تماماً مثل البعد الخارجي للازمة اللبنانية، حيث المواجهة المفتوحة مع الخارج هي عنوان سلوك الفريق المعارض، هناك بعد خارجي ايضاً للازمة الايرانية، حيث المواجهة ذاتها هي التي تحدد مسار العملية السياسية. فالذين كانوا يأملون بأن تنتهي الانتخابات الرئاسية في ايران بهزيمة التيار المحافظ الذي مثّله الرئيس محمود احمدي نجاد، لمجرد أن اصوات الناخبين شاءت ذلك، كانوا واهمين. الأمر ذاته حصل في لبنان، حيث لم تنفع اصوات الناخبين، التي لم يُتح التلاعب بها كما حصل في ايران، في التعبير عن نفسها من خلال العمل السياسي، وبالتالي في تشكيل الحكومة الجديدة.
جاء الرد بالامس بصورة غير مباشرة من المرشد علي خامنئي، بأنه لم يكن مسموحاً لممثلي الفريق المعارض «المتهم» بأنه فريق اصلاحي، ان يفوزوا. وحذر خامنئي من أي محاولة لتحويل ايران الى «جمهورية اسلامية مزيفة طبيعتها علمانية ولكن بمظهر اسلامي»، معيداً الى الذاكرة ما حصل في ظل حكم الرئيس محمد خاتمي بين عامي 1997 و2005.
في مناخ كهذا، كيف كان يمكن مرشحي الاعتدال أن يفوزوا، بل كيف كان سيسمح لهم بذلك، بينما تحتدم المواجهة بين ايران والغرب حول ملفها النووي، هذا الملف العالق منذ اكثر من سبع سنوات؟ وكيف كان يمكن تنظيم عملية انتخابية سليمة من الشوائب، بينما تتقدم المواجهة مع الغرب على اهتمام النظام الايراني بصورته الديموقراطية، خصوصاً ان الانطباع الذي اشاعه أركان هذا النظام ان اي هزيمة للمحافظين تصب في خانة المكاسب الغربية على حساب حقوق «الامة الايرانية»؟
حدد خامنئي سقف التنازل بضرورة الحزم في الدفاع عن حقوق ايران في المجال النووي، لأن التخلي عن هذه الحقوق يعني «انهيار النظام»، كما قال: «سنسلك طريق الانهيار اذا اظهرنا ضعفنا امام المستكبرين وتراجعنا بدلاً من مقاومتهم». قبل ذلك كان احمدي نجاد قد اعتبر ان باب النقاش قد «أُغلق» مع الغرب في الموضوع النووي، لكنه عرض على الرئيس باراك اوباما اللقاء «في اي وقت وفي اي مكان» للبحث في القضايا العالمية. العرض ذاته ورد في المقترحات التي قدمها وزير الخارجية منوشهر متقي الى ممثلي الدول الغربية في طهران، عرض بالحوار والتفاوض في سبيل توفير الارضية الصالحة لسلام دائم. وتعميم للنقاش ليشمل القضايا المختلفة ذات الطبيعة الامنية والسياسية والاقتصادية والثقافية! وهو عرض من النوع نفسه الذي سبق ان سمعه الغربيون في رسالة وجهتها ايران في آب (اغسطس) من العام الماضي، والتي لم تتضمن اي رد محدد على المطالبة بوقف تخصيب اليورانيوم. خلاصة ما سمعه الغرب هذه المرة لخصته الناطقة باسم خافيير سولانا بالقول: لم ترد ايران في مقترحاتها الاخيرة على الاسئلة المتعلقة ببرنامجها النووي.
امام سعي الغرب ليبعد عنه «كأس» المواجهة التي باتت اكثر حتمية مع ايران، يبدو أن هناك سعياً ايرانياً الى هذه المنازلة بأي ثمن. في المناخ الايراني الحالي، منازلة من هذا النوع تقوي ذراع النظام وتدفع معارضيه الداخليين الى الصمت والخجل. هنا يتصل الداخل بالخارج مرة اخرى. فتهديد خامنئي بالرد القاسي ضد من «يرفع السيف» في وجه النظام موجه في الوقت ذاته الى مير حسين موسوي ومهدي كروبي، مثلما هو موجه الى اوباما ومركل وساركوزي. لقد باتت الورقة النووية السلاح الذي يسمح للنظام الايراني بالتغطية على عوراته الداخلية، ولا بأس في ذلك اذا كان الثمن المنتظر لهذا الموقف مزيداً من العقوبات. فرهان طهران هنا يبقى، كما كان في السابق، على الروس والصينيين، وعلى عدد لا بأس به من الشركات الغربية التي لا ترى ما يمنعها من الالتفاف على نظام العقوبات اذا كان ذلك في مصلحتها.
ماذا يبقى امام هذا الوضع من يد باراك اوباما «الممدودة» الى طهران؟ وهل في العاصمة الايرانية اصلاً من يعير الاهتمام لهذه اليد؟
"الحياة"




















