام 2009، وضمنت التعاون الأميركي مقابل حظر التخصيب وإعادة معالجة الوقود. ومع ذلك، أصر السعوديون على تطوير برنامج نووي محلي.
في إطار هذا الجدل السياسي، جرى القليل من النقاش حول المتطلبات العملية لبرنامج نووي سعودي آمن ومضمون. وبغض النظر عن المسار الذي يسلكه السعوديون، سواء عبر واشنطن أو بكين أو موسكو أو سيول، يبقى القاسم المشترك لجميع المساعي النووية السعودية، التي لن تكون سهلة من الناحية الدبلوماسية، هو أساس متين لا يمنع التسليح فحسب، بل أيضاً الحوادث التي قد تتحول إلى كوارث على مستوى المنطقة.
ولتبديد بعض المخاوف الدولية في شأن طموحاتها الدولية، وخلق صورة أكثر شمولاً وصدقية لنفسها كقوة نووية مسؤولة، على السعودية التفكير في اعتماد بعض التدابير الهامة للغاية في مجال السلامة والأمن النوويين. ويمكن أن توفر الفعالية في الداخل أيضاً للمملكة فرصة للعب دور قيادي دبلوماسي على المستوى الإقليمي قد يؤثر بشكل إيجابي على مسار البرنامج النووي الإيراني.
واستناداً إلى خبرة طويلة الأمد في مراقبة الأسلحة والحد من الانتشار النووي في الشرق الأوسط، نوصي بالاستثمار في المجالات الأربعة التالية:
أولاً، سلامة والأمن: يمكن السعودية التعاون مع شركاء دوليين في تبنى أفضل الممارسات والإرشادات وتطويرها، بما فيها الحواجز المادية وأفراد الأمن، فضلاً عن إجراءات السلامة.
ثانياً، الاستجابة للطوارئ: يمكن للمملكة العربية السعودية أن تقود / تضع خططًا للاستجابة لحالات الطوارئ النووية. وقد يشمل ذلك تدريب المستجيبين الأوائل، وتطوير خطط الإخلاء، وتخزين الإمدادات.
ثالثاً، التقنيات: يمكن للمملكة العربية السعودية زيادة الاستثمار في البحث والتطوير لتقنيات نووية جديدة مثل المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMR) من خلال العمل مع الدول الإقليمية المهتمة بتقنيات كهذه، وربما الشراكة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتطوير أنظمة ضمان SMRs.
رابعاً، يمكن السعودية أن تطور برامج للتعليم والتدريب الإقليمي لزيادة الوعي بالطاقة النووية وفوائدها ومخاطرها المحتملة. يمكن أن يشمل ذلك إنشاء مناهج للمدارس والجامعات وتوفير تدريب المسؤولين الحكوميين والمتخصصين في القطاع.
وحتى في السيناريوهات المثلى المتمثلة في اتفاق السعودية والولايات المتحدة على العمل معاً في مجال الطاقة النووية المدنية وبقاء المارد النووي الإيراني في الزجاجة، فإن قضايا السلامة والأمن النوويين ستكون دائماً ذات أهمية قصوى. ويجب وضع استراتيجيات لهذه القضايا وتطويرها تقنياً وقانونياً وإجرائياً قبل إنشاء أي برنامج نووي جديد.
فقد أظهر زلزال 2011 وكارثة مفاعل فوكوشيما دايتشي في اليابان أن ألزلازل يمكن ان تعطل أنظمة تبريد المقالات وتتسبب بانهيارات وتلوث نووي. ولأن الشرق الأوسط يفتقر إلى مياه التبريد ولديه نشاط زلزالي، فإن أي حادث في محطة للطاقة النووية يمكن أن يؤدي إلى تلوث عبر الحدود. وهنا تكمن أهمية، الاستعداد للطوارئ والاستجابة لها، كما ذكرنا أعلاه.
بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية، يُظهر الإرهاب الإشعاعي وعمليات التخريب والهجمات التقليدية مدى خطورة المشروع النووي المدني في الشرق الأوسط. لكن هذه النهضة النووية في المنطقة آتية، وليس الامر إلا مسألة وقت. وتتمتع السعودية بفرصة حقيقية للقيادة الدبلوماسية في هذا المجال ليس فقط لمصلحتها الخاصة ولكن أيضاً للمنطقة كلها.
“النهار العربي”

























