كارثة معيشية فظيعة كالتي يكابدها السوريون لا بدّ أن تكون مصدراً لصرخات التوجّع، وربما لا تفي كلمة كارثة المجاعةَ حقها من الوصف في حين يتهاوى الواقع المعيشي من قعر إلى قعر أعمق بلا أدنى أمل. استكمالاً لهذا الوضع الخانق، أتت تصريحات بشار الأسد ومسؤوليه متدرجةً من التحلل التام من الواجبات وصولاً إلى القول أن أحداً لم يطلب من الجوعى البقاء في البلد!
المسألة لم تعد في تجويع هؤلاء، بل أيضاً في أن أحداً في السلطة لم يكلّف خاطره أن يواسيهم نفاقاً وكذباً. ما حدث، ويحدث بصفاقة تامة، هو بين اللامبالاة إزاءهم وبين إهانة كراماتهم صراحةً. ليقفز إلى الأذهان السؤال الذي يبدو منطقياً جداً: إن لم يكن الآن، متى يثور أولئك الذين يكابد أطفالهم الجوع أمام أعينهم؟! وغير بعيد عنه السؤال: ما الذي يجعل بشار مطمئناً إلى أنهم لن يثوروا؟
لمعاندة ما يبدو منطقاً حتمياً لا تكفي الإشارة إلى العديد من تجارب البؤس في مختلف أنحاء العالم، والتي لم تشعل ثورات بهذا المعنى المباشر، بل يجدر التفكير انطلاقاً من الخصوصية المحلية، وأيضاً من دون التورط في أحكام قطعية بناء على هذه الخصوصية.
لدينا في الماضي القريب درس يتم تجاهل واحد من أهم أبعاده، هو درس المواجهة بين الأسد الأب والإخوان في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات. نخصّ من المواجهة مجزرة حماة، حيث تشير الأرقام إلى قتل ما بين 30 و40 ألفاً من أهالي المدينة، بعد تطويقها وحصارها بإحكام منعاً لهروبهم. كانت ميليشيات الأسد قد روّعت أهالي مدينة حلب قبل حماة، وداهمت وفتّشت بيوت المدينة بيتاً بيتاً بذريعة البحث عن مطلوبين أو منشورات مما كان يوزّعه الإخوان، فضلاً عن مجازر صغيرة متفرقة مثل مجزرة حي المشارقة. لم يكن على الإطلاق حجم العنف أو الوحشية المستخدمين متناسباً مع التهديد الذي يشكّله الإخوان على السلطة، حتى مع وجود شيء من التعاطف الشعبي معهم.
من المستحسن مغادرة التحليل الذي يقتصر على أن السلطة بالغت وتبالغ في استخدام العنف على سبيل الترهيب، أو لعجزٍ مخابراتي يمنعها من ممارسة عنف انتقائي أذكى. ما نراه ونؤكد عليه هو أن الإفراط في استخدام العنف يعني تلقائياً توريط المزيد من الموالين فيه، وجعلهم شركاء فعليين “لا مجازيين” في الدم. إن ما يظهر من ركاكة السلطة وفجاجتها ينبغي ألا يدفع إلى الظن أنها غير واعية سلفاً لما نعتقد أنه من أهم استثماراتها، حتى إذا أظهرت الكثير من “الغباء” في ميادين لا تمسّ مباشرةً وجودَها.
لقد رأينا بعد مجزرة حماة بثلاثة عقود كيف أفرط بشار “على خطا أبيه” في استخدام العنف ضد المظاهرات منذ اللحظة الأولى، وراح منسوب العنف يتصاعد كلما أصرّ المتظاهرون على سلمية حراكهم، والحديث عن شهور طوال من العنف والوحشية حين لم تكن فكرة “عسكرة الثورة” مطروحة إطلاقاً. ومن المستحسن هنا التفكير فيما يتجاوز تلك المقولة عن دهاء السلطة التي استدرجت الثورة إلى العنف، بوصفه ملعبها المفضَّل. إذ بغضّ النظر عن الموقف من العسكرة برمّتها، أو الموقف مما آلت إليه، سيكون من السذاجة الظنّ أن العنف والتنكيل بالمعارضين كان سيتوقف عند حدّ معين، أو حتى عند انتهاء الحراك، بما أن الأصل في عقيدة السلطة هو توريط المزيد من مواليها في العنف، ثم بالمزيد منه، كطريقة مجرَّبة ومضمونة، لاكتساب الولاء. هي أمثولة حماة ذاتها؛ أن ترتكب مجزرة، وأن تكسب ولاءً أشدّ من قبل؛ من المتورطين في القتل وحتى من الأبرياء الخائفين “بسبب المجزرة” من ثأر أعمى. الإكثار من المتورطين هو بمثابة احتياطي استباقي.
