نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا قالت فيه إن الرئيس الأمريكي جو بايدن يقوم بمبادرته الكبرى في الشرق الأوسط: معاهدة سعودية- إسرائيلية.
وفي التقرير الذي أعدته فليتشيا شوارتز من واشنطن، وجيمس شوتر من القدس، وسامر الأطرش من دبي، قالوا فيه إنه بعد أشهر من الدبلوماسية المكوكية بين واشنطن والرياض، بدأ يظهر شكل خطة إدارة بايدن القوية للتطبيع بين إسرائيل والسعودية، وبالتالي إعادة تشكيل الجيوسياسة بالمنطقة ومعها العقبات.
وقال بايدن في نهاية تموز/ يوليو: “هناك تقارب جارٍ”، وكان ذلك تحولا لافتا في نبرة الرئيس الذي قلل قبل أسابيع من فرص تحقيق اختراق دبلوماسي. فالشروط معقدة، لأن السعودية ستقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، على أمل أن تجرّ معها دولا إسلامية، مقابل حصول الرياض على الدعم العسكري الأمريكي، ومساعدة في بناء مفاعل نووي للأغراض السلمية. وتريد المملكة من إسرائيل تقديم تنازلات للفلسطينيين وتحقيق حلمهم بالدولة. وبعد ذلك، ستقيم القوتان الإقليميتان علاقات ثنائية أمنية تكتيكية.
وبالنسبة لبايدن، سيمثل الاتفاق انتصارا في السياسة الخارجية، في وقت يكثف من حملات إعادة انتخابه في 2024. وسترضي الصفقة الطموحات الإستراتيجية للولايات المتحدة وهي تحاول متابعة أولوياتها الأخرى.
وبناء سلام دائم بين إسرائيل والدول العربية الجارة فكرة طالما لاحقت الرؤساء الأمريكيين لأكثر من نصف قرن، ولكنها أصبحت واحدة من البصمات الدبلوماسية والإنجاز في السياسة الخارجية لأسلاف بايدن. فجيمي كارتر، توصل إلى اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وبيل كلينتون، توصل إلى اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وذلك منحهما جائزة نوبل للسلام، مع أن أيا منهما لم يحل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني المستعصي.
وتم التلويح باتفاقيات إبراهيم التي رعتها إدارة دونالد ترامب بين إسرائيل من جهة، والإمارات والبحرين والسودان والمغرب من جهة أخرى، كإنجاز دبلوماسي حتى من نقّاده. إلا أن بايدن كان مترددا لإنفاق الكثير من الرأسمال السياسي في المنطقة، والعقبات لصفقة واضحة.
ويعلق جوناثان بانيكوف، مدير مبادرة سكوكروف للأمن في الشرق الأوسط بالمجلس الأطلنطي: “شرق أوسط متكامل ومنسجم وسلمي هو جيد للولايات المتحدة التي تريد أن تنفق وقتها ومالها وجهودها في مكان آخر على المدى البعيد، الصين. وعلى المدى القصير، مواجهة روسيا ودعم أوكرانيا”.
وتظل المطالب السعودية صعبة للولايات المتحدة كي تتفاوض معها، وتحتاج إلى موافقة الكونغرس الشكاك. كما أن إسرائيل لن تكون راغبة بتقديم تنازلات للفلسطينيين، والتي قد تطلبها السعودية. ونظرا لقرب موعد الانتخابات الأمريكية، فقد ترى الأطراف الثلاثة أن نافذة تحقيق صفقة ستغلق في غضون ستة أو تسعة أشهر، بحسب أشخاص على معرفة بالنقاشات.
فلطالما اشترطت السعودية دولة فلسطينية مقابل صفقة مع إسرائيل، أو كما حددت في مبادرة السلام العربية عام 2002، والتي تعرض الاعتراف بإسرائيل مقابل انسحابها من الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكرر وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان الموقف هذا العام، ولكنه اعترف أن التطبيع مع إسرائيل سينفع المنطقة.
إلا أن تقدما تحقق بعد زيارة في حزيران/ يونيو للمملكة، لكل من مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان، ووزير الخارجية أنطوني بلينكن. وفي لقاء مع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ألمح بلينكن إلى أن الولايات المتحدة منفتحة على موضوع المشروع النووي السلمي، ومطالب المملكة الأمنية، بحسب مسؤول أمريكي.
