تكتسب الأفكار قيمتها من جدتها، وأصالتها، كما قدرتها على أن تشتبك مع الأسئلة التي يمكن أن تنشأ عنها، أو حتى تتأسس منها، فالأفكار تعيد تشكيل الأنا: الذات والمجتمع كونها تتوجه إلى العقل الذي يعيد إنتاجها، وتطبيقها، لكن قبل ذلك تبرز مشكلة استيعابها، والوفاء لمنطقها، ومع ذلك فإن الأفكار غالباً ما تعاند من يسعى إليها، وفي بعض الأحيان يعاني الباحث على مستوى توليدها كونها تحتاج إلى ثقافة، وتجربة، والأهم أنها تخضع عند توليدها لمعيارية الجودة، بمعنى مقدار ما تنطوي الأفكار على قيم حقيقية أو تعبر عنها.
تطرأ الأفكار أو تطرق الذهن نتيجة موقف ما، أو قراءة، أو تجربة، وفي بعض الأحيان نتيجة رغبة في تعديل موقف أو سلوك، وهي أيضاً وثيقة الصلة بالفعل النقدي بصورة عامة، إذ تعدّ الأفكار جزءاً من الذات، كما تكتسب قيمتها أحياناً من عمق الموضوع، وفي بعض الأحيان تكتسب قيمتها من الذات المنتجة لها. ومع ذلك فثمة أفكار لا تستحق التنبه إليها كونها لا تحمل قيمة حقيقية أو شيئاً جديداً، على الرغم من أن صاحبها أو منتجها يمتلك رصيداً أو تقديراً مشهوداً له، لكن لا لأصالة أفكاره أو جودتها، بل نتيجة سياقات أسهمت فيها حيثيات تتعلق بموقعه، أو رتبته، أو موقعه من السلطة، وغير ذلك، فأفكاره ـ حقيقة – قد تكون منذ نشأتها لا تنطوي على أي قيمة حقيقية، غير أن فاعلية الشهرة ـ الرتبة العلمية ـ وغير ذلك… ستبقي دائماً على قيمة يمكن أن ننعتها بالقيمة الوهمية، في حين أن الأفكار الحقيقية التي تصدر عن وعي بالمعنى العالم، وتندرج تحت إشكالياته ربما تتحقق أو تندثر، كما أيضاً منتجو هذه الأفكار، فمشكلة التفكير تقترب، مما أشار إليه نيتشه من أن عظمة المرء تكمن في إدراكه لمحدوديته، هذا الإدراك هو القادر على تحقيق أفكار حقيقية، ومؤثّرة.
غالباً ما تُناط القيمة ببعض الشخصيات التي لم تقدم ما هو جديد على مستوى الأفكار، لكنها تحصّلت على تلك القيمة نتيجة اتساقها مع النموذج السلطوي، أو نتيجة مواقف واتجاهات تنسجم مع الإطار السائد، أو حسب تبدّل القيم والاتجاهات، ولهذا فإن الأفكار لا تتجسد من مخاض التجربة، إنما هي ترتهن لوقائع المحيط، ذلك أنها لم تتولد من قلق المعرفة، أو حاجة الواقع.. إنما نتجت في سياق الاستثمار، أو الترويج لمقولة الزيف، ولعل مناقشات المثقف والسلطة لا يمكن أن تشكل إضافة كونها باتت شبه مستهلكة، لكن تكمن المشكلة في معنى الأفكار ومصدرها، وقنوات استثمارها، ففي غمرة انتشار الأفكار التي تتأطر في صياغات وظيفية أو بروز أفكار ضعيفة أو هشة، فإن منشأ ذلك يعود إلى نماذج من التراجع الحضاري، الذي لا يمكن أن نتجاوزه.
تطرأ الأفكار أو تطرق الذهن نتيجة موقف ما، أو قراءة، أو تجربة، وفي بعض الأحيان نتيجة رغبة في تعديل موقف أو سلوك، وهي أيضاً وثيقة الصلة بالفعل النقدي بصورة عامة، إذ تعدّ الأفكار جزءاً من الذات، كما تكتسب قيمتها أحياناً من عمق الموضوع، وفي بعض الأحيان تكتسب قيمتها من الذات المنتجة لها.
