وصل وزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد الاثنين، إلى القاهرة، لحضور أول اجتماع لـ”لجنة الاتصال العربية”، في ظل تعثر المبادرة العربية وتصريحات رئيس النظام بشار الأسد الأخيرة عن عودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية.
وقالت صحيفة «الوطن» شبه الرسمية، إن المقداد يصل إلى القاهرة، للمشاركة في أعمال اجتماع لجنة الاتصال العربية التي أقرتها الجامعة العربية بخصوص تنفيذ مخرجات اجتماع عمان التشاوري، حيث سيلتقي بكل من وزراء خارجية السعودية والعراق، ومصر، والأردن، ولبنان. وسيبحث اجتماع القاهرة في “الآليات التي يمكن اعتمادها عربياً لمساعدة سوريا في تجاوز أزمتها” كما سبقه زيارة معاون المقداد، أيمن سوسان، إلى الأردن يوم الأحد تحضيراً لهذا الاجتماع. وأوضح مصدر دبلوماسي عربي، بوجود جو إيجابي قبيل الاجتماع، “حيث تريد البلدان العربية المشاركة، أن يكون تحركها جماعياً وليس فردياً”، في سبيل الإسراع بحل “الأزمة السورية”.
ويسعى الأردن لحشد الدعم الدولي والإقليمي، للمبادرة التي ذكرها وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في أيلول/سبتمبر 2022 على هامش اجتماعات الدورة الـ 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي ما تزال غير واضحة المعالم، إلا أنه أكد توافق الأردن مع دول عربية عليها بشكل مبدئي لا سيما مع السعودية إلى جانب مصر والكويت والبحرين، وفرنسا على الصعيد الدولي.
ويأتي هذا الاجتماع وسط معطيات تفيد بتعثر المبادرة العربية، عقب مهاجمة رئيس النظام السوري بشار الأسد جامعة الدول العربية منذ أيام مع إحدى الفضائيات الخليجية، حيث أوضح أنه غير معني بالتعامل بإيجابية مع مبادرة عربية لحل القضية السورية. وهو ما أثار موجة من التكهنات حول أهمية الاجتماع الأول للجنة الاتصال العربية الوزارية المعنية بسوريا، وهل هو اجتماع بروتوكولي أقرب للشكلية بهدف إبقاء المسار حياً بدلاً من نعيه، أم أنه مسار فعلي، وما دور الأردن ومصر؟
تفعيل لجنة الاتصال
وفي هذا الإطار أكد الأكاديمي الأردني المختص في العلوم السياسية د.نبيل العتوم لـ “القدس العربي” أن الدول العربية المشاركة تسعى إلى أن يكون تحركها جماعياً وليس فردياً في سبيل الإسراع بحل “الأزمة السورية” خاصة مع وجود عوائق لا زالت تشوب العلاقات بين دول مجموعة الاتصال والحكومة السورية، مما جعل عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية شكلية، خاصة مع عدم وفاء النظام السوري بالالتزامات التي وعد بها وعلى وجه الخصوص موضوع المخدرات وتهريب السلاح ونشاط الميليشيات الإيرانية لاسيما عبر الحدود الأردنية. لكن ما سيزيد الأمور تعقيداً وفق الخبير السياسي هو “وصف الأسد العلاقات العربية – العربية بأنها شكلية منذ عقود”، مبرراً ذلك بأن “العرب لا يطرحون أفكاراً عملية، بل يحبون الخطابات والعلاقات الشكلية، على الرغم من أن الصورة كما يعكسها الواقع عكس ذلك تماماً”.
وحول دور الأردن قال العتوم: إنه معني بإيجاد مسار عربي جاد وواضح لحل الأزمة وفق مبدأ خطوة مقابل خطوة وبما ينسجم مع القرار الأممي 2254، إضافة إلى بذل الجهود للتوصل لحل سياسي في سوريا، وملف محاربة الإرهاب وتهيئة الظروف للعودة الطوعية للاجئين السوريين الذين باتوا يثقلون كاهل الأردن خاصة مع عدم وجود إرادة دولية لمساعدة الأردن لتخطي آثار هذه الأزمة وتداعياتها الاقتصادية والأمنية والسياسية. وهذا لن يتأتى وفق رأي الخبير في العلاقات الدولية، إلا عبر تفعيل لجنة الاتصال العربية التي كانت أقرتها الجامعة العربية بحيث تكون هناك مخرجات عملية تسهم في معالجة تبعات الأزمة السورية.