للتفكير في ظواهر اعتراضية لشبيحة أو منحبكية، أو لمن كانوا صامتين وأقرب إلى الموالاة حتى زمن قريب، سيكون من الأفضل الإحاطة قدر الإمكان بالواقع الحالي، وعدم تحميله رغبات أو أوهام إما أنه لا يحتملها، أو لأنها أصلاً خارج حسبان الكتلة المؤثرة فيه. وأول ما يجدر التفكير فيه ذلك العدد الضخم من الشبيحة والمخابرات والجيش الذين شاركوا في إبادة سوريين آخرين، وهؤلاء تلقائياً لن يكونوا مع أي تغيير يهددهم بالمحاسبة، حتى إذا استُثني من المحاسبة المجنّدون إلزامياً الذين لم يكن القتال خياراً طوعياً لهم. ولا يُستبعد أن تكون المجاعة الحالية قد أصابت حتى بعض الشبيحة أو المنحبكجية؛ ربما أصابت طياراً كان يتلذذ ويتباهى بإلقاء البراميل على المدنيين، ربما يكون واحداً من الذين تطوعوا للدعس على معتقلي بانياس والبيضا أو للبصاق “وما هو أسوأ” على معتقلين في جبلة؛ هؤلاء ليسوا قلة، وحتى إذا كانوا ناقمين وخائبي الرجاء فإن ماضيهم كفيل بلجمهم عن ما يتعدى التذمر الخفيف.
إن قراءة سطرين من كتاب الأسد تكفي للجزم بأنه لن يكتفي بذلك العدد الضخم من المتورطين السابقين، ومع أول تحرك جدي علني سلمي سيحاول تجنيد وتوريط قتلة جدد من أجل تمتين الجبهة “العريضة أصلاً” المعادية للتغيير. والفرق الذي لا ينبغي إهماله بين الأمس واليوم أن المرشّحين نظرياً للاحتجاج تربط نسبة كبيرة منهم صلات قربى بالشبيحة وعناصر المخابرات، وقد لا يندر ضمن هذه الشريحة وجود الذين استقووا يوماً “ربما لتحصيل حق مشروع” بتلك الصلات. ثمة قول سخر منه المعارضون فيما مضى مفاده أن العسكري في قوات الأسد ليس عدواً؛ “هو خيّك وابن عمك”. هذا القول يصحّ اليوم حسابياً أكثر بكثير من عام 2012.
يستبق المعترضون في مناطق سيطرة الأسد عنفَ الأخير بالتأكيد على سلمية تحركهم، وقد أتى آخر التحركات وراء اسم “حركة 10 آب” التي وضعت قبل عشرة أيام في بيانها الأول هذا التاريخ موعداً ليخرج بشار الأسد أو رئيس وزرائه، ويحدد التزاماً زمنياً “بصرف النظر عن مدته” لتحسين مستوى المعيشة ومحاربة المخدرات والإفراج عن المعتقلين ووقف بيع أملاك الدولة للأجنبي. في العاشر من آب نشرت الحركة بيانها الثاني، تدشّن به نشاطها بعد تجاهل الأسد بيانها الأول، ونشرت على صفحتها في فايسبوك تسجيلات لتوزيع قصاصات ورقية عليها شعارات، في جبلة والسويداء واللاذقية وحلب ومصياف وريف دمشق. مع إعادة تأكيد البيان الثاني على سلمية الحركة، حملت القصاصات الموزّعة شعارات يغلب عليها نبذ الطائفية مثل: “الشباب السوري بكل طوائفه يقول كفى للذل”، أو “الشعب السوري بكل طوائفه يقول كفى للذل”.
بين السطور هناك رغبة في تميز الحركة عن ثورة 2011، رغبة مشروعة في العديد من الجوانب، لكن التشابه يطل نظرياً على الأقل من جانبين، فثورة 2011 بدأت واستمرت لشهور مع الإصرار على سلميتها وعلى شعار “الشعب السوري واحد. بهذا المعنى، لا جديد سوى تحاشي الحركة أية إشارة يُفهم منها المناداة بإسقاط النظام، وهذه ملاحظة تصِف الواقع لا غير، مع التذكير بأن شعار إسقاط النظام لم يرفعه المتظاهرون في 2011 إلا عندما أوغل شبيحة الأسد في دمائهم. وفي أوجه التشابه، من الخطأ الظن أن تحركاً “علَوياً” في الساحل سيردع الأسد عن استخدام ورقة “الإرهاب السني”، فالتلويح بهذا الخطر أثبت جدواه الداخلية الطائفية قبل الحديث عن جدوى خارجية له، وهذا قابل للاستعادة بسهولة مع وجود حقيقي أقوى للتطرف السني، وجاهزية ما هو مخترق منه أو مقيم في ضيافة الحليف الإيراني لتأدية الوظيفة.
بين تاريخي 15 آذار و10 آب، على ما بينهما من اختلاف ليس بالقليل، سيكون من المؤسف عدم مراكمة معرفة أعمق بطبيعة سلطة الأسد، والتوقف عند مقولات أو شعارات يتم تداولها كأنها من البديهيات لكثرة تكرارها لا غير. يعلّمنا آذار 2011 أن الانفجار قد يحدث في أي وقت ومن حيث لا نحتسب، ومن السيء ملاقاته مع الافتقار إلى جديدٍ قد استوعب الدرس القديم بمختلف جوانبه.
“المدن”


