واتصل بلينكن بالهاتف بعد فترة قصيرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وتكهن مسؤول إسرائيلي أن زيادة التواصل مع الرياض، هي رد على نجاح الصين في التوسط إلى صفقة بين السعودية وإيران. وقال المسؤول الإسرائيلي: “لا أعتقد أن السعوديين سيجبرون على الاختيار بين الولايات المتحدة والصين.. أعتقد أنه لا فرصة بحصولهم على معاهدة دفاعية، بدون أن تعبّر عن موقف واضح على الجانب الأمريكي”.
إلا أن الجزء السعودي- الأمريكي من الصفقة بحاجة لتجاوز التفاصيل الشائكة، وكذا عدوانية الكونغرس تجاه الرياض بعد مقتل جمال خاشقجي في 2018، وقرار المملكة الأخير خفض معدلات إنتاج النفط.
وتعاونت السعودية مع الولايات المتحدة في المجال النووي لعدة سنوات، بل وقّعت مذكرة تفاهم حول الموضوع عام 2008، إلا أن التقدم توقف خلال فترة دونالد ترامب، رغم الدفء الذي طبع العلاقة بين الرياض وواشنطن. وسيكون مطلب السعودية تخصيب اليورانيوم داخل المملكة أمرا صعبا لكي توافق عليه الولايات المتحدة التي لا تريد أن تمتلك الرياض تكنولوجيا تخصيب أو معالجة يمكن أن تساعد على إنتاج القنبلة النووية. وتريد من الرياض التوقيع على بروتوكولات إضافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بشكل يمنحها سلطة رقابة على عمل السعودية النووي.
ويقول إريك برور، نائب رئيس مبادرة التهديد النووي، إن السعودية والولايات المتحدة يمكن أن تتفقا على تحديد مدى زمني للتخصيب وعمليات المعالجة، وبناء آلية قرار مشتركة، أو التوقيع على اتفاقية بشأن الشفافية، في حالة قررت السعودية مواصلة جهد نووي حساس. لكن مطالب السعودية في معاهدة أمنية من الصعب على الولايات المتحدة الموافقة عليها، خاصة الدفاع عن المملكة في حالة تعرضها لهجوم. وهذا المطلب من غير المحتمل أن يوافق عليه البيت الأبيض أو الكونغرس، مع أن بعض المسؤولين السابقين يقولون إن واشنطن قد تقدم جزرا للرياض.
كما أن الولايات المتحدة ملتزمة بالحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل في المنطقة، وهي قضية يجب أخذها بعين الاعتبار. وقال جوناثان لورد، مدير برنامج أمن الشرق الأوسط في معهد الأمن الأمريكي الجديد: “يمكنك بناء كل أنواع الأحكام ودمجها في تشريعات، والتي يمكن أن تقدم مساعدة أمنية متقدمة، وتزويد كل الأشكال التي يمكن من خلالها للأمريكيين والسعوديين والإسرائيليين التوافق، ويمكن تسويقها بطريقة يتم فيها الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل”.
وفي الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل، وعدت الأخيرة بعدم ضم الضفة الغربية. أما إدارة ترامب، فقد وعدت بتزويد أبو ظبي بمقاتلات إف-35. إلا أن المحادثات بين الولايات المتحدة والإمارات بشأن الصفقة توقفت، حيث خافت واشنطن من تسرب المعلومات الحساسة عن الطائرات، وإحباط أبو ظبي من القيود التي وضعت على استخدام المقاتلات، بحسب أشخاص على معرفة بالأمر.
وأي صفقة كبرى بين الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل، تعتمد على طبيعة التنازلات التي ستقدم أكثر مما وعدت به اتفاقيات إبراهيم.
وقال لورد: “جزء من عامل إكس، ليس في واشنطن ولكنه في القدس. ومن غير الواضح ماذا وإن كان هناك شيء ستطالب به الرياض من الإسرائيليين فيما يتعلق بالنزاع الفلسطيني”.
ويقول أشخاص على معرفة بالتفكير السعودي، إن المملكة تعتقد بضرورة تقديم القيادة الفلسطينية -وهي ليست جزءا من المفاوضات- موقفا أكثر مرونة مع إسرائيل، بشكل يسمح للولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات للفلسطينيين.
ولا يتوقع دبلوماسيون تقديم نتنياهو تنازلات بشأن القدس، خاصة بعد اعتراف ترامب بها كعاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها. وربما تطلب واشنطن من إسرائيل تجميد التوسع الاستيطاني أو تبادل أراضٍ، إلا أن المتطرفين الذين يشاركون في حكومة نتنياهو والراغبين بضم دائم للضفة الغربية لن يوافقوا.
وقللت إسرائيل من فرص تجميد الاستيطان، ولا ترى إمكانية حدوث تنازلات مناطقية.
“القدس العربي”


