وتحدث العتوم عن فرملة الاندفاعة العربية، بسبب تملص النظام السوري من تعهداته والتزاماته، حيث أبدى اعتقاده بأن شيئاً لم يتحقق أمام تنصل النظام السوري وهذا ما يفسر أن “الدول العربية التي اندفعت باتجاه تطبيع علاقتها مع نظام الأسد أوقفت هذه الاندفاعة بشكل تدريجي على المستويات السياسية والاقتصادية، في حين أبقت على خطوط التواصل الأمني والاستخباري لاعتبارات عديدة” حيث برر تجميد هذه الدول لسياسة الانفتاح على النظام، ووقف هذا التحرك “المجاني” على النظام السوري، والتحفّظ على تقديم أي مساعدات له.
وأمام ما تقدم، ربط المتحدث تطور مسار التطبيع مع نظام بشار الأسد بعدد من المتغيرات أبرزها، مبدأ “خطوة مقابل خطوة” عبر ضرورة تقديم خطوات إيجابية من جانب النظام السوري مقابل خطوات عربية في مقابلها وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الأساسية التي تم التأكيد عليها مراراً، وهي “تهريب الكبتاغون”، “عودة اللاجئين”، والانخراط في مسارات الحل السياسي.
وما تزال قضية “تهريب المخدرات” من سوريا إلى الأردن ودول الخليج قائمة حتى الآن، فيما لم تشهد مسألة “عودة اللاجئين” أي بادرة إيجابية من النظام السوري، وأيضاً فيما يتعلق بمسارات الحل السياسي، وأبرزها “مسار اللجنة الدستورية السورية”.
تهريب المخدرات
من هنا، اعتبر الخبير في العلاقات الدولية أيمن العتوم أن “الكرة العربية باتت الآن في ملعب دمشق”. أما المتغير الثاني وهو “المرتبط بعلاقات بعض القوى الدولية ونظرتها لطبيعة النظام وتحركاته في الفترة الأخيرة، كما يرتبط المتغير الثالث بـ”العلاقات الإقليمية، التي شهدنا فيها توتراً في جوانب عديدة وانفراج في آخر وهو المتعلق بالعلاقات العربية السورية، وأبرزها العلاقات الخليجية السورية وتداخلها مع المتغير الإيراني”.
واعتبر أن أي “تغيّر كبير وسريع في الاندفاعة العربية سيشهد مزيداً من البطيء خلال المرحلة المقبلة، خاصة أنه لن يكون هناك أي تغيرات دراماتيكية مثل تغيّر موازين القوى بين المعارضة والنظام السوري”، أو “تقديم النظام أفكاراً جديدة قد تطرح كحل ومشاركة لتعديل سلوكه السياسي مع المعارضين، وعودة اللاجئين”، أو وقف اندفاعه باتجاه النظام الإيراني، وحتى القدرة على التحكم بمليشيات إيران وأذرعها خاصة حزب الله اللبناني المنتشرة عبر الجغرافية السورية وفق المتحدث.
ويسعى الأردن لطرح مبادرته للحل السياسي في سوريا، وحشد الدعم لوضعها على طاولة التسوية كحل استراتيجي، مدفوعاً بالمتغيرات الإقليمية والدولية، والانفتاح العربي والتركي على دمشق، إلى جانب إمكانية تقديم إيران تنازلات بعد الإعلان عن استئنافها العلاقات مع السعودية، على الرغم من صعوبة تنازل النظام السوري عن علاقاته مع طهران وتعقد المشهد الداخلي السوري خاصة مع وجود ميليشيات متعددة الجنسيات يديرها الحرس الثوري الإيراني الذي يوظف سوريا كساحة لتحقيق مصالحه ولتبادل الرسائل مع الخصوم والمنافسين.
