نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالاً للزميل في مركز أبحاث الدراسات الدولية بمؤسسة القرن سام هيلر، تحت عنوان “مكاسب التطبيع مع سوريا”، قال فيه إن بشار الأسد هو شخصية شنيعة، إلا أن عزل العرب له أدى إلى ضرر، أكثر من النفع.
وأشار إلى عودة الأسد “المنتصرة” في القمة العربية، التي انعقدت في جدة، في أيار/ مايو، وبعد عزلة 12 عاماً.
واستقبله عند وصوله ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وصافح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقال في كلمته إن “ماضي وحاضر ومستقبل سوريا هو عربي”.
وكان ظهور الأسد في جدة تعبيراً عن تعافٍ دراماتيكي له ولنظامه، فعلى مدى عقد كان رأس النظام السوري على تناقض مع معظم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث كان في مواجهة مع تمرد محلي. وفي بداية 2018، بدأت عدة دول عربية باستئناف العلاقات، ثم تدخلت السعودية، في 2023، ودمجت سوريا بشكل كامل في المنطقة. وبعد شهرين من الدبلوماسية النشطة، نجحت الرياض، وتم الترحيب بالأسد في مجتمع الدول العربية.
الصحيفة: في ديسمبر 2021، هاجم سفير السعودية بالأمم المتحدة النظام السوري لإعلانه انتصاره: أي انتصار هذا، لزعيم على أجساد شعبه ومواطنيه.
وأدى استئناف العلاقات مع الأسد لغضب في الغرب، حيث قال المسؤولون والمحللون إن إعادة تأهيل الأسد غير منصفة وتهدد حياة السوريين والمنطقة بشكل عام.
وكتب إميل الحكيم، مدير الأمن الإقليمي في معهد الدراسات الدولية والإستراتيجية، أن “تأهيل الأسد لن يسرع إلا التوجهات الخطيرة في المنطقة”. وتكهّنَ الحكيم بأن يؤدي تأهيل الأسد لتقوية نظامه في الداخل، ويؤثر على حياة اللاجئين في الخارج.
وقال الكاتب إن الغضب مفهوم، فقد مارس الأسد كل الأفعال الشنيعة لكي يظل في السلطة، فعندما احتجّ السوريون، وبشكل سلمي في الغالب، عام 2011، حيث ردت قوات الأسد بأقسى أنواع العنف. ثم شن حملة عسكرية وحشية، لا تميّز، لهزيمة الثورة المسلحة، بل واستخدم الأسلحة الكيماوية ضد الشعب.
ويقول هيلر إن عملية التطبيع العربي هي التحرك الصحيح، فاستئناف العلاقات مع دمشق قد يبدو بغيضاً، إلا أن مقاطعة المنطقة لم تفعل الكثير لكي توقف الأسد عن جعل حياة الناس أفضل لشعبه الذي يعاني. ومن خلال إعادة العلاقات، فإن الدول العربية، تستطيع التواصل مع دمشق في الموضوعات المهمة، منها ضرب الدول العربية لمهرّبي المخدرات الذين أغرقوا المنطقة بمادة الأمفيتامين، ويمكنها التأكد من عدم وقوع سوريا تحت الهيمنة الإيرانية الكاملة. والأهم من كل هذا؛ يمكن للدول العربية العمل مع دمشق من أجل تحسين حياة السوريين، وفتح المجال أمام وصول المساعدات، والتأكد من أن السوريين ليس لديهم أي خيار بالرحيل.
ولن تقوم الولايات المتحدة بإعادة العلاقات مع نظام الأسد، أو حتى المصادقة على عمليات التطبيع العربي، لكن عليها ألا تقف عقبة أمام شركائها العرب للتعاون مع الأسد.
وعوضاً عن هذا، يجب على واشنطن، وحلفائها الغربيين، العمل مع هذه الدول التي تحاول منع سوريا من أن تكون عامل هدم خطير للمنطقة وللسوريين.
ويشير الكاتب إلى أن الجامعة العربية قررت، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية، بعد رفض الأسد وقف العنف وفتح المجال أمام حوار مع المعارضة. وقال رئيس الوزراء القطري، في حينه الشيخ حمد بن جاسم: “سوريا بلد عزيز علينا”، و”نأمل بخطوة شجاعة من سوريا لوقف العنف، والبدء بحوار حقيقي والتقدم نحو إصلاح حقيقي”. ولم يحدث هذا، فقد صعّد الأسد القمع ضد المتظاهرين، الذين تحولت حركتهم للتمرد المسلح، وسيطر المتمردون على معظم البلد، وأدت “الحرب الأهلية” التي أعقبت المظاهرات إلى مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين.
إلا أن الأسد نجا، وبمساعدة من روسيا، استطاع أخيراً هزيمة أعدائه. ولا تزال “الحرب الأهلية” مستمرة، ولكنها في مناطق على الهامش، لا تزال خارج سيطرة دمشق.
