عام 1940 تولى ونستون تشرشل رئاسة وزراء بريطانيا العظمى، واشرف على المجهود الحربي في وجه المانيا النازية. كما عمل وجهد لادخال الولايات المتحدة طرفا في الحرب الى جانب الحلفاء.
خلال الحرب العالمية الثانية كانت هناك شكاوى من ونستون تشرشل على أساس انه مستأثر بالقرارات الحيوية، وانه على مقدار من العناد وعدم الانفتاح على منافسيه وأقرانه.
وعقب هذه الحرب وانتصار الحلفاء، وعلى رغم دور تشرشل في ادارتها وتحفيز الحلفاء وخصوصا الولايات المتحدة التي دخلت الحرب ضد المانيا واليابان بقوة بعد مهاجمة اليابانيين مرفأ بيرل هاربر في هاواي في كانون الاول 1941، وتدمير عدد كبير من السفن الحربية الاميركية، خسر تشرشل الانتخابات وحقق حزب العمال الذي كان يرئسه كليمنت آتلي النصر وغاب تشرشل عن شاشة السياسة البريطانية حتى اوائل الخمسينات.
أما في لبنان، فتوزير جبران باسيل وتكليفه شؤون وزارة الاتصالات يبدوان كأنهما مشكلة وطنية قومية على رغم الادعاءات ان هذا الموضوع ثانوي، سواء من "التيار الوطني الحر" او من ممثلي "حزب الله" في البرلمان اللبناني وقادة الحزب.
لا شك في ان جبران باسيل يحظى، في نظر الجنرال ميشال عون، بتقدير يفوق أي تقدير حظي به تشرشل. ذلك ان استثناء جبران باسيل من التشكيلة الوزارية يعني ان التمثيل المسيحي مفقود بمفهوم الجنرال وذلك دونما نظر الى نتائج الانتخابات وشكوى الناس من خدمات الهاتف الخليوي التي باتت الاسوأ في المنطقة والاعلى كلفة. ولا عجب في موقف الجنرال، فهو يعتبر ان جبران باسيل يتمتع بأروع صورة لشخصية سياسية
في لبنان منذ وفاة الامير فخر الدين.
من أجل هذه الشخصية العظيمة القدر والتقدير عند الجنرال ميشال عون يجوز ايقاف مسيرة استعادة طبيعة الحياة السياسية في لبنان، فما دام هذا الرجل خارج موقع المسؤولية، فلبنان ومستقبله مهددان.
في المقابل، لننظر الى تركيا، البلد المرشح لاحتلال موقع رئيسي في الجيوسياسية العالمية. تركيا تحتل المركز الثاني عشر على لائحة الدول الاعلى دخلاً قوميا في العالم. وعدد سكانها وطاقاتها الانتاجية والسياسية تبيّن انها ستكون من الدول العشر الاكثر اهمية في العالم خلال عشر سنين. وهذا الرأي عبّر عنه كتاب حديث عنوانه "المئة سنة المقبلة" لمؤلفه الاميركي جورج فريدمان الذي يعتبر ان تركيا ستكون واحداً من أهم خمسة بلدان في القرن الحادي والعشرين من حيث التأثير السياسي والاقتصادي.
يحكم تركيا حزب حاز نسبة 55 في المئة من أصوات الناخبين. وثمة فارق واضح بين استهدافات حزب "العدالة والتنمية الحاكم" والمعارضة التي يلتف حولها 45 في المئة من الاتراك الذين يشاركون في الانتخابات النيابية.
وعلى رغم التقارب في الوضع الشعبي الذي عبّرت عنه الانتخابات بين الحزب الحاكم والمعارضة، بادرت الحكومة التركية الى اتخاذ مبادرات مهمة على صعيد علاقات تركيا مع جيرانها، واخصها سوريا، ومع المشاكل العالقة منذ 90 سنة مع الشعب الارمني، فوقعت اتفاقاً مع جمهورية أرمينيا سيمهد لعلاقات ديبلوماسية طبيعية بينهما.
وجدير بالذكر في هذا المجال ان اتفاق تركيا وجمهورية ارمينيا يؤدي الى تسوية أوضاع منطقة ناغورني – كاراباخ التي شهدت حربا شعواء بين أرمينيا واذربيجان عام 1992 ارتكب خلالها الارمن مجازر حقيقية في حق الشعب الاذري المسلم.