وهذا يشكل أحد عوائق التطور. فالقيمة المعرفية الحقيقية ينبغي أن تؤدي إلى استثمار معرفي ينعكس على البنى لأي أمة، وفي حالة توفر أفكار حقيقية يمكن أن يؤدي ذلك إلى إنتاجية واضحة يمكن أن تشكل نوعاً من التقدم والازدهار، ولهذا سنجد أن تجارب النهضة لأمة أو بلد، ونعني على مستوى تحقيق نوع من النمو كانت نتيجة أفكار عميقة، أو نتيجة تطبيق أفكار قيادية حقيقية، لا وهمية، فالأفكار حين تخلو من المحتوى أو القيمة – حسب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط – فإنها تغدو فارغة، كما الحدس الذي لا ينهض على مفاهيم فإنه سيغدو مصاباً بالعمى.
تكمن بعض إشكاليات الإدارة – في بعض الدول النامية – على مستوى الأفكار عند اتصالها بالنموذج المعرفي، إنما بمحاصصات فئوية، أو بداعي قيم الولاء، ولهذا فإن تمكين هذه النخب يجب أن تسبقه عملية تسويق للذات التي – ربما- تفتقر لبناء معرفي أو ذهني، ولأن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في أفكاره، فإن من واجب المؤسسة أو السلطة أن تروج لقيمة أفكار (س) أو (ص) بوصفها قيمة معرفية، بل يمكن أن تتسرب هذه الأفكار للمناهج، وأن تصبح جزءاً من تاريخ الأمة بوصفها نتاجاً معرفياً، لكن قيمتها الحقيقية ستبقى فارغة، وهذا ما يشبه الجري في المكان عينه، بمعنى أن حاصل التقدم سوف يبقى لا شيء.
يمكن النظر إلى نتاج العملية النهضوية العربية عبر محاولة بناء كيانات بعد مرحلة الاستقلال، من خلال تشييد هذا النموذج الوهمي، ذلك أن النظم الخطابية بطابعها الذي تنتج عنه ممارسة لم يكن سوى تكريس لضعف الأفكار، ولهذا فإن هذه الأفكار غالباً ما تضل الطريق، لقد قادت أفكار وهمية أمماً كثيرة، وصاغت تاريخها بما في ذلك حاضرها ومستقبلها، وفي بعض الأحيان تدفع الشعوب أخطاء بعض الأفكار التي نتجت عن تلك الذوات، التي اعتقدت أنها قادرة على التفكير، وأن أفكارها ذات معنى، فهذه الأفكار لا تنتمي إلى مفكرين – إنما إلى ذوات حازت معرفة السلطة، لا سلطة المعرفة، ولهذا لم تكن أفكارهم وأفكار من يواليهم سوى نتاج مؤدلج أو وظيفي لا معرفي.
من أهم الإشكاليات التي تعوق عملية النمو والازدهار، ذلك الاختلاط القائم بين القيم المعرفية التي ينبغي أن تتأسس عليها الأفكار، وقوة القرار، فقيمة بعض الأفكار تتحدد حين تترجم إلى قرار، لكن في معظم الأحوال فإن الأفكار المشوهة تنتج عن قرار لا يمتلك مرجعية الفكرة القائمة على معرفة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الصيغ التجريبية، أو الهوى الشخصي لمركز القرار، ويمكن أن يستمر هذا القرار نتيجة فكرة خاطئة لزمن طويل، ما يؤدي إلى نتائج كارثية، ولا يمكن لأحد أن يلغي القرار، ما دامت الفكرة قد نتجت عن سلطة تعتقد أنها مخولة لإنتاج الأفكار.
في تاريخنا الحديث على الأقل نماذج كثيرة من الأفكار التي شوهت الإنسان، وتسببت بكوارث مأساوية لا يمكن محوها، فكيف يمكن تقبّل أن كلا من الأفكار الفاشية والنازية والصهيونية، كما مقولات العنصرية البيضاء ليست سوى نتاج تشوهات فكرية نتجت عن ذوات اعتقدت وجاهة أفكارها، ومن ذلك يمكن تقبل دولة تقوم على نموذج ديني تحظى باعتراف عالمي… ما يناقض القيم الحقيقية للعلمانية الغربية، التي ما زالت تتبنى الفكرة الصهيونية، وتدعمها، فلا جرم أن يحتاج العالم إلى زمن طويل كي يتجنب الكوارث التي نتجت عن هذه الأفكار، وفي العالم الثالث ما زالت ممارسة شكل التفكير جزءاً من منظومة لا يمكن تجاوزها؛ لأنها باتت أقرب إلى تقليد، وفي محاولة تعديل المسار فإن نفي المفكر والفكرة، وتلاشيهما سيكون مصير أي محاولة.
كاتب فلسطيني أردني
“القدس العربي”


