الصحيفة: يبدو أن الدول العربية حصلت على تعهدات من أجل التعاون في مجال التهريب… والتطبيع العربي ترك أثره على السوريين العاديين.
وفي الأشهر التي أعقبت “انتصارات” الأسد، بدأت البحرين والأردن والإمارات العربية المتحدة، والتي دعمت في البداية المعارضة ضده، بإعادة العلاقات. فقد فتح الأردن، المعبر الحدودي مع سوريا. وفتحت الإمارات والبحرين سفارتيهما في دمشق. ولكن الدول لم تفعل الكثير من أجل تحسين العلاقات، حيث خافت من إدارة ترامب، التي عارضت تطبيع العلاقات مع النظام، وبعد وصول جو بايدن للحكم، في 2021، بدأت هذه الدول تواصلها. وذكرت صحيفة أن ملك الأردن، عبد الله بن الحسين، حملَ معه خطة لإعادة التواصل مع الأسد، أثناء زيارة له إلى واشنطن، في تموز/ يوليو 2021. والتقى المسؤولون البارزون من الأردن وسوريا، في ذلك العام، ثم اتصل الملك عبد الله في تشرين الأول/ أكتوبر مع الأسد. ورفع الإماراتيون من مستوى علاقاتهم مع نظام الأسد، وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2021 زار وزير الخارجية دمشق، ثم استقبلت أبو ظبي رئيس النظام السوري، في آذار/مارس في العام التالي. وفي البداية، ظلت السعودية مترددة في التواصل مع سوريا، ورغم وجود علاقات محدودة، إلا أنها لم تذهب بعيداً مثل جيرانها.
وفي كانون الأول/ ديسمبر 2021، هاجم سفير السعودية بالأمم المتحدة، عبد الله المعلمي، النظام السوري، لإعلانه انتصاره: “أي انتصار هذا، لزعيم على أجساد شعبه ومواطنيه”.
ثم في شباط/ فبراير 2023، تعرض شمال سوريا إلى هزة أرضية قوية خلفت دماراً، وأكثر من 6.000 قتيل. وبدأت الدول العربية بإرسال المساعدات، وخاصة السعودية، التي عملت بالتوازي على إحياء العلاقات مع الأسد. وفي نهاية شباط/فبراير، أعلن وزير الخارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان أن “الوضع الراهن ليس مستداماً”، عندما يتعلق الأمر بسوريا.
وفي آذار/مارس، وافقت السعودية وسوريا على استئناف الخدمات القنصلية، والعلاقات الدبلوماسية بشكل كامل.
في 1 أيار/ مايو، قادت السعودية جهوداً لاجتماع سعودي- أردني- عراقي- سوري حضره وزراء خارجيتها في عمان ووقّعوا على خطوات أمنية واقتصادية وسياسية لحل النزاع السوري، وبعد ستة أيام صوّتت الجامعة العربية على إعادة مقعد سوريا، وفي 19 أيار/ مايو، حضر الأسد قمة جدة.
وأثارت قفزة الأسد “المنتصرة” في جدة الكثيرين بواشنطن، وقال الأعضاء الجمهوريون في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ إن قرار الجامعة العربية يهدد بتجميد النزاع وتجنب المحاسبة. وبرز نفس الموقف من مجلس النواب حيث قدموا مشروعَ قانون للحدّ من التطبيع مع الأسد.
ويعتقد الكاتب أن الغضب على تأهيل الأسد ليس في محله، كما هو مفهوم. لأن التطبيع كان سيحدث عاجلاً أم آجلاً، ولسبب بسيط هو أن الأسد بقي في منصبه، وحكمه أصبح واقعاً. وأخمدَ الأسد التمرد المسلح، برغم الجهود الدولية لدعم المعارضة، كما أن معظم الدول العربية التي اجتمعت في عمان دعمت المعارضة قبل أن تتوقف وتعيد العلاقات مع دمشق. وهم يفهمون أن سنوات أخرى من العزلة لن تفعل شيئاً، أو تهز نظام الأسد. كما أن “الوضع الراهن” جعل الحياة مقيتة لكل السوريين، وخنقت العزلة الناس الذين لا ذنب لهم. وحتى قبل الهزة الأرضية، كانت الحاجات الإنسانية عالية، وهرب الكثير من السوريين والحرب في أوجها، لكن الكثيرين منهم فروا بسبب الخدمة الإلزامية.
وزادت الضغوط على اقتصاديات الدول المضيفة، وسط معاداةٍ للسوريين في لبنان وتركيا. ولم تساعد الأزمة السورية بلداً يتحول إلى أكبر مصدر للمخدرات، وإلى نقطة انطلاق للميليشيات التي تدعمها إيران. الأسد ليس شريكاً مثالياً، لكن الدول العربية ليست مخطئة في التفكير والتعامل الذي يخدم مصالحها. كما أن التواصل العربي قد يمنع التبعية السورية لإيران، ويخفف من تأثيرها على “الدولة” السورية.