اجتماع بروتوكولي
ورغم جدية المبادرة الأردنية، إلا أن مدير وحدة الدراسات في مركز “أبعاد” محمد سالم، رأى أن الاجتماع ليس ذا أهمية كبيرة، بل هو بروتوكولي أكثر منه فعلياً. وقال الباحث السوري لـ”القدس العربي”: نحن نعلم أن كثيراً من القمم العربية على مستوى الرؤساء أو الوزراء كانت قمماً بروتوكولية وشكلية دون فاعلية، وضع التطبيع العربي بالفعل دخل مرحلة جمود بسبب تعنت النظام وطلبه من الدول العربية السعي لرفع العقوبات الغربية والحصول على الأموال منهم لإعادة الإعمار بحجة تأمين عودة اللاجئين، ودون تعاون فعلي في موضوع مكافحة تهريب المخدرات. لذلك رأى المتحدث أن مثل هذه الاجتماعات أقرب للشكلية والمراوحة في المكان ومحاولة إبقاء المسار حياً ولو كان مجمداً بدلاً من نعيه تماماً.
وكانت الجامعة العربية قد دعت نهاية شهر أيار/مايو لجنة الاتصال الوزارية المكونة من “الأردن، السعودية، العراق، لبنان، مصر والأمين العام”، لمتابعة تنفيذ بيان عمّان والاستمرار في الحوار المباشر مع النظام السوري للتوصل لحل شامل للأزمة السورية يعالج جميع تبعاتها، وفق منهجية الخطوة مقابل خطوة، وبما ينسجم مع قرار مجلس الأمن رقم 2254. وذلك حسب ما نشرته الجامعة على موقعها الرسمي، من قرارات مجلسها على مستوى القمة للدورة العادية 32، التي عقدت في مدينة جدة السعودية. مؤكدة ضرورة إحاطة مجلس الجامعة على المستوى الوزاري بنتائج أعمال اللجنة. كما رحبت الجامعة العربية بالبيان العربي الصادر عن اجتماع عمان بشأن سوريا 1 مايو/ أيار 2023 مؤكدة على حرصها “بإطلاق دور عربي قيادي في جهود حل الأزمة السورية يعالج جميع تبعات الازمة الإنسانية والأمنية والسياسية على سوريا وشعبها”.
المحلل السياسي والأكاديمي المصري د. حسام النحاس اعتبر في اتصال مع “القدس العربي” أن أهم هدف للاجتماع الأول للجنة الاتصال العربية الوزارية المعنية بسوريا، هو بحث تسوية سياسية شاملة للوضع للقضية السورية.
القاهرة: الحل سياسي
وحول دور القاهرة، قال: جميع العواصم العربية الهامة تؤكد على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة للوضع السوري في أقرب وقت ممكن، وهو ما يطلب من النظام السوري اليوم. وأضاف: نحن نعلم أن المنهج المتبع من قبل الدول العربية أو جامعة الدول العربية هو التحرك العربي الجماعي أولاً ثم منهج وسياسة الخطوة مقابل خطوة من الجانب السوري، وعلى الأخير أن يتجاوب مع موقف المجموعة العربية بشكل إيجابي وذلك بعيداً عن التصريحات الهجومية والسلبية التي تصدر أحياناً من الجانب السوري.
ويأتي على قمة أولويات الاجتماع وفق المتحدث: بحث الآليات التي يمكن اعتمادها عربياً لمساعدة سوريا، ومهمة اللجنة هو مواصلة الحوار المباشر مع السلطات السورية للتوصل لحل سياسي للأزمة، وهو لن يأتي إلا بناء على مسار عربي جاد وموحد على مبدأ خطوة مقابل خطوة ويجب أن تبدأ الخطوة من النظام السوري التزاماً بالقرارات الأممية.
وتحدث النحاس عن محاولة الدول العربية الخروج بمخرجات عملية وواقعية ووفق خارطة طريق وجدول زمني محدد لحل الأزمة وأن يقف كل طرف على مسؤولياته لعودة العلاقات الفعلية وليست الشكلية، والإبقاء على خطوط التواصل. وأكد المتحدث أنه لن يكون هناك تحرك عربي مجاني تجاه الأزمة السورية، وهو ما يتوقف على مدى تحرك الجانب السوري والخطوة الإيجابية الأولى الصادرة عنه.
“القدس العربي”


