وبعد الاتفاق التركي – الارمني بدأت تظهر معالم تسهيل اتفاقات تتيح مد خطوط نفط من اذربيجان مرتبطة بشبكة خطوط النفط الروسية الى تركيا التي ستصير محوراً أساسياً لتسليمات الغاز والنفط الروسي الى البلدان الاوروبية، وحتى الى بلدان الشرق الاوسط مثل سوريا ولبنان.
ومن المعلوم ان روسيا توفّر مساعدات اقتصادية جمة لارمينيا، إن عبر تسليمات الغاز والنفط باسعار مخفوضة، أو عبر مدفوعات الترانزيت المقترحة لنقل الغاز والنفط الروسيين الى تركيا ومن ثم الى دول اوروبية عدة من اهمها اليونان. والروس يدركون مدى الفقر المدقع في منطقة ناغورني – كاراباخ، وهم على استعداد للمساعدة في تحسين أوضاع تلك المنطقة. كما ان هناك مليون مواطن أرمني على الاقل يعملون في روسيا ويعولون عائلاتهم في الوطن الأم. فالارمن في روسيا كاللبنانيين في الخليج مع فوارق الاكتساب بين المنطقتين.
ان الحزب الحاكم في تركيا، واكثريته لا تتجاوز نسب الاكثرية في لبنان، بل تقل عنها، يستطيع اتخاذ القرارات الاستراتيجية في شأن مستقبل البلد والنمو والاقتصاد والامن الوطني، في حين ان الاكثرية في لبنان تعاني ممارسات "الفيتو" التي لا تستند الى قاعدة أو الى منطق سوى استجابة رغبات الجنرال ميشال عون مهما تكن هذه الرغبات متمادية. وعسى ان نتذكر منطلقات حرب التحرير التي تركت على لبنان واللبنانيين بصمات مفجعة.
الاكثرية في تركيا لها ان تقولب المستقبل الاقتصادي للبلد، وان تؤمن الاستقرار للاستثمار، لكن هذا الامر غير مسموح به في لبنان الا…
لبنان، والاقتصاد اللبناني، وموقع لبنان في العالم أمور تحتاج الى توجه واضح وتحفيز للاستثمار وتخطيط لتجاوز اعناق الاختناق في مجالات الكهرباء، والاتصالات، والمواصلات، والبيئة، وبرامج التربية.
ان التشكيلة الحكومية التي اقترحها رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري اخذت في الاعتبار حاجات لبنان في المقام الاول.
لم يسع الرئيس المكلف الى تشذيب موقع ممثلي "التيار الوطني الحر"، فعهد الى هؤلاء في وزارة التربية في شخص هو من خيرة النواب اللبنانيين، اضافة الى وزارتي الاشغال والعمل. واقترح تسمية سيدة متميزة من تيار المردة لتكون وزيرة دولة، وهي من دون شك ستُسمع صوتها الواضح والجريء في أي موقع وزاري تتولاه.
أهم جناح في المعارضة، أي "حزب الله"، حظي بتوزير الدكتور محمد فنيش الذي أظهر قدرة كبيرة على تفهم أوضاع الكهرباء والمياه في السابق. اما الوزير الثاني المقترح للحزب، الدكتور حسين الحاج حسن، فيتمتع بمستوى علمي عالٍ، وكان اول مسؤول حزبي يزور بريطانيا، وأولاده في مدرسة اميركية.
لاشك في ان أي تشكيلة وزارية، في أي بلد يتمتع بمقدار من الديموقراطية، وهذا اقصى ما نستطيع ادعاءه في لبنان، يمكن ان تكون أفضل بزيادة أو استبدال وزير أو وزيرين، لكن استرهان مستقبل لبنان بتوزير جبران باسيل امر غير مبرر، وكل من يتمسك بهذا الموقف لا يهمه مستقبل البلد، وليس من العيب ان يجد جبران باسيل نفسه في الموقف ذاته الذي وجد نفسه فيه ونستون تشرشل بعدما ربح الحرب العالمية الثانية مع حلفائه ومن ثم خسر الانتخابات.
"النهار"




