ويبدو أن الدول العربية حصلت على تعهدات من أجل التعاون في مجال التهريب. ومن ناحية مهمة، فإن التطبيع العربي ترك أثره على السوريين العاديين. كما أن الدول العربية حصلت على وعود من النظام السوري بتوضيح موقفه من اللاجئين ومنح عفو لمن يريدون العودة. وليس من الواضح إن كانت دمشق ملتزمة حقيقية بهذه الأهداف. لكن النظام، على ما يبدو، قدّم بعض اللفتات.
ومنذ لقاء عمان، وسّعَ الدعم الإنساني لمناطق المعارضة في شمال سوريا. وفتح معابر إضافية بعد الهزة الأرضية، وعندما صوّتت روسيا على إغلاق المعبر الرئيسي في الشمال، وقع اتفاقية مع الأمم المتحدة لاستخدامه. وعليه، فإن التطبيع العربي يمكن أن يسهم بتحسين حياة الناس العاديين. ويرى المعارضون للتطبيع أنه قد يجعل البلد صالحاً للسكن أكثر، ولكن بثمن باهظ.
ويقول إميل الحكيم: “تحسين الظروف الإنسانية والاقتصادية ممكن في أجزاء من سوريا”، لكن في داخل سوريا “سيحاول النظام استخدام الدعم العربي لدعم إستراتيجيته القاسية لتقوية سلطته”.
ولكن لا توجد أية أدلة على أن التطبيع سيجعل الأسد أقل قمعاً، فأجهزة المخابرات السورية لا تنتظر موافقةً خارجية لكي تلاحق المعارضين. ولا توجد أدلة عن معاناة الحكومة في ملاحقة المعارضين بسبب عدم توفر المصادر الاقتصادية. وهناك من يرى أن التطبيع العربي قد يدفع الأسد لاستعادة ما تبقى من مناطق في يد المعارضة، لكن هذا التفكير ليس في محله، نظراً لوجود الأتراك والأمريكيين، والتطبيع لا يعني أن هاتين الدولتين ستقومان بسحب قواتهما. كما أن تعاون الدول العربية مع نظام دمشق في موضوع اللاجئين يحمل مخاطر، وعليها أن تعمل مع الأمم المتحدة والتأكد أن أي عودة يجب أن تكون طوعية.
ويقول الكاتب إن الأردن حليف موثوق به، ولن يرحّل اللاجئين بالقوة، وكذا مصر، أو دول الخليج. لكن تركيا ولبنان هما اللتان ترحّلان اللاجئين بسببب المشاعر المعادية للسوريين.
الكاتب: الأردن حليف موثوق به، ولن يرحّل اللاجئين بالقوة، وكذا مصر، أو دول الخليج. لكن تركيا ولبنان هما اللتان ترحّلان اللاجئين بسببب المشاعر المعادية للسوريين.
ويعتقد المعارضون لنظام الأسد أن التطبيع سيجعل من المستحيل تحميل نظامه مسؤولية جرائمه. ومن الخطأ التفكير أن الدول العربية ستحقق العدالة للسوريين، فهي لديها سجلات سيئة في حقوق الإنسان.
وفي النهاية يظل التطبيع مع الأسد غير مستساغ للولايات المتحدة وحلفائها في الغرب، والتي عارضت استئناف العلاقات مع دمشق. ويبدو أن بايدن يفهم نظراءه العرب. وأكدت الإدارة أهمية مشاركة الدول العربية مصالح وأهداف أمريكا.
ودعت باربرا ليف من وزارة الخارجية الأمريكية الدول العربية للحصول على أفعال قوية ومنافع للشعب الفلسطيني. واشنطن لن تشجع التطبيع، هو أمر مستحيل، ولكن عليها دفع شركائها العرب للعمل من أجل تحسين حياة وظروف السوريين. ويجب على أمريكا دفع الدول العربية لزيادة الضغط من أجل تأمين المساعدات وإطلاق السجناء، وليس فقط تهريب المخدرات وإيران.
ومن ناحية مثالية، يجب عدم إجبار أي شخص على الاختيار بين المحاسبة ورفاه الشعب السوري، بل يجب منح الأولوية. والأسد هنا ليبقى، وبقية الشرق الأوسط عالق معه. وقرار الدول العربية إخراج الأسد من عزلته منطقي وحتمي. والأمر بيد الولايات المتحدة والدول العربية التأكد من توفير المنفعة للسوريين العاديين.
“القدس العربي”


























