المستقبل –
ربما كان ماكيافيلي: المفكر السياسي الإيطالي الشهير، أفضل من نظّر للبراغماتية في السياسة والحكم، وإن لم يكن أول من قال بذلك من مفكري السياسة والدولة. ومقتضى نظريته التي تعمّمت ودانت بها الدول الحديثة في الغرب منذ ثلاثة قرون ـ أن المعيار الذي به تقاس السياسة وتُحاكم، إنما هو المنفعة… والمنفعة حصراً، أي جملة ما يمكن أن ينجم عن الفعل السياسي من مصالح، بقطع النظر عن طبيعية ما نتوسّل به من وسائل لتحصيل تلك المصالح. ويُستفاد من ذلك أن القيمة في السياسة لا تُطلب لذاتها، بل لما يترتب عنها كائنة ما كانت الطريقة المسلوكة من قِبَل أهل السياسة وهل تراعي اعتبارات الأخلاق أم لا. وهي نظرة باتت تختصرها مقولة: "الغاية تبرّر الوسيلة"!
نجحت هذه النظرة في فكّ عرى الارتباط والتعالق بين السياسة والأخلاق، حيث باتت السياسة ـ بمقتضاها ـ "متحررة" من ضوابط وقيود القيم: فعلاً حيوانياً افتراسياً في رأي معارضيها. وفعلاً اجتماعياً عقلانياً ذا أخلاقية ذاتية خاصة في رأي المدافعين عنها. والأهم من ذلك أنها أحرزت نجاحاً هائلاً على صعيد تحقيق الفُشّو والهيمنة، والصيرورة عقيدة عليا للسياسة وللدولة في المجتمعات الحديثة والمعاصرة. ومع أن منبت هذه النظرة كان مجتمعاً من مجتمعات أوروبا الجنوبية الكاثوليكية (المتأخرة): هو إيطاليا، فمن غريب المصادفات أن يصبح مرتعها الأخصب هو المجتمعات البروتستانتية في الشمال الأوروبي المتقدم وفي المجتمع الأميركي الجديد!
البراغماتية هي ـ إذاً ـ أخلاق السياسة التي لا أخلاق لها أو هكذا صارت في سياسات الدول الحديثة منذ الثورة الصناعية حتى اليوم. ولقد كانت لهيمنتها في العصر الحديث آثار مدمّرة على صعيد العلاقات الإنسانية: داخل المجتمع الواحد، ثم بين المجتمعات. ونملك أن نمثّل لتلك الآثار المدمّرة بمثالين: العنف والاستغلال.
سوّغت الأخلاق البراغماتية لشرعية التوسّل بالعنف المادي لتحقيق المنافع والمصالح. لا يتعلق الأمر ـ هنا ـ بما يسميه ماكس فيبر "العنف الشرعي": أي يتعلق بمختلف أنواع العنف التي يتماهى معناها مع العدوان! وإذا كان القمع السياسي والأمني للحقوق والحريات التجلّي الأول والمباشر لذلك العنف فإن الحروب هي أعلى أشكال تجلّيه على الإطلاق. لقد أبيدت عشرات الملايين من البشر في الحروب الحديثة المستعرّة بين الدول الكبرى، أو بين هذه وشعوب المستعمرات، سعياً وراء تحقيق مصالح مادية؛ ولم يقف أحد من هؤلاء الذين صنعوا قرارات الحرب، أو سهروا على تنفيذها، ليسأل نفسه عن المبدأ الذي يبرّر له هذا الموت الجماعي خارج "مبدأ" المصلحة! فالمصلحة ـ في هذه العقيدة ـ غاية تشرعن كل وسيلة مهما انحطّت وسفل أمرها.
وكما سوّغت هذه الأخلاق للاعتداء على حرية الإنسان، بل وعلى حقّه في الحياة، سوّغت للاعتداء على حقوقه وكرامته من خلال تبريرها لاستغلاله الرأسمالي. كان منطق هذه الأخلاق هو الربح، فوجدت فيها الرأسمالية ـ لذلك السبب ـ الإيديولوجية المطابقة لمنزعها، والفكرة العليا المعبّرة عن حركتها! لقد كانت الماركسية ـ وعلى الرغم من منزعها الطوباوي المثالي في تصوّر المجتمع الشيوعي البديل ـ صادقة في بناء موقف نقدي خلاّق (وإنسانوي) (Hummaniste) من الأخلاقية الرأسمالية المتوحشة: الأخلاقية التي برّرت لشرعية استغلال الرأسمال لقوة العمل، والاستحواذ على القيمة الزائدة وفائض الإنتاج. وهو موقف حاول ردّ الاعتبار الى جهد الإنسان ـ ممثلاً في العمل ـ الذي صادره المنزع الوحشي الى الربح من قِبَل مالكي الرأسمال، وذلك من خلال الدفاع عن الاشتراكية بوصفها شكلاً جديداً متقدماً لفكرة العدالة الاجتماعية، أي محاولة حديثة لتحقيق نظام التوزيع العادل للثروة وإلغاء التمايز والتراتب الطبقي، أو التفاوت والفجوة بين الطبقات في حيازة الثروة.
ومثل القوى الإنتاجية البشرية، كانت قوى الإنتاج الطبيعية (الأرض والطبيعة والبيئة) عرضة للاستغلال الرأسمالي الوحشي تحت عنوان براغماتي جديد: الصناعة والتقدم عبر السيطرة المطلقة على الطبيعة ومواردها، وتكييفها بحيث تستجيب للحاجات المادية المتجددة للإنسان. ولقد كان الخطاب البيئوي المعاصر أفضل نقد حادّ للسلوك الرأسمالي الوحشي المتشبع بالفكرة البراغماتية. إذ لم يتوقف عن التشنيع على الوحشية الرأسمالية التي يجري بها استغلال الأرض والطبيعة ومواردها، ويجري بها تدمير البيئة وشروط الحياة، محتسباً ذلك في عداد نظرتها الأخلاقية البراغماتية التي تبرّر التوسل بكل الأساليب ـ حتى أحطّها ـ للبلوغ الى الهدف: تحقيق المصلحة!




















